روي عن صادق آل البيت ـ عليه السلام ـ في الأثر الصحيح: «التقية ديني ودين آبائي» و «من لا تقية له لا دين له».
وكذلك هي لقد كانت شعارا لآل البيت ـ عليهم السلام ـ دفعا للضرر عنهم وعن أتباعهم، وحقنا لدمائهم، واستصلاحا لحال المسلمين، وجمعا لكلمتهم ولمّا لشعثهم.
وما زالت سمة تعرف بها الإمامية دون غيرها، من الطوائف والامم، وكلّ إنسان إذا أحسّ بالخطر على نفسه أو ماله بسبب نشر معتقده أو التظاهر به، لا بدّ أن يتكتّم ويتّقي في مواضع الخطر. وهذا أمر تقتضيه فطرة العقول، ومن المعلوم أنّ الإمامية وأئمتهم لاقوا من ضروب المحن وصنوف الضيق على حرّياتهم في جميع العهود، ما لم تلاقه أيّة طائفة أو امة اخرى، فاضطروا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقية، بمكاتمة المخالفين لهم وترك مظاهرتهم، وستر اعتقاداتهم وأعمالهم المختصّة بهم عنهم، لما كان يعقب ذلك من الضرر في الدين والدنيا، ولهذا السبب امتازوا (بالتقية) وعرفوا بها دون سواهم.
وللتقية أحكام ـ من حيث وجوبها وعدم وجوبها بحسب اختلاف مواقع خوف الضرر ـ مذكورة في أبوابها في كتب العلماء الفقهيّة. وليست هي بواجبة على كلّ حال، بل قد يجوز أو يجب خلافها في بعض الأحوال ، كما إذا كان في إظهار الحقّ والتظاهر به نصرة للدين ، وخدمة للإسلام ، وجهاد في سبيله ، فإنّه عند ذلك يستهان بالأموال ولا تعزّ النفوس.
وقد تحرم التقية في الأعمال التي تستوجب قتل النفوس المحترمة، أو رواجا للباطل أو فسادا في الدين أو ضررا بالغا على المسلمين بإضلالهم أو إفشاء الظلم والجور فيهم.
وعلى كلّ حال ليس معنى التقية عند الإمامية أنّها تجعل منهم جمعية سرّية لغاية الهدم والتخريب كما يريد أن يصورّها بعض أعدائهم غير المتورّعين في إدراك الأمور على وجهها، ولا يكلّفون أنفسهم فهم الرأي الصحيح عندنا. كما أنّه ليس معناها أنّها تجعل الدين وأحكامه سرّا من الأسرار، لا يجوز أن يذاع لمن لا يدين به ، كيف وكتب الإمامية ومؤلفاتهم فيما يخصّ الفقه والأحكام ومباحث الكلام والمعتقدات ، قد ملأت الخافقين وتجاوزت الحدّ الذي ينتظر من أيّة امة تدين بدينها.
بلى، إنّ عقيدتنا في التقيّة قد استغلّها من أراد التشنيع على الإمامية ، فجعلوها من جملة المطاعن فيهم ، وكأنّهم كان لا يشفى غليلهم إلّا أن تقدّم رقابهم إلى السيوف ، لاستئصالهم عن آخرهم في تلك العصور التي يكفي فيها أن يقال هذا رجل شيعي ليلاقي حتفه على يد أعداء آل البيت ، من الامويّين ، والعباسيّين ، بل العثمانيّين.
وإذا كان طعن من أراد أن يطعن يستند إلى زعم عدم مشروعيتها من ناحية دينية فإنّا نقول له :
«أولا» : إنّا متبعون لأئمتنا ـ عليهم السلام ـ ونحن نهتدي بهداهم ، وهم أمرونا بها ، وفرضوها علينا وقت الحاجة ، وهي عندهم من الدين ، وقد سمعت قول الصادق ـ عليه السلام ـ : «من لا تقية له لا دين له».
و «ثانيا» : قد ورد تشريعها في نفس القرآن الكريم ذلك قوله تعالى :
(إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) ، النحل : 106 ، وقد نزلت هذه الآية في عمّار بن ياسر الذي التجأ إلى التظاهر بالكفر خوفا من أعداء الإسلام وقوله تعالى : (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً) آل عمران : 28.
(وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ) المؤمن : 28 (أ).
_________________
(أ) ولا يخفى عليك أنّ التقيّة قد تكون خوفا من الضرر على نفس المتقي أو عرضه أو ماله أو ما يتعلق به أو على نفس غيره من المؤمنين ، أو على حوزة الإسلام ، لأجل تفريق كلمتهم ، وقد تكون التقيّة مداراة من دون خوف وضرر فعلي ، بأن يكون المقصود منها هو جلب مودة العامّة والتحبيب بيننا وبينهم ، ولعلّ المصنّف أشار إلى الأوّل حيث قال : «وكذلك هي لقد كانت شعارا لآل البيت ـ عليهم السلام ـ دفعا للضرر عنهم وعن أتباعهم وحقنا لدمائهم» وأشار إلى الثاني حيث قال : «واستصلاحا لحال المسلمين وجمعا لكلمتهم ولمّا لشعثهم» ولكنّ الظاهر من ملاحظة تمام العبادة أنّه بصدد بيان القسم الأوّل فإنّ الاستدلال له بمثل أنّ الكتم والاتقاء في مواضع الخطر من فطرة العقول يشهد على أنّ مقصود هو القسم الأوّل.
اللهم إلّا أن يقال : إنّ ترك المداراة مع العامّة ، وهجرهم في المعاشرة في بلادهم وإن لم يكن مقارنا بالخوف والضرر الفعلي ، ولكن ينجرّ غالبا إلى حصول المباينة الموجبة للتضرر منهم ، وعليه فيشمل التقيّة المداراتية أيضا ، وكيف كان فما دلّ على التقية المداراتية ، خبر هشام الكندي قال : سمعت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ يقول : «إيّاكم أن تعملوا عملا نعيّر به ، فإنّ ولد السوء يعيّر والده بعمله ، كونوا لمن انقطعتم إليه زينا ولا تكونوا عليه شينا ، صلّوا في عشائرهم ، وعودوا مرضاهم ، واشهدوا جنائزهم ، ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير ، فأنتم أولى به منهم ، والله ما عبد الله بشيء أحبّ إليه من الخباء قلت :
وما الخباء؟ قال التقيّة» (1) ؛ إذ الظاهر منها الترغيب إلى العمل موافقا لآرائهم ، وإلى الاتيان بالصلاة مع عشائرهم ، وكذا غيرها من الخيرات ، ومن المعلوم أنّ العمل معهم موافقا لهم مستلزم لترك بعض الأجزاء والشرائط ، وليس ذلك إلّا للتقية المداراتية.
ثم إنّ التقية محكومة بالأحكام الخمسة قال الشيخ الأعظم الأنصاري ـ قدس سره ـ : «أمّا الكلام في حكمها التكليفي فهو أنّ التقية تنقسم إلى الأحكام الخمسة ، فالواجب منها : ما كان لدفع الضرر الواجب فعلا وأمثلته كثيرة.
والمستحب : ما كان فيه التحرز عن معارض الضرر ، بأن يكون تركه مفضيا تدريجا إلى حصول الضرر كترك المداراة مع العامّة وهجرهم في المعاشرة في بلادهم ، فإنّه ينجرّ غالبا إلى حصول المباينة الموجبة لتضرره منهم.
والمباح : ما كان التحرز عن الضرر وفعله مساويا في نظر الشارع ، كالتقيّة في إظهار كلمة الكفر على ما ذكره جمع من الأصحاب ويدلّ عليه الخبر الوارد في رجلين اخذا بالكوفة وامرا بسبّ أمير المؤمنين عليه السلام.
والمكروه : ما كان تركها وتحمّل الضرر أولى من فعله ، كما ذكر بعضهم في إظهار كلمة الكفر ، وأنّ الأولى تركها ممّن يقتدي به الناس إعلاء لكلمة الإسلام ، والمراد بالمكروه حينئذ ما يكون ضده أفضل.
والمحرّم منه : ما كان في الدماء» (2) قال الشهيد الثاني ـ قدس سره ـ في القواعد : «والحرام التقية حيث يؤمن الضرر عاجلا وآجلا أو في قتل مسلم» (3) ويشهد له ما في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال : «إنّما جعل التقية ليحقن بها الدم ، فإذا بلغ الدم فليس تقية» (4).
ثم إنّ الظاهر عدم انحصار موارد حرمة التقية بما ذكر ، بل تحرم التقيّة فيما إذا كانت التقية موجبة للفساد في الدين ، كما يشهد له موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في حديث ... وتفسير ما يتقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحقّ وفعله ، فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقيّة مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنّه جائز (5).
هذا مضافا إلى ما أفاده السيّد المجاهد آية الله العظمى الإمام الخميني ـ قدس سره ـ من أن تشريع التقيّة لبقاء المذهب ، وحفظ الاصول ، وجمع شتات المسلمين لإقامة الدين واصوله ، فإذا بلغ الأمر إلى هدمها فلا تجوز التقية ، ولذا ذهب إلى عدم جواز التقية فيما إذا كان أصل من اصول الإسلام أو المذهب أو ضروريّ من ضروريات الدين في معرض الزوال والهدم والتغيير ، كما لو أراد المنحرفون الطغاة تغيير أحكام الإرث ، والطلاق ، والصلاة ، والحج ، وغيرها ، من اصول الأحكام فضلا عن اصول الدين أو المذهب.
بل ذهب فيما إذا كان بعض المحرّمات والواجبات في نظر الشارع في غاية الأهميّة كهدم الكعبة والمشاهد المشرّفة بنحو يمحو الأثر ولا يرجى عوده ، وغيرها من عظائم المحرّمات ، إلى استبعاد التقية عن مذاق الشرع غاية الاستبعاد ، وقال : فهل ترى من نفسك إن عرض على مسلم تخريب بيت الله الحرام وقبر رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ أو الحبس شهرا أو شهرين أو أخذ مائة أو مائتين منه ، يجوز له ذلك تمسّكا بدليل الحرج والضرر.
ثم استظهر الرجوع في أمثال تلك العظائم إلى تزاحم المقتضيات من غير توجّه إلى حكومة تلك الأدلّة على أدلتها ، والحقّ بذلك ما إذا كان المتّقي ممّن له شأن وأهمية في نظر الخلق ، بحيث يكون ارتكابه لبعض المحرّمات تقية ، أو تركه لبعض الواجبات مما يعدّ موهنا للمذهب ، وهاتكا لحرمته ، كما لو أكره على شرب المسكر والزنا مثلا فإنّ جواز التقية في مثله تشبثا بحكومة دليل الرفع ، وأدلّة التقية ، مشكل بل ممنوع (6).
هذه جملة من الموارد التي استثنيت من أدلّة التقية ، وبقية الكلام في محله ، وكيف كان فالدليل على وجوب التقية فيما إذا كانت واجبة هو عمومات التقية التي أشار إليها المصنّف (7).
هذا مضافا إلى أدلّة نفي الضرر ، وحديث رفع عن امتي تسعة أشياء ، ومنها : ما اضطروا إليه.
قال الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ : «ثم الواجب منها يبيح كلّ محظور من فعل الحرام أو ترك الواجب والأصل في ذلك أدلّة نفي الضرر وحديث رفع عن امتي تسعة أشياء ، ومنها : ما اضطروا إليه ، مضافا إلى عمومات التقية مثل قوله في الخبر : أن التقية واسعة ليس شيء من التقية إلّا وصاحبها مأجور ، وغير ذلك من الأخبار المتفرّقة في خصوص الموارد ، وجميع هذه الأدلّة حاكمة على أدلّة الواجبات والمحرّمات ، فلا يعارض بها شيء منها حتّى يلتمس الترجيح ويرجع إلى الاصول بعد فقده كما زعمه بعض في بعض موارد هذه المسألة» (8).
والدليل على التقية فيما إذا كانت مستحبّة هو ما عرفت من صحيحة هشام بن الحكم ، ولذا قال الشيخ الأعظم ـ قدس سره : «وأمّا المستحب من التقية فالظاهر وجوب الاقتصار فيه على مورد النصّ ، وقد ورد النصّ بالحث على المعاشرة مع العامّة وعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم ، والصلاة في مساجدهم ، والأذان لهم ، فلا يجوز التعدّي عن ذلك إلى ما لم يرد النصّ من الأفعال المخالفة للحقّ ، كذمّ بعض رؤساء الشيعة ، للتحبيب إليهم» (9) ولكن مرّ عن الشهيد في قواعده من أنّه جعل المستحب من التقية فيما إذا كان لا يخاف ضررا عاجلا ، ويتوهم ضررا آجلا أو ضررا سهلا ، أو كان تقيته في المستحب كالترتيب في تسبيح الزهراء ـ صلوات الله عليها ـ وترك بعض فصول الأذان ، ومقتضاه هو عدم الاقتصار فيه على مورد النص فافهم.
وأمّا المباح والمكروه ، فقد قال الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ : «إن الكراهة أو الإباحة خلاف عمومات التقية فيحتاج إلى الدليل الخاص» (10) وقد أطلعت الكلام ، ومع ذلك بقي الكلام وعليك بالمراجعة إلى المطولات ، كالرسالة في التقية للشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ والرسائل للسيّد المجاهد آية الله العظمى الإمام الخميني ـ قدس سره ـ ولله الحمد.
__________________
(1) الوسائل : ج 11 ص 471 ح 2.
(2) رسالة في التقية : ص 320 من المكاسب المطبوع في تبريز.
(3) راجع رسالة في التقية للشيخ الاعظم : ص 320.
(4) الوسائل : ج 11 ص 483 ح 1.
(5) الوسائل : ج 11 ص 469 ح 6.
(6) الرسائل : ص 177 ـ 178.
(7) راجع الوسائل : ج 11 ، الباب 25 من ابواب الامر والنهي ص 468.
(8) رسالة في التقية : ص 320 من المكاسب المطبوعة في تبريز.
(9) رسالة في التقية : ص 320 من المكاسب المطبوعة في تبريز.
(10) رسالة في التقية : ص 320 من المكاسب المطبوعة في تبريز.