من موارد الاستشهاد بحديث المنزلة احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على أبي بكر بعد بيعة الناس إيّاه. ونقل الطبرسيّ هذا الاحتجاج في كتاب «الاحتجاج» عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، عن أبيه، عن جدّه، قال: لمّا كان من أمر أبي بكر وبيعة الناس له، وفعلهم بعليّ، لم يزل أبو بكر يظهر له الانبساط ويرى منه الانقباض. فكبر ذلك على أبي بكر، وأحبّ لقاءه، واستخراج ما عنده، والمعذرة إليه ممّا اجتمع الناس عليه، وتقليدهم إيّاه أمر الامَّةَ، وقلّة رغبته في ذلك، وزهده فيه.
فلهذا أتاه في وقت غفلة، وطلب منه الخلوة، فقال: يَا أبَا الحَسَنِ! والله ما كان هذا الأمر عن مواطاة منّي، ولا رغبة فيما وقعت عليه ولا حرص عليه، ولا ثقة بنفسي فيما تحتاج إليه الامَّة، ولا قوّة لي بمال؛ ولا كثرة لعشيرة، ولا استيثار به دون غيري، فما لك تضمر عَلَيّ ما لم أستحقّه منك، وتظهر لي الكراهة لما صرت فيه وتنظر إليّ بعين الشنآن؟!
قال أمير المؤمنين عليه السلام: فما حملك عليه إذ لم ترغب فيه، ولا حرصت عليه، ولا وثقت بنفسك في القيام به؟
قال أبو بكر: حديث سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنَّ اللهَ لَا يَجْمَعُ امَّتِي على ضَلَالٍ. ولمّا رأيت إجماعهم، اتّبعت حديث النبيّ (و في نسخة: قول النبيّ)، وأحلت أن يكون إجماعهم على خلاف الهدى من ضلال، فأعطيتهم قود الإجابة، ولو علمت أنّ أحداً يتخلّف، لامتنعتُ.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: أما ما ذكرت من قول النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنّ الله لا يجمع امّتي على ضلال؛ فكنت من الامّة، أم لم أكن؟!
قال أبو بكر: بلى، أنت من الامّة. وكذلك العصابة الممتنعة معك، من سَلْمان، وعَمّار، والمقداد، وأبي ذرّ، وابن عُبَادَة، ومَن معه من الأنصار، كلّ من امّة رسول الله.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: فكيف تحتجّ بحديث النبيّ: إنّ الله لا يجمع امّتي على ضلال، وأمثال هؤلاء قد تخلّفوا عنك؟ وليس للُامّة فيهم طعن، ولا في صحبة الرسول لصحبته منهم تقصير؟!
قال أبو بكر: ما علمت بتخلّفهم إلّا بعد إبرام الأمر؛ وخفتُ إن قعدت عن الأمر أن يرجع الناس مرتدّين عن الدين؛ وكان ممارستهم إن أجبتُهم أهون مئونة على الدين وإبقاء له من ضرب الناس بعضهم ببعض، فيرجعون كفّاراً؛ وعلمت أنّك لست بدوني في الإبقاء عليهم! وعلى أديانهم!
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أجل! ولكن أخبرني عن الذي يستحقّ هذا الأمر بمَ يستحقّه؟!
قال أبو بكر: بالنصيحة، والوفاء، ودفع المداهنة، وحسن السيرة، وإظهار العدل، والعلم بالكتاب والسنّة، وفصل الخطاب، مع الزهد في الدنيا، وقلّة الرغبة فيها، وانتصاف المظلوم من الظالم للقريب والبعيد! ثمّ سكت.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: والسابقة والقرابة؟!
قال أبو بكر: والسابقة والقرابة.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: انشدك بالله يا أبا بكر: أ في نفسك تجد هذه الخصال أو في؟!
قال أبو بكر: بل فيك يا أبا الحسن!
وهنا يحاجّه الإمام ويناشده بكثير من السجايا والخصال التي يختصّ بها. منها قوله: انْشِدُكَ بِاللهِ! إلى الوَزَارَةُ مَعَ رَسُولِ اللهِ؛ والمِثْلُ مِنْ هَارُونَ مِنْ موسى؛ أمْ لَكَ؟! قَالَ: بَلْ لَكَ!
ويُدان أبو بكر في هذا المجلس، ويُفحَم، فيقول: ابسط يدك يا أبا الحسن ابايعك، ولكن تقرّر أن تكون البيعة علناً في المسجد بعد تلك البيعة في المجلس المذكور. وتمّر ليلة على هذه الحالة، ويطّلع عمر على الأمر، فيصرف أبا بكر عن عزمه بأيّ نحو كان[1].
[1] «الاحتجاج» للطبرسيّ، ج 1، ص 157 إلى 185 طبعة النجف؛ و كذا في «غاية المرام» القسم الأوّل، ص 146 إلى 148، الحديث 62. و قال المرحوم البحرانيّ في آخره: و هذا الحديث أخرجته مسنداً من رواية ابن بابويه في كتاب «البرهان» في تفسير قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً الآية.