نحن نتمسّك فيما يلي بوجهين لإثبات بطلان هذا الكلام، وتقرير نزول آية إكمال الدين في الغدير.
الأوّل: ما اتّفق عليه أهل السير والآثار من أهل السنّة أنَّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله بقي بعد نزول آية إكمال الدين أحداً وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين ثمّ رحل إلى دار البقاء؛ وكذلك يقول مؤرّخوهم: إنَّ رحلته كانت في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأوّل.
يقول الفخر الرازيّ في تفسيره: قال أصحاب الآثار: لمّا نزلت هذه الآية على النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله وسلّم لم يعمر بعد نزولها إلّا أحداً وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً. ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا تبديل البتة. وكانت هذه الآية جارية مجرى إخبار رسول الله عن قرب وفاته. وهذا إخبار عن الغيب، فيكون معجزاً.[1]
ومن الذين ذهبوا إلى أنَّ المدّة كانت أحداً وثمانين يوماً: أبو السُّعُود في تفسيره.[2]
وقال ابن كثير الدمشقيّ في ذكر وفيّات السنة الحادية عشرة من الهجرة: توفّي في هذه السنة رسول الله صلّى الله عليه و آله وسلّم مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ سَيِّدُ وُلْدِ آدَمَ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ. وذلك في ربيعها الأوّل يوم الاثنين ثاني عشره على المشهور.[3]
وهذا ينسجم تماماً مع الرأي القائل: إنَّ آية إكمال الدين نزلت في يوم الغدير، لأننا إذا لم نحسب يوم الغدير وحسبنا يوم الوفاة- كما يفعلون عادة في حساب الأيّام إذ يُسقطون اليوم الأوّل أو الأخير منها- وكان كلّ واحد من الشهور الثلاثة المتوالية: ذي الحجّة، والمحرّم، وصفر تسعة وعشرين يوماً،[4]، فإنَّ بين عيد الغدير ويوم الوفاة أحداً وثمانين يوماً، وإذا كان شهران منهما كلّ واحد تسعة وعشرين يوماً، وشهر ثلاثين يوماً، فستكون المدّة اثنين وثمانين يوماً.
ومن الواضح أنَّ هذا الحساب يستبين عند ما يكون نزول الآية في يوم الغدير، أي: اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة، بيد أننا إذا افترضنا أنها نزلت في يوم عرفة، أي: اليوم التاسع، فإنَّ المدّة بين نزول الآية ووفاة رسول الله ستكون تسعين يوماً أو واحد وتسعين يوماً. وهذا خلاف ما نصّ عليه العامّة أنفسهم، إذ لم يذكر أحد منهم هذه المدّة.
الثاني: أنَّ الآية الكريمة: {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} تدلّ على أنَّ الدين كامل، وأنَّ جميع الأحكام والتعاليم قد نزلت ولم يبق شيء منها، لا حلال ولا حرام حتّى انتقل النبيّ إلى ربّه. ووردت أحاديث تنسجم مع هذا المعنى، ونحن نعلم أنَّ بعض الأحكام نزلت بعد عرفة كوجوب الموالاة في يوم الغدير، وإن لم يحملها العامّة على الإمامة والخلافة، وكآية الربا، والدَّيْن، وإرث الكلالة،[5] وبعامّة الآيات الواردة في سورة المائدة التي نزلت بين يوم عرفة ويوم الغدير. لأنَّ العامّة يتّفقون معنا على أنَّ سورة المائدة نزلت في حجّة الوداع.[6]
وقد التفت السيوطيّ في كتاب «الإتقان» إلى هذا الإشكال المثار ضدّ اولئك الأشخاص، وقال هذا: «من المشكل على ما تقدّم قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فإنّها نزلت بعرفة عام حجّة الوداع، وظاهرها إكمال جميع الفرائض والأحكام قبلها. وقد صرّح بذلك جماعة منهم السدّيّ فقال: لم ينزل بعدها حلال ولا حرام، مع أنه وارد في آية الربا والدَّين والكلالة أنها نزلت بعد ذلك. وقد استشكل ذلك ابن جرير، وقال: الأولى أن يتأوّل على أنه أكمل لهم دينهم بإقرارهم بالبلد الحرام وإجلاء المشركين عنه حتّى حجّه المسلمون لا يخالطهم المشركون.
ثمّ أيّد ابن جرير هذا التأويل بما أخرجه من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عبّاس، قال: كان المشركون والمسلمون يحجّون جميعاً فلمّا نزلت سورة براءة، نُفي المشركون عن البيت وحجّ المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين. فكان ذلك من تمام النعمة التي أنعمها الله: {وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}»[7]
ومن الواضح أنَّ تأويل ابن جرير لا يدفع الإشكال، لأنَّ الآية ظهوراً في كمال الدين وتمام النعمة بشكل مطلق، ولا يتسنّى تسمية الدين كاملًا وهو يحمل نقصاً في الأحكام التي تكتمل فيما بعد. وعلى الرغم من أنَّ نفي المشركين كان نعمة إجمالًا، إلّا أنه ليس تمام النعمة بنحو مطلق، وكمال الدين بشكل عام. فلهذا اكتفى السيوطيّ بذكر تأويل ابن جرير وتبريره فحسب، ولم يقف عند الموضوع، ولم يذكر شيئاً من عنده لدفع الإشكال الوارد. يضاف إلى ذلك، أننا نعلم أنَّ سورة براءة ونفي المشركين من المسجد الحرام يختصّ بالسنة التاسعة من الهجرة، فينبغي أن تكون الآية قد نزلت في ذلك اليوم، وكلمة {الْيَوْمَ} ظرف زمان لذلك اليوم. وحينئذٍ فما معنى نزول آية إكمال الدين بلفظ اليوم بعد مضيّ سنة على نزول آية البراءة.
[1] تفسير «مفاتيح الغيب» ج 3، ص 529، طبعة دار الطباعة العامرة.
[2] «تفسير أبي السعود» في حاشية تفسير «مفاتيح الغيب» ج 3، ص 523، وذكره في «تفسير المنار» ج 6، ص 154 عن البيهقيّ في «شعب الإيمان»؛ وجاء في «تفسير ابن كثير» ج 2، ص 489: قال ابن جرير وكثيرون غيره: توفّي رسول الله بعد أحد وثمانين يوماً من عرفة؛ و«الدرّ المنثور» ج 2، ص 257؛ ونقل أبو الفتوح الرازيّ في تفسيره، ج 2، ص 98، طبعة مظفّري، عن ابن عبّاس، والسدّيّ، وجمع من المفسّرين أنَّ رسول الله لم يبق بعد نزول الآية أكثر من سبعين يوماً.
[3] «البداية والنهاية» ج 6، ص 332؛ و«السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 391؛ و«الكامل فيء التاريخ» ج 2، ص 323، طبعة بيروت، سنة 1358 هـ؛ و«تفسير الطنطاويّ» ج 3، ص 146.
[4] يمكن أن يكون الحدّ الأعلى لأيّام الشهور الثلاثة المتوالية تسعة وعشرين يوماً، والحدّ الأعلى لأيّام الشهور الأربعة المتوالية ثلاثين يوماً لا أكثر وفقاً لقواعد النجوم وحساب سير القمر. وقد تطرّقنا إلى هذا الموضوع في رسالتنا المسمّاة رسالة «حول مسألة رؤية الهلال ولزوم اشتراك الآفاق عند رؤية الهلال في دخول الشهور القمريّة» ص 29.
[5] روي في «تفسير الطبريّ» ج 6، ص 80، عن البراء بن عازب أنَّ آخر ما نزل على النبيّ قوله:{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ}- (الآية).
[6] قال العلّامة الطباطبائيّ قدّس سرّه: المتسالم عليه عند المفسّرين وأهل النقل أنَّ سورة المائدة نزلت في حجّة الوداع («الميزان» ج 5، ص 202).
[7] «الإتقان في علوم القرآن» ج 1، ص 35، طبعة المطبعة الموسويّة، سنة 1278 هـ.