

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
كلام الميرزا عبد الله الإصفهانيّ في التفاوت بين الأئمّة عليهم السلام
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج15، ص241-252
2026-05-11
46
قال آية الله الميرزا عبد الله الأفندي الأصفهانيّ - الذي كان في الدرجة الأولى من تلاميذ العلّامة المجلسيّ - في مقدّمة «الصحيفة الثالثة السجّاديّة»: أمّا بعد؛ فيقول العبد المفتقر الجاني عبد الله بن عيسى بن محمّد الصالح الأصفهانيّ أنّ وفور الأدعية المأثورة وكثرة المناجاة المأثورة البهيّة عن مولانا عليّ بن الحسين زين العابدين وغزارة الأوراد والأذكار والندب المنسوبة إليه صلوات الله عليه متن نظمها ونثرها، طويلها وقصيرها، ونضارتها فيما بين أدعية النبيّ وفاطمة وسائر الأئمّة، وطراوتها الغالبة وظهور غاية الضراعة والابتهال والمسكنة فيها، ونهاية تأثيرها وإجابة أدعيتها ممّا لا يرتاب فيها أحدٌ من عامّة العلماء فضلًا عن خاصّة الفضلاء، وذلك لما قد خصّ الله كلّ واحدٍ منهم عليهم السلام بمزيّة وخصوصيّة لا توجد في غيره. كظهور آثار العلوم في الباقر والصادق عليهما السلام في الأكثر. وبهور الشجاعة في أمير المؤمنين والحسين عليهما السلام، كما أنّ الغالب هو الحرقة والجذبة الشديدة في أدعية عليّ ابن الحسين عليه السلام. والفصاحة والبلاغة والهيبة في أدعية أمير المؤمنين عليه السلام باهرة. إلّا أنّ غاية امتياز الأدعية المذكورة في مطاوي «الصحيفة الكاملة السجّاديّة» المعروفة بين أصحابنا الإماميّة تارةً بـ «زبور آل محمّد عليه السلام»، وتارةً بـ «إنجيل أهل البيت» صلوات الله عليهم أجمعين في تلك الصفات والفضائل والدرجات من بينها، ونهاية الاعتماد عليها ممّا لا يخفى على أولى النُّهَى.
لأنّ تواتر أدعيتها، وجزالة معانيها، ولطافة ألفاظها، وطرافة عباراتها، بل إعجازها وإفحامها ممّا قد أغنانا من مئونة إيراد الحجج في إثباتها أو تجشّم زحمة في ذكر أسانيدها وطرقها إلى مولانا السجّاد الذي هو قائلها.[1]
وقد دحض آية الله المحقّق الخبير والمدقّق البصير الأمين العامليّ في مقدّمة «الصحيفة الخامسة السجّاديّة» هذا اللون من التفكير ونسبته إلى الأئمّة الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فقال بعد سرد ما نقلناه آنفاً عن آية الله الميرزا عبد الله الأفندي مُبْطِلًا إيّاه: فتأمّل فيه! فإنّ منبع علومهم عليهم السلام واحد، وطينتهم واحدة، وكلّهم من نور واحد، وكلامهم متقارب، وحالهم متناسب، كما يعرف ذلك الممارس. بل هو مقتضى اصول أصحابنا من الاعتقاد بكونهم في أعلى درجات الكمال. وظهور الشجاعة في أمير المؤمنين وولده الحسين عليهما السلام لوجود مظهرها. ولعلّ هذا هو مراده. وظهور علوم الصادقين عليهما السلام لخفّة التقيّة بسبب كونهم في آخر الدولة الأمويّة وأوّل الدولة العبّاسيّة، وغيره من الأسباب. فما يظنّه بعض الناس ممّا يُشبه ما قاله هذا الفاضل ما أظنّه إلّا كلام قشريّ.[2]
وأمّا ما يتبادر إلى ذهني في هذا المجال فهو أنّ اختلاف الصفات والغرائز والأفعال عند أفراد النوع الإنسانيّ أمر مسلَّم به. ويعود هذا الاختلاف إلى دليل الحسّ والشهود والوجدان، والدليل العلميّ من العلوم الطبيعيّة ومن علم الحكمة المتعالية والفلسفة الإلهيّة التكوينيّة، ودليل الآثار والخصائص المرويّة والأخبار الواردة والروايات والتواريخ والتراجم والأحوال اليقينيّة. وإذا أردنا هنا أن نتحدّث حديثاً وافياً شافياً في هذه الموضوعات، فسنحتاج إلى كتاب مستقلّ، ولكن نقول بنحو مجمل من أجل أن يتبيّن أساس الموضوع: إنّ جميع الأنبياء والمرسلين والأئمّة الطاهرين والأولياء المقرّبين وسائر أفراد البشر مختارون، وعليهم أن يطووا طريق الله وسلوك المعرفة بإرادة حديديّة، وقدم راسخ، ويؤثروا رضا المحبوب على هواهم كي ينالوا بغيتهم. فكلّ من سار على الدرب وصل، وكلّ من لم يسر لم يصل.
إن أفعال الأنبياء والأئمّة ليست اضطراريّة وجبريّة بحيث إنّ الحسنة تصدر منهم بلا اختيار كتلألؤ ألماس، وإنّهم لا قدرة لهم على المعصية ولا يقدّمون رضا أنفسهم. ولو كانوا كذلك فلا ميزة لهم على سائر الخلق، إذ خلق الله أصل وجودهم نورانيّاً متلألئاً بغضّ النظر عن الإرادة والاختيار، وهم كانوا يبثّون ذلك النور بلا إرادة تبعاً لخلقتهم. بل هم بشر لهم إرادتهم، ولا يعصون اختياراً، ويؤثرون رضا الله تعالى على أهوائهم حتى يبلغوا درجة تذوب فيها إرادتهم شيئاً فشيئاً، وتصبح إرادتهم وإرادة الله المحبوب واحدة. فلا تعود إلّا إرادة واحدة واختياراً واحداً، وذلك للذات المقدّسة التي لا تزال ولم تزل، وقد تجلّت من نافذة ومرآة هذا الإنسان المتفاني المنكر لذاته والملتحق بالله عزّ وجلّ.
تلك هي حقيقة وجودهم النورانيّ ومقام ولايتهم المطلقة بإجمال، فلا بينونة ولا اثنينيّة ولا افتراق. وهناك نور واحد، وفطرة واحدة، وعرفان واحد. وهذا لا ينافي إرادتهم واختيارهم، بل إنّ اختيارهم وإرادتهم المترشّحة منهم تؤيّد وتسدّد وتوطّد الوصول إلى أعلى درجات الكمال، وأرفع ذروة الإنسانيّة، والظهور على قمّة التوحيد، وطيّ الأسفار العرفانيّة الأربعة، وبلوغ مقام البقاء بالله بعد الفناء في الله.
إن جميع ما ورد في الأخبار أنّهم كانوا نورانيّين في الأزل، وأنّهم خلقوا قبل آلاف السنين، وأنّ خلقهم يختلف عن خلق سائر الناس هو أمر صحيح لا غبار عليه. بَيدَ أنّ الأزل لا يعني التقدّم الزمانيّ العَرَضيّ. فأزل كلّ أحد وأبده معه، كما أنّ إله كلّ أحد معه. وكيف يمكن أن يكون إله الإنسان معه، أمّا أزله فمفترق عنه، ومتقدّم عليه زمنيّاً على نحو الانفصال؟ أو أنّ أبده يباينه، ويتأخّر زمنيّاً على سبيل الانفصال؟ هذا الأزل والأبد ليسا عرضيّين، كما أنّ إله الإنسان ليس له تقدّم عرضيّ. ولمّا كان تقدّم الله سبحانه تقدّم العلّة على المعلول، وكان انفصال المعلول عن العلّة محالًا، فإنّ جميع عوالم التجرّد من الأزل، والأبد، واللوح، والقلم، والملكوت الأعلى، والأسفل، وعالم القضاء والقدر والمشيئة هي مع الإنسان نفسه، وانفصالها عنه محال.
وإذا علمنا أنّ الله نفسه مع الإنسان، فهل نتصوّر أنّ هذه العوالم التي تمثّل واسطة فيضه، منفصلة، ولا تجد مكاناً بين الله والإنسان؟! هذا المعنى غالط.
إن خلق الأنبياء والأئمّة قبل آلاف السنين صحيح، بَيدَ أنّ هذه القبليّة قبليّة طوليّة، لا عرضيّة وزمانيّة. وهي قبليّة العلّيّة على المعلوليّة. وهي قبليّة رتْبيّة وتقدّم سببيّ. وغيريّة خلقتهم بالنسبة إلى سائر أفراد البشر تامّة أيضاً، لكنّ تلك الغيريّة كانت تحت مظلّة الاختيار، لا خارجها. وعليك - مِن هنا - أن تطوي طريقهم بإرادتك واختيارك، وتخرج من هوى النفس، لكي تجري وتسري لك هذه الغيريّة أيضاً. وقد جعل الله الأنبياء والأئمّة غير الآخرين، لأنّهم هم أنفسهم صاروا غير الآخرين بإرادتهم واختيارهم.
ونلحظ في طريق الصعود والعروج إلى عالم التوحيد أنّ الغيريّة والكثرة والاثنينيّة في الأفعال والصفات امور ضروريّة وحتميّة بين أفراد البشر جميعهم. ولا معنى لإمكان الكثرة والاثنينيّة في عالم الوصول والفناء في الذات الأحديّة أبداً. وليس هناك إلّا الله وحده، وإلّا الولاية الكلّيّة فحسب. ومقولة: كلّنا محمَّد، أوَّلُنا محمَّد، آخرنا محمّد، مرتبطة بذلك المقام الذي يسطع فيه نور الذات الأحديّة بقوّة تزول معها الأسماء. وفيه ليس لمحمّد عنوان محمّد، ولا وجود لعليّ باسم عليّ، وفاطمة غير منفصلة عن الحسن والحسين. ولا تمايز بين الأئمّة كلّهم حتى الإمام الحيّ الغائب عن الأنظار. جميعهم نورٌ بَحْت، وشعاع صِرف، وجميعهم سطوع للشمس في سماء التوحيد، كنور الشمس الواسع المبثوث، إذ كان متّصلًا بالشمس بلا جهةٍ ولا حدّ ولا مقدار، ولا يمكن أن نضع له اسماً غير لفظ النور المجرّد.
أجل، يتعدّد هذا النور من حيث الظروف الخارجيّة والماهيّات الإمكانيّة. فالنور المشعّ على سفوح الجبال والصحاري هو غير النور المشعّ على البحار والمحيطات. ونور القطب الشماليّ هو غير نور القطب الجنوبيّ أو المناطق الاستوائيّة. ثمّ إنّهم، بعد مقام التوحيد وبلوغ الفناء والاندكاك في ذات الحقّ تعالى، ينزلون إلى عالم الكثرات مرّة اخرى، وهم بالله مع جميع الموجودات، ويدورون وبِالحَقِّ في الخَلْقِ.
وهنا تظهر آثار الاختلاف ثانيةً، ويُشْهَد التفاوت بينها. علماً أنّ هذا الاختلاف هو غير الاختلاف السابق. فالاختلاف هناك بلا حقّ وفناء. أي: إنّ الاختلاف كان يظهر في الماهيّات بإرادة الله، بَيدَ أنّ السالك نفسه لم ينتبه إلى هذا الفعل والأثر. لأنّ الوصول والفناء واللقاء التامّ امور لم تحصل. بل كان يخال أنّ جميع هذه الأشياء هي منه، ومن ترشّحات نفسه وآثارها، وها هو قد رجع من عند الله، وزار كعبة المقصود، ونال لقاء الله في حرم الأمن والتجرّد المطلق مع فنائه واندكاك وجوده، واستمتع بأنوار الجمال والجلال. لذا فهذا الرجوع هو رجوع مع المحبوب. والله معه وهو مع الله في كلّ زمان من الأزمان الطويلة، وكلّ مكانٍ من الأماكن العريضة الواسعة. وكلّ فعلٍ من أفعال السالك هو فعل الله، إذ حلّت إرادة الله واختياره مكان إرادته واختياره.
وهو في الكثرات، في عين التوحيد، وفي التوحيد، في عين انغماره في الكثرات، وهو مع الحقّ، وأعماله من الحقّ، ومرجعه إلى الحقّ. جَمِيعُ أفْعَالِهِ وسَكَنَاتِهِ يَكُونُ مِنَ اللهِ ويُرْجَعُ جَمِيعُهَا إلَى اللهِ.
ويستبين ممّا ذكرنا جيّداً ما يأتي: أوّلًا: أنّ الأئمّة الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهم أكمل المخلوقات وأفضلها في عالم التكوين والتشريع، قد طووا الأسفار العرفانيّة الأربعة حتماً، لأنّه إذا لم يُطْوَ أحدها، فهذا يعني أنّ السالك الذي طواها كلّها سيكون الأعلم بالنسبة إليهم، وهذا محال بسبب ما يتّصفون به من حقّ الاستاذيّة والتعليم وتفوّقهم على جميع الخلائق.
وثانياً: إنّ الروايات الواردة في وحدة نورهم وتجرّدهم وخلقتهم ترتبط بعالم اللقاء والفناء وعرفان الله. وعدم تصوّر التعدّد في ذلك المكان العالى والرفيع يعتبر من بديهيّات العلم.
وثالثاً: رجوعهم إلى عالم الخلقة وكثرات الماهيّات أمر ضروريّ لتربية البشر. لأنّه ما لم يُطْوَ السفر الرابع المتمثّل في السير في الخلق بالحقّ، الذي هو من متمّمات مقام العرفان والكمال، فلا يمكن تفويض التدبير في الامور التكوينيّة والتشريعيّة إليهم، إذ إنّ فعلهم في الخلق حينئذٍ لن يكون فعل الله، ولن يتسنّى لهم أن يتعاملوا مع الخلائق تعاملًا إلهيّاً.
ورابعاً: شرط الرجوع إلى الكثرة هو التعيّن بالماهيّات الإمكانيّة وتعدّد العوارض الوجوديّة والجوهريّة. أي: كما خُلِقَ الأئمّة عليهم السلام في أزمنة مختلفة، وعاشوا في أماكن متفاوتة، فإنّ بقيّة عوارضهم الجوهريّة ستتباين حتماً حتماً. وستتفاوت الصفات والأفعال أيضاً، وفي الوقت نفسه، فإنّهم كلّهم أبرار وفي أعلى درجات البرّ والحُسن، بل لا يمكن أن نتصوّر حُسناً أسمى من ذلك، لأنّ الفعل هو فعل الحقّ، ولا يمكن أن نتصوّر في فعل الحقّ إلّا الحُسن.
إن الأئمّة عليهم السلام كما خلقوا من آباء وامّهات شتّى، وتغذّوا من امّهات مختلفة عند ما كانوا أجنّةً في بطونهنّ، وتباينوا فيما بينهم جسميّاً وطبعيّاً وطبيعيّاً، مع آلاف الظروف ومواضع الاختلاف الاخرى، فإنّهم - كذلك - يتفاوتون فيما بينهم في الأفكار النفسانيّة والملكوتيّة.
كان أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات الله وسلامه رَبْعاً، مع ميل إلى القصر، بطيناً، أسمر اللون، أدعج العين، أصلع، رفيع الساقين. فهذا ضرب من الخلقة الإلهيّة. أمّا الحسن والحسين عليهما السلام فكانا يشبهان رسول الله صلى الله عليه وآله. فالحسن عليه السلام يشبهه في رأسه ووجهه حتى ظهره، والحسين عليه السلام يشبهه من ظهره حتى الأسفل. وكان بعض الأئمّة بيض الوجوه كالإمام جعفر الصادق عليه السلام، وبعضهم سمرها مع ميل إلى السواد كالإمام محمّد الجواد عليه السلام، لأنّ والدته كانت أمة سوداء من أهالى النَّوبة (إحدى مناطق إفريقية).[3]
وكذلك كانوا متفاوتين في القدّ والقامة، وفي الوزن والبدانة. فالسجّاد عليه السلام كان نحيفاً حتى كانت الريح تحرّكه عند ما يُغمى عليه في أوقات العبادة. أمّا الباقر عليه السلام فقد كان بديناً إلى درجة أنّه عند ما كان يذهب للزراعة في بعض أوقات الحرّ، يتوكّأ على غلامين. وكذلك الأمر في سائر جهات الاختلاف الطبعيّ والطبيعيّ، التي لا تُحصى.
ما ذا تقولون هنا؟! هل تقولون: إنّ المعيار هو بياض الجسم كرسول الله؟ فلا نتّبع أمير المؤمنين الذي كان أسمر، ولا سائر الأئمّة السُّمر، ولا نعدّهم أئمّة لأنّهم لم يكونوا بيضاً! هل البدانة هي المعيار؟ فنعزل الإمام السجّاد منهم. أم النحافة، فنعزل الباقر منهم؟ أم التوسّط بينهما، كالإمام الرضا عليه السلام، فنعزل السجاد والباقر عليهما السلام؟!
وأمثال هذه الأسئلة التي تطول.
أم تقولون: كلّ ذلك كان صائباً وصحيحاً وحسناً وفي درجة الكمال. فصلعُ مولى الموالى كمال له، وشعر النبيّ وتمشيطه كمال له. وكلّ خاصّيّة من هذه الخصائص مع فرض اختلافها كمال لأهلها.
وكذلك الصفات النفسيّة والأفعال البدنيّة مع تفاوتها كمال لأصحابها.
ومن الطبيعيّ أنّ شرط الكمال إحراز العلم المجرّد، وكان الأئمّة عليهم السلام جميعاً أولى علمٍ تجرّديّ. مع ذلك فقد عُدّ أمير المؤمنين عليه السلام أعلمهم وأفضلهم باستثناء الحجّة بن الحسن العسكريّ أرواحنا فداه. وبروز الشجاعة عند أمير المؤمنين والحسين عليهما السلام كان تبعاً لما تتطلّبه الظروف، وليس في هذا إلغاء لشجاعة غيرهما.
لا جَرَمَ أنّ الحِلْمَ الحَسَنِيّ والشَّجَاعَةَ الحُسَيْنِيَّة، كانا وفقاً لبروزهما وظهورهما، وإلّا فما أكثر مواطن الحلم التي تدهش العقل عند سيّد الشهداء عليه السلام! وما أروع تلك الشجاعة التي أبداها الإمام الممتحن الحسن المجتبى عليه السلام في حرب الجمل وصفّين حتى أنّ أمير المؤمنين عليه السلام عند ما رآه يتشرّع للحرب، منعه. وعزّ عليه أن يُقْتَلَ ابنُ فاطمة! وكان همّ معاوية كلّه أن يُخلي الأرض من نسل فاطمة.
وأمّا تفكير الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام وموقفهما من معاوية في الحرب والصلح فنقول فيه: إنّ الإمام الحسين عليه السلام لم يُبايع معاوية بعد صلح الإمام الحسن عليه السلام معه. وقال الحسن لمعاوية: لا تدعه إلى البيعة، فإنّه لن يبايع حتى لو قُتل هو وأهل بيته جميعاً. وكان قيس بن سعد بن عُبادة هو الآخر لم يبايع أيضاً، وكذلك سليمان بن صُرَد الخُزاعيّ. بَيدَ أنّ الإمام الحسن عليه السلام رأى نفسه في ظروف أرغمته على تجرّع مرارة الصلح حقناً لدماء المسلمين، وتفنيداً لسياسة معاوية الماكرة. واستجابة لرغبة أهل الكوفة الذين خارت نفوسهم وضعفت وكانوا على وشك تسليمه لمعاوية حيّاً، ليمنّ عليه معاوية ويطلقه، فيُدعى: طليق معاوية، ويتخلّص معاوية من عار الطلقاء الذي لحق به يوم قال رسول الله له ولأبيه أبي سفيان وسائر بني اميّة في فتح مكّة: أنْتُمُ الطُّلَقَاءُ. فعُرِفوا بطلقاء رسول الله. وأراد معاوية أيضاً أن يأسر الإمام الحسن عليه السلام ثمّ يطلقه جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فيكون طليق معاوية، ويبقى ذلك في تأريخ الإسلام والعرب؛ ولهذا كله صالح الإمام عليه السلام معاوية.
ولم يكن سيّد الشهداء هو الإمام يومئذٍ، بل كان يتّبع إمام زمانه وهو المجتبى الذي كان أكبر منه بسنة واحدة. فاختار السكوت المحض، وجهد في المحافظة على إمامة أخيه، ولم يدّخر وسعاً لتوطيدها وتعزيزها. حتى إذا مضت عشر سنين، دسّ معاوية السمّ إلى الإمام بواسطة زوجته ابنة الأشعث بن قيس، فلقي الإمام ربّه شهيداً. وزالت ظروف الصلح، وكان بمقدور الإمام الحسين عليه السلام أن يحارب معاوية على أساس إمامته ورأيه في الحرب، بَيدَ أنّ الظروف لم تسمح له بذلك. فصبر عشر سنين اخرى حتى هلك معاوية ودخل الهاوية، وغصب يزيد الخلافة على خلاف موادّ الصلح، فثار عليه السلام عندئذٍ. وكانت واقعة عاشوراء في الحقيقة تتمّة لواقعة صفّين، فأدار معاوية تلك، وأدار يزيد هذه على أساس حكومة أبيه.
يقول البعض: كانت الظروف بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام ومُضيّ ستّة أشهر على نحو ارغم معه الإمام الحسن عليه السلام على الصلح. ولو كان سيّد الشهداء عليه السلام إماماً لصالح أيضاً.
والآن لو سألتم: أيّ الموقفين كان صحيحاً في الواقع؟ بيعة الإمام الحسن أم رفض الإمام الحسين عليهما السلام. والجواب هو أنّ كليهما كان صحيحاً. فتفكير سيّد الشهداء عليه السلام كان صحيحاً، وتفكير الإمام المجتبى عليه السلام كان كذلك. غاية الأمر أنّ ما تحقّق خارجاً حسب إمامة وصيّ أمير المؤمنين ووصيّ رسول ربّ العالمين كان صلحاً وكان صحيحاً. وأمّا إمامة سيّد الشهداء عليه السلام أيضاً، فبدايتها صلح وسكوت، ونهايتها حرب وثورة، وكلتاهما كانت صحيحة.
وملخّص الكلام: أنّ جميع أعمال الإمام وأفعاله بلا استثناء هي أعمال الله وأفعاله، وذلك بسبب عبور الإمام من المراحل النفسانيّة، واستناد الأفعال إلى نفسه. ومن هنا فإنّ فعله فعل حقّ وصحيح وهو عين الصواب، سواء أدركنا صوابه أم لم ندركه. مثلًا، كيف ينبغي أن نقول في الأفعال الخارجيّة كنزول المطر والرحمة، أو الزلزلة والغضب؟ إننا نقول حتماً: إنّهما فعل حقّ من مَظْهَرَي الجمال والجلال وإن قصر فكرنا عن بلوغ مصدره، ولم يدرك تفكيرنا القاصر حقيقة حكمة هذا وذاك. فكذلك أفعال أولياء الله كفعل الخِضْر مع موسى على نبيّنا وآله وعليهما السلام الوارد بيانه في القرآن الكريم.
إن فعل وليّ الله حقّ، والحقّ ليس إلّا هو لا غيره. لا أنّ الحقّ شيء نطبّق عليه فعل وليّ الله. وليست المصلحة والحكمة شيئاً غير فعل الله، وفعل الإمام، ليجعل الله فعله وفقاً للمصلحة، ويأمر الإمام أن ينطبق فعله عليها.
إن فعل الله نفسه مصلحة. وفعل وليّه مصلحة أيضاً، بل مجلبة للمصلحة. وينبغي أن نتحرّى المصلحة والحقّ في فعل الإمام ووليّ الله، لا أن نظنّ المصلحة والحقّ في فكرنا القاصر، وعندئذٍ ننظر هل هذا هو فعل الإمام أم ذاك؟! وهذا الموضوع من دقائق عالم التوحيد ورموزه.
لقد دعا رسول الله صلى الله عليه وآله ربّه تعالى لأمير المؤمنين عليه السلام فقال: اللَهُمَّ أدِرِ الحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ! وقال: اللَهُمَّ أدِرْ عَلِيَّاً مَعَ الحَقِّ حَيْثُ دَارَ!
وعلى هذا ففعل الإمام عين الحقّ، وفي غاية الصحّة والصواب والسداد سواء فهمنا أم لم نفهم.
علينا أن نواكب حياة الإمام من أجل التعرّف عليه، وعلى خصائص مراحل سيره وسلوكه، ونقيس حقيقته وعقيدته وصفاته النفسيّة وأفعاله الخارجيّة بتحسّس عميق، ونتّخذه كَمَا كَانَ وحَيْثُ مَا كَانَ اسوةً لنا في جميع شئوننا، لا أن نصنع لنا إماماً في أذهاننا، ثمّ نفرضه على الإمام الموجود في الخارج. فهذا الإمام ليس خارجيّاً ولا واقعيّاً، بل هو إمام وهميّ خياليّ. وإذا ما اتّبعناه، فإنّنا لم نتّبع الإمام الحقيقيّ، بل اتّبعنا الإمام الوهميّ، أو اتّبعنا أنفسنا في الحقيقة. ولعلّنا نكون قد أمضينا عمراً باسم الإمامة والولاية، في حين أنّنا لم نتجاوز أنفسنا، ولم نتّبع غيرها. وحينئذٍ سنكون قد قضينا العمر في عبادة النفس، لا في عبادة الله دون أن نتّبع الإمام الذي اصطفاه الله لإرشادنا وهدايتنا.
[1] «الصحيفة الثالثة السجّاديّة» ص 2 إلى 5، منشورات مكتبة الثقلين: القرآن والعترة، عيد الغدير 1400.
[2] «الصحيفة الخامسة السجّاديّة» ص 13 و14، تحت عنوان الخامس من المقدّمات التي أوردها في البداية، ومجموعها تسع، مطبعة الفيحاء في دمشق.
[3] جاء في «منتهى الآمال» ج 2، ص 217 و218، طبعة علميّة إسلاميّة، من القطع الرحليّ، ما تعريبه: والدته امّ ولد اسمها سبيكة، وسمّاها الإمام الرضا عليه السلام خيزران، وكانت من أهل النوبة ومن قبيلة مارية القبطيّة امّ إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله. وكانت أفضل نساء زمانها. وأشار إليها رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: بِأبِي ابنُ خِيَرَةَ الإمَاءِ النَّوْبِيَّةِ الطَّيِّبَةِ.
الاكثر قراءة في الامامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)