قال في مدح أبي الهَيْثَم بن التَّيِّهان[1] أنّه أوّل من ضرب على يد رسول الله صلّى الله عليه وآله في ابتداء أمر نبوّته. ثمّ قال بإسناده إلى الهيثم بن التيّهان: إنَّهُ قَامَ خَطِيبَاً بَيْنَ يَدَيْ أمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ فَقَالَ: إنَّ حَسَدَ قُرَيْشٍ إيَّاكَ على وَجْهَيْنِ: أمَّا خِيَارُهُمْ فَتَمَنَّوا أنْ يَكُونُوا مِثْلَكَ مُنَافَسَةً في المَلَاءِ وارْتِفَاعِ الدَّرَجَةِ.
وَأمَّا شِرَارُهُمْ فَحَسَدُوا حَسَداً أثْقَلَ القُلُوبَ وأحْبَطَ الأعْمَالَ. وذَلِكَ أنَّهُمْ رَأوْا عَلَيْكَ نِعْمَةً قَدَّمَهَا إلَيْكَ الحَظُّ وأخَّرَهُمْ عَنْهَا الحِرْمَانُ فَلَمْ يَرْضَوا أنْ يَلْحَقُوا حتّى طَلَبُوا أنْ يَسْبِقُوكَ فَبَعُدَتْ واللهِ عَلَيْهِمُ الغَايَةُ وسَقَطَ المِضْمَارُ.
فَلَمَّا تَقَدَّمْتَهُمْ بِالسَّبْقِ وعَجَزُوا عَنِ اللِّحَاقِ بَلَغُوا مِنْكَ مَا رَأيْتَ، وكُنْتَ واللهِ أحَقَّ قُرَيْشِ بِشُكْرِ قُرَيْشٍ، نَصَرْتَ نَبِيِّهُمْ حَيَّاً وقَضَيْتَ عَنْهُ الحُقُوقَ مَيْتاً.
وَاللهِ مَا بَغْيُهُمْ إلَّا على أنْفُسِهِمْ ولَا نَكَثُوا إلَّا بَيْعَةَ اللهِ. يَدُ اللهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ فِيهَا. ونَحْنُ مَعَاشِرَ الأنصَارِ أيْدِينَا وألْسِنَتُنَا مَعَكَ! فَأيْدِينَا على مَنْ شَهِدَ، وألْسِنَتُنَا على مَنْ غَابَ.[2]
وكذلك قال المرحوم السيّد ابن طاووس: قال مصنّف كتاب «النَّشْر والطَّيّ»: قال أبو سعيد الخُدْرِيّ: فلم ننصرف مع رسول الله من غدير خمّ حتّى نزلت هذه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً}.[3] فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: الحَمْدُ لِلَّهِ على كَمَالِ الدِّينِ وتَمَامِ النِّعْمَةِ ورِضَا الرَّبِّ بِرِسَالَتي ووَلَايَةِ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ. ونزلت هذه الآية: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ واخْشَوْنِ}.[4]
قال صاحب كتاب «النَّشر والطيّ»: فقال الصادق عليه السلام: يَئِسَ الكَفَرَةُ وطَمِعَ الظَّلَمَةُ.
وأنقل أنا وقال مسلم في صحيحه بإسناده إلى طَارِقِ بْنِ شَهَابٍ قال: قالت اليهود لعمر: لو علينا معشر اليهود نزلت هذه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً}، ونعلم اليوم الذي أنزلت فيه، لاتّخذنا ذلك اليوم عيداً.[5]
وروى نزول هذه الآية يوم الغدير جماعة من المخالفين (السنّة) ذكرناهم في «الطرائف». وقال مصنّف كتاب «النَّشْر والطيّ»: وروي أنّ الله عرض عليّاً على الأعداء يوم المباهلة، فرجعوا عن العداوة، وعرضه على الأولياء يوم الغدير، فصاروا أعداءً، فشتّان ما بينهما!
[1] قال في «الإصابة» ج 4، ص 208: أبو الهيثم بن التَّيِّهان بفتح النقطتين الفوقيّة وكسرهما، ابن مالك بن عتيك بن عمرو، وقيل: اسمه مالك. شهد بدراً وحضر بيعة العقبة. آخى النبيّ بينه وبين عثمان بن مظعون. وذهب كثيرون إلى أنّه استُشهد في حرب صفّين.
[2] كتاب «الإقبال» لابن طاووس، ص 459 إلى 461.
[3] (1 و2) الآية 3، من السورة 5: المائدة.
[4] (1 و2) الآية 3، من السورة 5: المائدة.
[5] إنّ هذه الرواية التي ذكرها طارق بن شهاب في «تيسير الوصول» ص 222، أوردها مسلم، والبخاريّ، والترمذيّ، والنِّسائيّ، ومالك في كتبهم أيضاً.