من وفور علمه عليه السلام أنّه عبّر منطق الطير والوحوش والدوابّ. روى زرارة عن الصادق عليه السلام أنّه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ كَمَا عُلِّمَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وكُلِّ دَابَّةٍ في بَرٍّ أوْ بَحْرٍ.[1]
وروى عن ابن عبّاس أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال: صياح الديك: اذْكُرُوا اللهَ يَا غَافِلِينَ. وصهيل الفرس: اللَهُمَّ انْصُرْ عِبَادَكَ المُؤْمِنِينَ عَلَى عِبَادِكَ الكَافِرِينَ. ونهيق الحمار: أنْ يَلْعَنَ العَشَّارِينَ[2]،
وينهق في عين الشيطان. ونقيق الضفدع: سُبْحَانَ رَبِّيَ المَعْبُودِ المُسَبَّحِ في لُجَجِ البِحَارِ. وأنيق القبّرة (عصفورة خاصّة تتّخذ من الجبال والصحاري منزلًا لها غالباً): اللَهُمَّ الْعَنْ مُبْغِضِي آلِ مُحَمَّدٍ.
قال العبديّ:
وَعَلَّمَكَ الذي عَلَّمَ البَرَايَا *** وألْهَمَكَ الذي لَا يَعْلَمُونَا
فَزَادَكَ في الوَرَى شَرَفاً وعِزَّاً *** ومَجْدَاً فَوْقَ وَصْفِ الوَاصِفِيَنَا
وروى سعيد بن ظريف عن الصادق عليه السلام، وروى أبو امامة الباهليّ كلاهما عن النبيّ الأكرم في خبر طويل -و اللفظ لأبي امامة- أنّ الناس دخلوا على النبيّ صلى الله عليه وآله وهنّؤوه بمولود رزقه الله به. ثمّ قام رجل في وسط الناس، فقال: بأبي أنت وامّي يا رسول الله، رأينا من عليّ عجباً في هذا اليوم.
قال النبيّ صلى الله وآله: وما رأيتم؟
قالوا: أتيناك لنسلّم عليك ونهنّئك بمولودك الحسين فحجبنا عنك وأعلمنا أنّه هبط عليه مائة وأربعة وعشرون ألف مَلَك، فعجبنا من إحصائه وعدّه الملائكة.
فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله بوجهه إلى عليّ مبتسماً وقال: ما علّمك أنّه هبط عَلَيّ مائة وأربعة وعشرون ألف ملك؟
قال عَلِيّ عليه السلام: بأبي أنت وامّي يا رسول الله سمعت مائة وأربعة وعشرين ألف لغة فعلمتُ أنّهم مائة وأربعة وعشرون ألف مَلَك.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: زَادَكَ اللهُ عِلْماً وحِلْمَاً يَا أبَا الحَسَنِ.
وروى الزمخشريّ في كتاب «الفائق» أنّ شُريح القاضي سُئل عن امرأة طُلّقت فذكرت أنّها حاضت ثلاث حيضات في شهر واحد.
فقال شُريح: إن شهدت ثلاث نسوة من بطانة أهلها أنّها كانت تحيض قبل طلاقها في كلّ شهر، فالقول قولها.
فقال عليّ عليه السلام: قالون (فالون- خ ل) أي: أصبتَ (بالروميّة). وهذا إذا اتُّهمت المرأة (أي: الحاجة إلى الشهادة عند الاتّهام بالكذب، ولا حاجة إليها في غير الاتّهام).
وروى في «بصائر الدرجات» عن سعد القمّيّ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام نزل قَطْقَطا عند مجيئه إلى النهروان، فاجتمع إليه أهل بادوريا فشكوا ثقل خراجهم، وكلّموه بالنبطيّة فقالوا: لنا جيران أوسع أرضاً منّا وأقلّ خراجاً. فأجابهم عليه السلام بالنبطيّة قائلًا: زعرا وطائه من زعرا رباه. ومعناه بالعربيّة: دُخْنٌ صَغِيرٌ خَيْرٌ مِنْ دُخْنٍ كَبِيرٍ.[3]
وروى أنّه قال عليه السلام لابنة يزدجرد: ما اسمكِ؟ قالت: جهان بانويه. فقال عليه السلام: بل اسمك شهر بانويه، وأجابها بالعجميّة.
[1] كثر الكلام حول منطق الطير. فبعضٌ يرى أنّ لها لغةً كالإنسان، وأنّها تُفهِم جميع مفاهيمها ومقاصدها بواسطة تلك اللغة. وبعضٌ يذهب إلى أنّها تعبّر عن مقاصدها في حدود حاجتها بأنواع الأصوات والأشكال. وقيل الكثير أيضاً في من يطّلع على منطق الطير ويفهم كلامها كالنبيّ سليمان الذي قال تعالى فيه: عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ. ويعتقد البعض أنّ الله سبحانه علّمه لغات الطيور، فعلم أنواعها وضروبها على أساس لغات مختلفة. بيد أنّ الذي يبدو هو أنّ تعليم سليمان عليه السلام، ومولانا أمير المؤمنين عليه السلام، وسائر الأئمّة صلوات الله عليهم، والإمام الرضا عليه السلام الذي تكلّم مع الغزال، والإمام الهاديّ عليه السلام الذي القي في بركة السباع وتكلّم مع الوحوش، كلّ ذلك ليس من باب تعليم اللغات وتعلّمها بواسطة وجود كثرتها، بل من باب سيطرة نفس الإمام والنبيّ على ملكوتها، وإدراك مقاصدها عبر الإحاطة النفسانيّة بها. وإذا صلبت نفس المؤمن واجتاز هواه، فانّه يتمتّع بالسعة والإحاطة، فيقف على ملكوت الكائنات أيّاً كانت: طيوراً أم حيوانات مفترسة أم إنساً أم جنّاً أم حيوانات بحريّة أم نباتات وأشجار وجمادات. وحينئذٍ يتيسّر للمؤمن المحيط المسيطر على النفوس أن يتكلّم مع نفس كلّ موجود سواءً حرّك لسانه وفقاً للسانها أم لم يحرّكه. ومن هذا القبيل تكلُّم المؤمن بلغته الامّ مع غير أهل لغته. وربما شوهد في الحجّ أو في المشاهد المشرّفة الاخرى أنّ بعض المؤمنين الوافدين من أقطار مختلفة- ولم يفهم أحدهم لغة الآخر، كالترك والعرب والهنود- يتعارفون ويجلسون بعضهم مع بعض ساعات، ويتحدّثون عمّا في طويّاتهم، ويطّلع بعضهم على طريق ومسير وأحوال البعض الآخر تماماً. ويقال إنّ الحيوانات كلّها ذلولة ومطيعة للمؤمن العارف بالله. ونُقل في أحوال سعيد بن جبير أنّه لمّا قُبض عليه واقتيد إلى الحجّاج بن يوسف، كان مشغولًا بالصلاة والقرآن ليلًا في طريق الصحراء، فاجتمعت حوله الوحوش ولم تؤذه قطّ. وثمّة شواهد كثيرة مثل هذه الوقائع في التواريخ الثابتة المسلّمة.
[2] وما أروع وأعمق ما أنشده المرحوم آية الله الحاجّ الميرزا حبيب الله الخراسانيّ أعلى الله مقامه الشريف في هذا المجال! ونِعْمَ ما نظم! إذ قال:
از آن خسرو كه جمشيدش بود نام *** نوشته ديدم اين خط بر لب بام
كه بايد در خدا جوئى چو پرگار *** به گرد خويشتن زد روز وشب گام
رسد چون نقطة أوّل به آخر *** يكى گردد همه آغاز وانجام
بجوى اين را ز جانى در دساتير *** كز آن خسرو رقم شد دور أيّام
بگو جم كيست آن كس مرغ وماهى *** به افسون از هنرمندى كند رام
دم پير من است آن كز فسونش *** خروس عرش نيز افتاده در دام
دل پير من است آن سحر مسحور *** كه گه پر جوش، گاهى هست آرام
اگر حق را هزار اسماء حسنى است *** بود جمع آن هزار اندر يكى نام
بگو كاوّل على، آخر على بود *** بگو باطن على، ظاهر على بود
(«ديوان حبيب» ص 201، الطبعة الثانية- طهران) يقول: «رأيت هذا الخطّ مكتوباً على حافّة الكأس وهو لذلك الملك الذي كان اسمه جمشيد. وعلى الذي يبحث عن الله أن يكون كالفرجار في حركة مستمرّة حول نفسه ليل نهار. وإذا بلغت النقطة الاولى آخر ما يخطّه الفرجار فانّ مبدأه ومنتهاه يصبح واحداً. ابحث عن هذا السرّ الروحيّ في الأساطير، فانّ دورة الأيّام بدأت من ذلك الملك (جمشيد) (أي: أنّ النقطة الأصليّة للفرجار كانت منه). قل: من هو جمشيد؟ هو من ذلّل الطير في الجوّ والحيتان في الماء بسحره المنبعث من براعته. إنّه نَفَس شيخي الذي من سحره سقط ديك العرش في الفخّ (أي أنّه جذّاب حتى ذلّل ديك...) إنّه قلب شيخي ذلك السحر المسحور، الذي يهيج تارة، ويهدأ اخرى. إذا كان للحقّ (الله) ألف من الأسماء الحسنى، فانّها تُجمع في اسم واحد. قل: إنّ الأوّل هو عليّ، والآخر عليّ، والباطن عليّ، والظاهر عليّ».
[3] قال في «أقرب الموارد»: الدُّخن حبّة صغيرة وملساء جدّاً، وهو غير الجاوَرس. بَيدَ أنّه جاء في «لغتنامه دهخدا” (/ مُعجم دِهْخُدا) في مادّة دخن، ص 291، جزء الدال بعد بحث طويل: الدُّخن إذا كان ناعماً وأصفر فهو: أرْزَن (بالفارسيّة)، وإذا كان خشناً وأبيض فهو جاوَرس (بالعربيّة أيضاً: جاوَرس) وگاورس (بالفارسيّة). ويستبين من جواب أمير المؤمنين عليه السلام لأهل باد ورَيا أنّه أراد أن يقول على سبيل التمثيل: لمّا كان الدخن الناعم أجود من الدخن الخشن، والناس ترغب فيه أكثر، وكانت أرضكم القليلة أجود من أرض جيرانكم الواسعة، لذلك فانّ خراجكم أكثر من خراجهم.