نذكر فيما يأتي فقرات ممّا يستخلص من حديث العشيرة عن بعض المصادر الاخرى: تحدّث سُلَيْم بن قيس عن الحوار الذي جرى بين معاوية وقيس بن سعد بن عبادة -في سفر معاوية إلى الحجّ ودخوله المدينة بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام، وبعد صلح الإمام الحسن المجتبى عليه السلام أو بعد استشهاده- وانتفاض قيس في تلك المناظرة، واستدلاله على بطلان خلافه معاوية وحقّانيّة عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام؛ وأدان معاوية. وذكر سُليم أنّ من جملة ما قاله قيس بن سعد لمعاوية: إنّ الله بعث محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم رحمة للعالمين. فبعثه إلى الناس كافّة، وإلى الجنّ والإنس، والأحمر، والأسود، والأبيض، اختاره لنبوّته؛ واختصّه برسالته.
وكان أوّل من صدّقه، وآمن به ابن عمّه عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
وأبو طالب عمّه يذبّ عنه، ويمنعه، ويبعد عنه الأخطار، ويهتمّ في حفظه وحراسته، ويحول بين كفّار قريش وبين أن يردعوه، أو يؤذوه، أو يحولوا دون دعوته؛ فأمره أن يبلّغ رسالة ربّه.
ولم يزل النبيّ ممنوعاً من ضيم قريش وأذاهم، حتّى مات عمّه أبو طالب؛ وأمر ابنه عليّاً. بمؤازرته؛ فوازره ونصره؛ وجعل نفسه دونه في كلّ شديدة وكلّ ضيق، وكلّ خوف. واختصّ الله بذلك عليّاً عليه السلام من بين قريش؛ وأكرمه من بين جميع العرب والعجم.
وجمع رسول الله جميع بني عبد المطّلب؛ فيهم أبو طالب، وأبو لهب. وهم يومئذٍ أربعون رجلًا؛ فجمعهم رسول الله، وخادمه عليّ؛ ورسول الله في حجر عمّه أبي طالب.
فَقَالَ: أيُّكُمْ يَنْتَدِبُ أنْ يَكُونَ أخِي، ووَزِيرِي، ووَصِيِّي، وخَلِيفَتِي في امَّتِي، ووَلِيّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي؟! فسَكَتَ القَوْمُ حتّى أعَادَهَا ثَلَاثَاً.
فَقَالَ عَلِيّ عَلِيهِ السَّلَامُ: أنَا يَا رَسُولَ اللهِ صلّى الله عَلَيْكَ! فَوَضَعَ رَأسَهُ في حِجْرِهِ وتَفَلَ في فِيهِ، وقالَ: اللَهُمَّ امْلأ جَوْفَهُ عِلْمَاً وفَهْمَاً وحُكْمَاً. ثمَّ قَالَ لأبِي طَالِبٍ: يَا أبَا طَالِبٍ! اسْمَعِ الآنَ لِابْنِكَ وأطِعْ فَقَدْ جَعَلَهُ اللهُ مِنْ نَبِيِّهِ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى الحديث[1].
وفي «غاية المرام» عن محمّد بن عبّاس بن ماهيار، في «تفسير القرآن فيما نَزَلَ في أهلِ البيت» عليهم السلام، بسنده المتّصل عن محمّد بن عبد الله بن أبي رافع[2]، غلام رسول الله، عن أبيه، عن جدّه أبي رافع، قال: جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم جميع بني عبد المطّلب في الشِّعْب، وكان بنو عبد المطّلب (جدّ رسول الله) أربعين رجلًا؛ وطبخ لهم رِجل شاةٍ، وفتّ لهم الخبز، وصبّ عليه المرق؛ وقدّم لهم ذلك الثريد[3] واللحم. فأكلوا جميعهم وشبعوا.
ثمّ سقاهم عسّاً واحداً فشربوا كلّهم منه حتّى رووا. فقال أبو لهب: والله إنّ منّا لنفراً يأكل الرجل منهم الجفنة، فما تكاد تشبعه؛ ويشرب الفرق فما يرويه. وإنّ ابن أبي كبشة (لقب كان يذكره أبو لهب لرسول الله) دعانا فجمعنا على رِجل شاة، وعسّ من لبن فشبعنا وروينا منهما. إنّ هذا لهو السحر المبين.
ثمّ دعاهم رسول الله، فقال: إنّ الله تبارك وتعالى أمرني بقوله: وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ورَهْطَكَ الْمُخْلَصْيِنَ.
وأنتم رهطي المخلصين وعشيرتي الأقربين! وإنّ الله لم يبعث رسولًا إلّا جعل من أهله أخاً ووزيراً ووارثاً ووصيّاً. فَأيُّكُمْ يَقُومُ يُبايِعُني أنَّهُ أخي ووَزيري، ووارثي دُونَ أهْلي، ووَصيّي وخَليفَتي في أهْلي، وَيَكونُ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى، غَيْرَ أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي؟! فسكت القوم.
وقال النبيّ: والله ليقومنّ قائمكم، أو يكون في غيركم، ثمّ لتندمنّ.
قال أبو رافع: فقام عليّ أمير المؤمنين عليه السلام، وهم ينظرون كلّهم إليه، فبايعه، وأجابه إلى ما دعاه.
فقال له النبيّ: ادن منيّ يا عليّ! فدنا منه. فقال: افتح فاك! ففتح فاه. فمجّ فيه من ريقه؛ وتفل فيه بين كتفيه، وبين ثدييه.
فقال أبو لهب للنبيّ: لبئس ما حبوتَ به ابن عمّك! إذ جاءك فملأتَ فاه بزاقاً[4]!
فقال النبيّ: بَلَى! مَلأتُهُ عِلْمَاً وحُكْمَاً وفِقْهَاً.[5]
[1] .«كتاب سُلَيم بن قَيْس» ص 199 و 200. و قال قيس بن سعد في سياق هذا الاحتجاج على معاوية كما ورد في صفحة 201: و قال رسول الله لعليّ في غزوة تبوك: أنت منِّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي.
[2] جاء في كتاب «الإصابة في تمييز الصحابة»: كان أبو رافع القبطيّ مولى لرسول الله، له أسماء مختلفة. و قال ابن عبد البرّ: أشهر ما قيل في اسمه: أسلم. و كان مولى العبّاس بن عبد المطّلب، فوهبه للنبيّ، فأعتقه لمّا بشّره بإسلام العبّاس. و كان إسلام أبي رافع قبل بدر، و لم يشهدها. و شهد أُحُداً و ما بعدها. و روى عن النبيّ، و عن عبد الله بن مسعود. (ج 4، ص 68).
[3] الثريد مرق يفتّون فيه الخبز و يأكلونه. يقال له بالفارسيّة: (تِرِيد). و الصحيح هو ثريد.
[4] .وردت الرواية المذكورة إلى هذا الموضع في «تاريخ دمشق» الجزء الخاصّ بأمير المؤمنين عليه السلام، ج 1، ص 89، الرقم 141.
[5] «غاية المرام» القسم الأوّل ص 135 و 136، الحديث الثامن و الثلاثون. و وردت في «مجمع البيان» ج 4، ص 206، طبعة صيدا.
و رواها المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 9، ص 241، طبعة الكمبانيّ، عن كتاب «كنز الفوائد» للكراجكيّ، عن أبي رافع. و أضاف في تتمّتها هذه الجملة: فقال لأبي طالب: ليهنكَ أن تَدْخُلَ اليومَ في دينِ ابن أخيكَ وَ قَدْ جَعَلَ ابْنَكَ مُقَدَّمَاً عَلَيكَ.