ما أروع أن ننقل هنا القصّة التي ذكرها شيخ التفسير: أبو الفتوح الرازيّ أعلى الله تعالى مقامه الشريف: «ثمّ أومأ إلى أمير المؤمنين عليّ، ودعاه، ورقى ذلك المنبر وهو معه، وأخذ بعضديه، ورفعه، وعرضه على الناس كما تعرض العروس حتّى رَأي النَّاسُ بَيَاضَ إبْطَيِهِمَا. وكان صامتاً ساعةً. ونُقل أنّ الشبليّ دنا من أحد العلويّين المعروفين يوم الغدير، وهنّأه، ثمّ قال له: يَا سَيِّدي! هل تعلم السرّ من أخذ جدّك يدَ أبيك ورفعها دون أن يتكلّم؟! قال: لا أعلم.
قال: كانت إيماءة إلى أنّ النسوة اللّائي جهلنَ بجمال يوسف، فَلُمْنَ زليخا، وقلن: {امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}. فأرادت أن تريهنّ شيئاً من جمال يوسف، فصنعت لهنّ وليمة ودعتهنّ إليها. ولمّا جئنها، أجلستهنّ في بيت ذي بابين؛ وألبست يوسف قميصاً أبيض وقالت له: ادخل من هذا الباب واخرج من ذلك الباب لأجلي! وقالت لهنّ: اريد أن اريكنّ مَن احبّ مرّة واحدة، وأرجو منكنّ أن تبررنه لأجلي!
قلن: ماذا نصنع؟! قالت: آتي كلّ واحدة منكنّ سكّيناً واتْرُجّاً؛ فإذا خرج عليكنّ، فلتأخذ كلّ واحدة منكنّ قطعة من اترجّها وتعطيها إيّاه! قلن: نفعل. ولمّا خرج ووقع بصرهنّ على جماله، أردن أن يقطّعن الاترج، فقطّعن أيديهنّ انبهاراً وذهولًا. ولمّا انصرف، قلن: {حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ}.
قالت: رأيتُنّ! {فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ}.
فكذلك رسول الله صلّى الله عليه واله أومأ وقال: ذلك الرجل الذي لو قلتُ في حقّه شيئاً، لما راق لكم، وللُمتموني فيه. فانظروا اليوم ما ذا يقول الله تعالى في حقّه؟ وأين يضعه؟ وما هي المنزلة التي يتحفه بها؟ ثمّ قال: ألَسْتُ أوْلَى بِكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ؟!
قَالُوا: بَلَى. قرّرهم فأقرّوا. ولمّا أقرّوا كلّهم، قال على الفور: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيّ مَوْلَاهُ؛ اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَن عَادَاهُ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ. ثمّ قال: اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟! قالوا: بلى.
قال: اللهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ. إلى آخر القصّة.[1]
[1] تفسير «رَوح الجِنان و روح الجَنان» المشهور بـ «تفسير أبي الفتوح الرازيّ» ج 2، ص 192، طبعة مظفّري.