قال علاء الدين أبو المكارم السِّمنانيّ البياضيّ المكّيّ المتوفّى في سنة 736 ه في كتاب «العروة الوثقي»: وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لعليّ عليه السلام وسلام الملائكة الكرام: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِن موسى إلَّا أنّه لَا نَبِيّ بَعْدِي. وقال في غدير خمّ بعد حجّة الوداع على ملأ من المهاجرين والأنصار آخذاً بكتفه: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. اللَهُمَ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ. وهذا حديث متّفق على صحّته.
وعلى هذا صار سيّد الأولياء، وكان قلبه على قلب محمّد عليه التحيّة والسلام.
وإلى هذا المعنى أشار ... أبو بكر صاحب غار النبيّ صلّى الله عليه وآله حين بعث أبا عبيدة بن الجرّاح إلى عليّ لاستحضاره للبيعة بقوله: يَا أبَا عُبَيْدَةَ! أنْتَ أمِينُ هَذِهِ الامَّةِ أبْعَثُكَ إلى مَنْ هُوَ في مَرْتَبَةِ مَنْ فَقَدْنَاهُ بِالأمْسِ، يَنْبَغِي أنْ تَتَكَلَّمَ عِنْدَهُ بِحُسْنِ الأدَبِ[1].
وقال أبو مشكور محمّد بن عبد السعيد بن محمّد الكشيّ السالميّ الحنفي في «التَّمهيد في بَيان التَّوحيدِ»: قالت الروافض: الإمامة منصوصة من قبل النبيّ لعليّ بن أبي طالب بدليل أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم جعله وصيّاً لنفسه، وجعله خليفة من بعده حيث قال: أ مَا تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي!
ثمّ هارون عليه السلام كان خليفة موسى عليه السلام، فكذلك عليّ خليفة رسول الله.
هذا من جهة، ومن جهة اخرى، إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله جعله وليّاً للناس لمّا رجع من مكّة ونزل في غدير خمّ؛ فأمر النبيّ أن يجمع رحال الإبل، فجعلها كالمنبر وصعد عليها فقال: ألَسْتُ أوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ؟! فَقَالُوا: نَعَمْ! فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ، فَعَلِيّ مَوْلَاهُ! اللَهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ! وعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، واخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ. والله جلّ جلاله يقول: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهُمْ راكِعُونَ. وهذه الآية نزلت في شأن عليّ، وهي تدلّ على أنّه كان أولى الناس بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
وقال في الجواب عمّا ذكر بعد بيان أدلّة الشيعة: وأمّا قول الشيعة إنّ النبيّ جعله وليّاً، قلنا: أراد به في وقته، يعني بعد عثمان، وفي زمن معاوية، ونحن كذا نقول. وكذا الجواب عن قوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا - الآية.
فنقول: إنّ عليّاً رضيّ الله عنه كان وليّاً وأميراً بهذا الدليل في أيّامه ووقته، وهو بعد عثمان. وأمّا قبل ذلك، فلا[2]. تلاحظون أنّ هذا الرجل لم يستطع أن يشكّك في صحّة سند هذه الأدلّة أو في دلالتها على ولاية الإمام وإمامته قطّ، فحملها على معنى لو قيل للناشئين، لعرفوا بطلانه بوضوح.
[1] «الغدير» ج 1، ص 396.
[2] «الغدير» ج 1، ص 397 و 398.