ذكر الشيخ الطبرسيّ في «الاحتجاج» أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا دخل البصرة، وفرغ من معركة الجمل، قال بعض أصحابه: إنّ عليّاً لا يقسّم الفيء فينا بالسويّة، ولا يعدل في الرعيّة، وغير ذلك من المسائل التي أجاب عنها أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة خطبها؛ وهذه الخطبة مرويّة عن يَحْيى بن عبد الله بن الحسن، عن أبيه: عبد الله بن الحسن قال: لمّا دخل أمير المؤمنين عليه السلام البصرة، خطب هذه الخطبة بعد دخوله بأيّام. فقام إليه رجل وقال: يا أمير المؤمنين! أخبرني مَنْ أهل الجماعة؟! ومَنْ أهل الفرقة؟ ومَنْ أهل البدعة؟ ومَنْ أهل السُّنّة؟ قال أمير المؤمنين عليه السلام في جوابه: ويْحَكَ! أما إذا سألتني، فافهم عنّي؛ ولا عليك أن تسال عنها أحداً بعدي! أمّا أهل الجماعة، فأنا ومن اتّبعني، وإن قلّوا. وذلك الحقّ عن أمر الله تعالى، وعن أمر رسوله! وأمّا أهل الفرقة، فهم المخالفون لي ولمن اتّبعني، وإن كثروا. أمّا أهل السنّة، فهم المتمسّكون بما سنّه الله لهم ورسوله، وإن قلّوا. وأمّا أهل البدعة فالمخالفون لأمر الله ولكتابه ولرسوله، العاملون برأيهم وأهوائهم، وإن كثروا. وقد مضى منهم الفوج الأوّل وبقيت أفواج؛ وعلى الله قبضها، واستئصالها عن جُدَدِ الأرض.
فقام إليه عمّار بن ياسر، فقال: يا أمير المؤمنين! إنّ الناس يذكرون الفيء، ويزعمون أنّ من قاتلنا (أصحاب الجمل) فهو وماله وولده فيء لنا.
فقام إليه رجل من بكر بن وائل، ويدعى عبَّاد بن قيس، وكان ذا عارضة ولسان شديد، فقال: يا أمير المؤمنين! والله ما قسمتَ بالسويّة! ولا عدلتَ في الرعيّة!
قال أمير المؤمنين: لِمَ؛ ويحك؟!
قال الرجل: لأنّك قسمتَ ما في العسكر! وتركت الأموال والنساء والذرّيّة!
قال أمير المؤمنين عليه السلام: أيُّها الناس! من كانت به جراحة فليداوها بالسمن!
فقال عبّاد بن قَيْس: جئنا نطلب غنائمنا، فجاءنا بالتُّرَّهَات[1] (الهراء الذي ليس له معنى).
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إن كنت كاذباً فلا أماتك الله حتّى يدركك غلام ثقيف![2] قيل: ومن غلام ثقيف؟! قال: رجل لا يدع للّه حرمة إلّا انتهكها.
فقيل له: أفيموت أو يقتل؟
فقال الإمام: يقصمه قَاصِمُ الجَبَّارِينَ بموت فاحش يحترق منه دبره لكثرة ما يجري من بطنه.
ثمّ قال عليه السلام: يا أخا بكر! أنت امرؤ ضعيف الرأي! أوَ ما علمتَ أنّا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير؟! وأنّ الأموال كانت لهم قبل الفرقة؛ وتزوّجوا على رشدة، وولدوا على فطرة! وإنّما لكم ما حوى عسكركم، وما كان في دورهم فهو ميراث. فإن عدا أحد منهم أخذناه بذنبه؛ وإن كفّ عنّا لم نحمل عليه ذنب غيره.
يا أخا بكر! لقد حكمت فيهم بحكم رسول الله صلّى الله عليه وآله في أهل مكّة، فقسّم ما حوى العسكر، ولم يتعرّض لما سوى ذلك. وإنّما اتّبعت أثره حَذْو النَّعْلِ بِالنَّعْلِ[3].
يا أخا بكر! أ ما علمت أنّ دارَ الحَرْبِ يحلّ ما فيها؟! وأنّ دَارَ الهِجْرةِ يحرّم ما فيها إلّا بالحقّ!
فَمَهْلًا مَهْلًا رَحِمَكُم اللهُ! فإن لم تصدّقوني، وأكثرتم عَلَيّ -و ذلك أنّه تكلمّ في هذا غير واحد- فأيّكم يأخذ عائشة بسهمه؟!
ولمّا بلغ كلامه هذه النقطة، قالوا أجمعهم: يا أمير المؤمنين! أصبتَ وأخطأنا! وعلمتَ وجهلنا! فنحن نستغفر الله تعالى! ونادى الناس من كلّ جانب: أصبتَ يا أمير المؤمنين! أصاب الله بك الرشاد والسداد!
فقام عبّاد، فقال: أيّها النَّاسُ! إنّكم والله لو اتّبعتموه وأطعتموه لن يضلّ بكم عن منهل نبيّكم حتّى قيد شعرة! وكيف لا يكون ذلك، وقد استودعه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم علم المَنَايَا والقَضَايَا وفَصْلَ الخِطَاب على منهاج هارون وقال له: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى، إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي! فضلًا خصّه الله به، وإكراماً منه لنبيّه حيث أعطاه ما لم يعط أحداً من خلقه.
ثمّ قال أمير المؤمنين عليه السلام: انظروا رحمكم الله ما تؤمرون، فامضوا له! فإنّ العالم أعلم بما يأتي به من الجاهل الخسيس الأخس. فإنّي حاملكم إنّ شاء الله إن أطعتموني على سبيل النجاة، وإن كانت فيه مشقّة شديدة، ومرارة عديدة. والدنيا حلوة الحلاوة لمن اغترّ بها من الشقاوة والندامة عمّا قليل.
ثمّ إنّي أخبركم أنّ جيلًا من بني إسرائيل أمرهم نبيّهم أن لا يشربوا من النهر، فلجّوا في ترك أمره فشربوا منه إلّا قليل منهم. فكونوا رحمكم الله! من اولئك الذين أطاعوا نبيّهم، ولم يعصوا ربّهم. وأمَّا عَائَشَةُ فَأدْرَكَهَا رَأيُ النِّسَاءِ؛ ولَهَا بَعْدَ ذَلِكَ حُرْمَتُهَا الاولَى؛ والحِسَابُ على اللهِ؛ يَعْفُو عَمَّنْ يَشَاءُ ويُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ[4].
ونقل الملا عليّ المتّقى هذه الخطبة كلّها في «كنز العمّال»، لكنّه ذكر أنّ ذلك الرجل الذي قام وقال: أيُّهَا النَّاسُ! إنّكم والله لو اتّبعتموه وأطعتموه، لن يضلّ بكم عن منهل نبيّكم حتّى قيد شعرة! ذلك أنّه اودع علم المَنَايَا والقَضَايَا وفَصْلَ الخِطَابِ، وأنّ النبيّ قال له: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي هو عمّار بن ياسر.
وقال: فَقَامَ عَمَّارٌ فَقَالَ: أيُّهَا النَّاسُ! وأنا أرى أنّ هذا هو الصحيح لسببين: الأوّل: أنّ تعريف أمير المؤمنين عليه السلام بهذا النحو من قبل عمّار بن ياسر ذي السوابق الحسنة أقرب إلى الصواب من تعريف رجل مجهول من قبيلة بكر اسمه عبّاد، بخاصّة أنّه قام في البداية واعترض على الإمام بلسان سليط ونبرة حادّة. الثاني: أنّ لفظ عمَّار يشبه لفظ عبَّاد في الكتابة كثيراً، وأغلب الظنّ أنّ الناسخ قرأ (عبّاد) مكان (عمّار) في الكتابة. وكذا كتب في «الاحتجاج»، و«غاية المرام».
وورد في «كنز العمّال» حول عائشة قوله: وَأمَّا عَائِشَةُ فَقَدْ أدْرَكَهَا رَأيُ النِّسَاءِ؛ وشَيءٌ كَانَ في نَفْسِهَا عَلَيّ يَغْلِي في جَوْفِهَا كَالمِرْجَلِ؛ ولَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أتَتْ بِهِ إلَيّ لَمْ تَفْعَلْ؛ ولَهَا بَعْدَ ذَلكَ حُرْمَتُها الاولَى؛ والحِسَابُ عَلَى اللهِ؛ يَعْفُو عَمَّن يَشَاءُ؛ ويُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ[5].
وذكر الشريف الرضي رحمة الله عليه هذه الفقرة من الخطبة بالنحو الآتي: وأمَّا فُلَانَةُ فَأدْرَكَهَا رأيُ النِّسَاءِ، وضِغْنٌ غَلَا في صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ القَيْنِ؛ ولَوْ دُعِيَتْ لِتَنالَ مِنْ غَيْرِي مَا أتَتْ إلَيّ لَمْ تَفْعَلْ؛ ولَهَا بَعْدَ ذَلِكَ حُرْمَتُهَا الاولَى والحِسَابُ على اللهِ تَعَالَي[6].
أي: أنّ الحقد والشنآن الذي وقر في صدرها عَلَيّ، وكان دائم الغليان كالحديد المنصهر في أتُّون الحِدادة هو الذي دفعها إلى ذلك العمل، إذ ركبت جَمَلها وتحرّكت تلقاء البصرة على رأس جيش قوامه اثنا عشر ألفاً؛ ورفعت لواء المعارضة، وتأمّرت على الجيش. ولو لا ضغنها عَلَيّ خاصّة، لما قامت بهذا العمل مع شخص آخر على وجه البسيطة.
[1] التُّرَّهَات جمع تُرَّهَة من مادّة تَرِهَ: الأباطيل و الدواهي.
[2] المراد من غلام ثقيف شابٌّ من قبيلة ثقيف يقال له: الحجّاج بن يوسف الثقفيّ. قال المامقانيّ في «تنقيح المقال» ج 1، ص 255: الحجّاج و هو الظالم السفّاك الشقيّ العنيد أعدى عدوّ لأهل بيت الطهارة. و كانت مدّة حكومته في العراق عشرين سنةً. و كان عدد من قتله بالظلم و العدوان مائة و عشرين ألفاً. و كان في حبسه يوم موته خمسون ألف رجل و ثلاثون ألف امرأة. و كان عمره ثلاثاً و خمسين سنةً. مات في الثاني عشر من شهر رمضان سنة 95 ه.
و ذكر ابن خلّكان ترجمة مفصّلة للحجّاج في «وفيّات الأعيان». و هي مثبّتة في الجزء الثاني من الكتاب المذكور، من ص 29 إلى 54، في الرقم 149 من طبعة دار الثقافة ببيروت. و قال في ص 53 عن سبب موت الحجّاج: مات بمرض الآكلة (و الآكلة داء في العضو يأتكل منه اللحم و أجزاء الجسم) و قال: وقعت في بطنه و دعا بالطبيب لينظر إليها، فأخذ لحماً و علّقه في خيط و سرّحه في حلقه و تركه ساعة ثمّ أخرجه، و قد لصق به دود كثير. و سلّط الله عليه الزمهرير، فكانت الكوانين تجعل حوله مملوءة ناراً و تدني منه حتّى تحرق جلده و هو لا يحسّ بها- انتهى.
أقول: هذا الداء هو الذي أخبر به أمير المؤمنين عليه السلام من قبل إذ ذكر أنّه يموت بمرض قبيح و أنّ كثيراً ممّا يخرج من بطنه يحرق دبره. قال ابن خلّكان: رحمه الله تعالى و سامَحَه، و لكن أقول: لعنه الله و أخزاه، و حشره مع مواليه: عبد الملك بن مروان، و من يحذو حذوه؛ و أرانا الله تعالى محلّه في الجحيم و شفى الله قلوبنا برؤية عذابه و نكاله. و أقام الحجّاج على هذه الحالة خمسة عشر يوماً فشكى ما يجده إلى الحسن البصريّ؛ فقال له: قد كنت نهيتك ألّا تتعرّض للصالحين! فقال الحجّاج: لا أسألك أن تسأل الله أن يفرّج عنّي! و لكنّي أسألك أن تسأله أن يعجّل قبض روحي، و لا يطيل عذابي! و لمّا جاء موت الحجّاج إلى الحسن البصريّ سجد للّه تعالى شكراً و قال: اللهمّ إنّك قد أمَتَّهُ فأمِتْ عنّا سنّته!( «وفيّات الأعيان»).
[3] أي بلا فرق يذكر. و يقال أيضاً: طابق النعل بالنعل، لأنّ فردة الحذاء أشبه بالفردة الاخرى من غيرها. و أراد الإمام بهذا التشبيه أن يبيّن أنّ عمله أشبه بعمل رسول الله، بل هو كعمل رسول الله تماماً
[4] . «الاحتجاج» لأبي منصور أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسيّ، ج 1، ص 246 إلى 248، طبعة النجف؛ و «غاية المرام» القسم الأوّل، ص 150 و 151، الحديث 64 عن «الاحتجاج».
[5] «كنز العمّال» ج 8، ص 215 إلى 217، الطبعة الاولى؛ و «منتخب كنز العمّال» ج 6، ص 315 إلى 331.
[6] «نهج البلاغة» الخطبة 154.