من موارد الاستشهاد بحديث المنزلة، احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام مع أصحاب الشورى في مجلسهم بعد موت عمر. وهذا الاحتجاج مفصّل؛ وفيه مناقب الإمام وفضائله الخاصّة به دون غيره، التي لا يشترك فيها أحد من المهاجرين والأنصار؛ وهذا الاحتجاج من الاحتجاجات المعروفة والمشهورة. ونكتفي هنا بذكر مورد الحاجة إليه في الاستشهاد بحديث المنزلة، ووزارة الإمام عليه السلام. قال لهم الإمام بعد بيان فضائله واعتراف المناوئين وإقرارهم بها:
نَشَدْتُكُمْ بِاللهِ! هَلْ فِيكُمْ أحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي؟! قَالُوا: لَا!
وقال: نَشَدْتُكُمْ بِاللهِ! هَلْ فِيكُمْ أحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أنْتَ أخِي ووَزِيرِي وصَاحِبِي مِنْ أهْلِي! غَيْرِي؟!
قَالُوا: لَا!
وواصل الإمام هذه الاحتجاجات إلى أن قال: أما إذا أقررتم على أنفسكم، واستبان لكم ذلك من قول نبيِّكم، فعليكم بتقوى الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ! وأنهاكم عن سخطه! ولا تعصوا أمره! وردّوا الحقّ إلى أهله؛ واتّبعوا سنّة نبيّكم؛ فإنّكم إن خالفتم، خالفتم الله! فادفعوها إلى من هو أهلها! وهي له!
يقول راوى هذا الحديث وهو الإمام أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام: لمّا انتهى كلام أمير المؤمنين عليه السلام، تغامز أصحاب الشورى فيما بينهم، وتشاوروا؛ وقالوا: قد عرفنا فضائل عليّ، وعلمنا أنّه أحقّ الناس بها؛ ولكنّه رجل لا يفضّل أحداً على أحد؛ فإن ولّيتموها إيّاه، جعلكم وجميع الناس فيها شرعاً سواء، ولكن ولُّوها عثمان فإنّه يهوى الذي تهوون؛ فدفعوها إليه[1].
ونقل ابن أبي الحديد احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام يوم الشورى في «شرح نهج البلاغة»، وبلغ به إلى قوله: أ فِيكُمْ أحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي! غَيْرِي؟! قَالُوا: لا![2].
وذكر ابن أبي الحديد أيضاً حديث المنزلة، وآية التطهير كمثالين، عند شرح كلام الإمام لمّا بلغه اتّهام بني اميّة إيّاه بالمشاركة في دم عثمان.
وتوضيح ذلك أنّه ورد في «نهج البلاغة» أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا بلغه اتّهام بني اميّة إيّاه بالمشاركة في دم عثمان، قال: أوَ لَمْ يَنْهَ امَيَّةَ عِلْمُهَا بي عَنْ قَرْفي؟ أ ومَا وَزَعَ الجُهَّالَ سَابِقَتِي عَنْ تُهْمَتِي؟ ولَمَا وَعَظَهُمُ اللهُ بِهِ أبْلَغُ مِنْ لِسَانِي؛ أنَا حَجِيجُ المارِقِينَ، وخَصِيمُ المُرْتَابِينَ، وعلى كِتَابِ اللهِ تُعْرَضُ الأمْثَالُ؛ وبِمَا في الصُّدُورِ تُجَازَى العِبَادُ[3].
قال ابن أبي الحديد في شرح الفقرة الاولى: أ ولَمْ يَنْهُ امَيَّةَ عِلْمُهَا بي عَنْ قَرْفي:
قال أمير المؤمنين عليه السلام: أ ما كان في علم بني اميّة بحالى ما ينهاهم عن [قذفي و] قرفي بدم عثمان؟ وحاله التي أشار إليها وذكر أنّ علمهم بها يقتضي أن لا يقرفوه بذلك، هي منزلته في الدين التي لا منزلة أعلى منها، وما نطق به الكتاب الصادق من طهارته، وطهارة بنيه وزوجته في قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً[4].
وقول البنيّ [الأكرم] صلّى الله عليه وآله وسلّم: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى!
وهذه التعابير تقتضي عصمته عن الدم الحرام، كما أنّ هارون معصوم عن مثل ذلك؛ وترادف الأقوال والأفعال من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في أمره التي يضطرّ معها الحاضرون لها والمشاهدون إيّاها إلى أنّ مثله لا يجوز أن يسعى في إراقة دم أمير مسلم[5].
[1] «الاحتجاج» للطبرسيّ، ج 1، ص 188 إلى 210؛ و «غاية المرام» ص 148 إلى 150، الحديث 63، عن «الاحتجاج».
[2] «غاية المرام» ص 125، الحديث 98.
[3] «نهج البلاغة» الخطبة 73.
[4] الآية 33، من السورة 33: الأحزاب.
[5] «شرح نهج البلاغة» ج 6، ص 169 و 170، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة؛ و «غاية المرام» ص 125، الحديث 98.