من الذين لم يبايعوا الإمام عليه السلام في خلافته الظاهريّة بعد مقتل عثمان: سَعْد بن أبي وقَّاص. وأجمعت كتب التأريخ والسِّيَر على أنّ سعداً لم يبايع الأمام.
وورد في «سفينة البحار» في مادّة رَبَعَ عند ترجمة رَبيع بن خُثَيْم، نقلًا عن تلميذ المجلسيّ رضوان الله عليه: وهو الفاضل الخبير الميرزا عبد الله الأصفهانيّ الأفنديّ في كتاب «رياض العلماء» أنّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الذين تخلّفوا عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام كانوا سبعة، وهم: عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَر، صُهَيْبُ الرُّومِيّ غُلَامُ عُمَر، مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَة، سَعْدُ بنُ أبي وَقَّاص، سَعِيدُ بْنُ مَالِك، اسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَة. ومن التابعين ثلاثة هم: رَبِيعُ بْنُ خُثَيم، مَسْروقُ بْنُ أجْدَع، وأسْوَدُ بْنُ زَيْدٍ[1].
وقال المسعوديّ في «مروج الذهب»: وقعد عن بيعته جماعة عثمانيّة لم يروا إلّا الخروج عن الأمر. منهم سعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن عُمَر، وبايع يزيد [بن معاوية] بعد ذلك، (ثمّ بايع) عبد الملك بن مروان؛ ومنهم: قدامة بن مظعون، وأهْيَان بن صَيْفِي، وعبد الله بن سَلَام، والمُغِيرَة بن شُعْبَة الثَّقَفيّ. وممّن اعتزل من الأنصار: كَعْب بن مَالِك، وحَسَّان بن ثَابِت، وكانا شاعرين، وأبو سَعِيد الخُدْرِيّ، ومحمّد بن مُسْلَمَة حليف بني عبد الأشهل، [و يزيد بن ثابت، ورافع بن خُدَيْج، والنُّعْمان بن بشير[2]] وفَضَالَة بن عُبَيْد، وكَعْب بن عُجْرَة، ومُسْلَمَة بن خَالِد في آخرين لم نذكرهم من العثمانيّة من الأنصار وغيرهم من بني اميّة وسواهم[3].
وأشار ابن الأثير في «الكامل في التاريخ» طبعة بيروت 1385، ج 3، ص 191 إلى أنّه لمّا قتل عثمان، بايع جميع المهاجرين والأنصار أمير المؤمنين عليه السلام. وتخلّف عن البيعة من المهاجرين سعد بن أبي وقّاص، وابن عمر، ومن الأنصار، حسّان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومَسلَمَة بن مخلَّد. وأبو سعيد الخُدريّ، ومحمّد بن مَسْلَمَة، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، وفضالة بن عُبَيْد، وكعب بن عُجْرَة، وتخلّف عن بيعته أيضاً عبد الله بن سلام، وصُهَيب بن سنان، وسَلَمة بن سلامة بن وَقْش، واسامة بن زيد، وقدامة بن مظعون، والمغيرة بن شعبة.
ولكن قال ابن سعد في طبقاته ج 3، ص 31: لمّا قتل عثمان وبويع لعليّ بن أبي طالب بالمدينة الغد من يوم قتل عثمان، بايعه جميع من كان في المدينة، ومنهم طلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن زيد بن عَمْرو بن نُفَيْل، وعمّار بن ياسر، واسامة بن زيد، وسهل بن حُنَيف، وأبو أيّوب الأنصاريّ، ومحمّد بن مَسلَمة، وزيد بن ثابت، وخزيمة بن ثابت، وجميع أهل المدينة. ثمّ ذكر طلحة والزبير أنّهما بايعا كارهين غير طائعين. وخرجا إلى مكّة وبها عائشة. ثمّ خرجا من مكّة ومعهما عائشة إلى البصرة يطلبون بدم عثمان.
وكان سعد بن أبي وقّاص أحد السابقين إلى الإسلام، وهو سابع من أسلم[4]. وشهد بدراً، واحداً، والخندق، والمشاهد كلّها مع رسول الله. وأبلى يوم احد بلاءً عظيماً؛ وأنّه أوّل من أراق دماً في سبيل الله؛ وأوّل من رمى بسهم في سبيل الله. وقال العامّة: هو من سادات الصحابة، ومن العشرة المبشّرة، وأحد الذين شهد لهم النبيّ بالجنّة؛ وأحد الستّة أصحاب الشورى الذين أخبر عمر بن الخطّاب أنّ رسول الله توفّي، وهو عنهم راضٍ[5].
ولكنّه مع ذلك كانت له رغبة في الخلافة يوم الشورى. ثمّ انحاز إلى عثمان قوميّاً على الرغم من احتجاجات مولى الموالى أمير المؤمنين عليه السلام واستشهاده بالنصوص الكثيرة الواضحة الماثورة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في حقّانيّته وتعيّن ولايته وإمامته وخلافته. وصوّت لمصلحة عثمان؛ ولم يبايع أمير المؤمنين عليه السلام بعد عثمان، واعتزل ولم ينصره في الجمل وصفيّن، والنهروان.
يقول المسعوديّ: وكان سعد، واسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، ومحمّد بن مسلمة ممّن قعد عن عليّ بن أبي طالب [عليه السلام]، وأبَوا أن يبايعوه هم وغيرهم ممّن ذكرنا من القعّاد عن بيعته، وذلك أنّهم قالوا: إنّها فتنة.
ومنهم من قال لعليّ: أعْطِنَا سُيُوفَاً نُقَاتِلُ بِهَا مَعَكَ! فَإذَا ضَرَبْنَا بِهَا المُؤْمِنِينَ لَمْ تَعْمَلْ فِيهِمْ، وبَنَتْ عَنْ أجْسَادِهِمْ؛ وإذَا ضَرَبْنَا بِهَا الكَافِرِينَ سَرَتْ في أبْدَانِهِمْ! فَأعْرَضَ عَنْهُمْ عَلِيّ وقَالَ: «وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ولَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وهُمْ مُعْرِضُونَ»[6].
إن قائل هذا الكلام لأمير المؤمنين عليه السلام هو سعد بن أبي وقّاص، ويريد منه أنّ المسلمين والمؤمنين قد اختلطوا، وأنّ جنود الإمام، وجنود الجبهة المقابلة كلّهم مسلمون. وأنّه لا يستطيع أن يقاتل إلى جانب الإمام مؤازراً له، فيقتل أعداءه! وزعم أنّه يقاتل الكافرين لا المسلمين من أمثال طلحة، والزبير، وعائشة، وأصحاب معاوية بن أبي سفيان، فهؤلاء جميعاً مسلمون، ولا يصحّ قتل المسلم! وذكر كبار المؤرّخين أنّ سعد بن أبي وقّاص هو الذي تفوّه بذلك الكلام. ومن هؤلاء المؤرّخين ابن سعد في طبقاته، فقد روى بسنده عن أيّوب بن محمّد أنّه قال: نُبِّئتُ أنّ سعداً كان يقول: ما أزعم أنّي بقميصي هذا أحقّ منّي بالخلافة قد جاهدت إذ أنا أعرف الجهاد. ولَا أبْخَعُ نَفْسِي إنْ كَانَ رَجُلٌ خَيْرَاً مِنِّي؛ لَا اقَاتِلُ حتّى تَأتُونِي بِسَيْفٍ لَهُ عَيْنَانِ ولِسَانٌ وشَفَتَانِ فَيَقُولُ: هَذَا مُؤْمِنٌ وهَذَا كَافِرٌ[7].
وروى ابن سعد أيضاً بسنده عن يحيى بن الحُصين [أنّه] قال: سمعت الحيّ [كانوا] يتحدّثون أنّ أبي قال لسعد: ما يَمْنَعُك من القتال؟! قال (سعد): حتّى تجيئوني بسيف يَعْرِفُ المؤمنَ من الكافر[8].
وقال ابن عبد البرّ: ورامه ابنه عمر بن سعد أن يدعو لنفسه بعد قتل عثمان، فأبى. وكذلك رامَه أيضاً ابن أخيه هاشم بن عتبة، فلمّا أبى عليه، صار هاشم إلى عليّ [بن أبي طالب].
وكان سعد ممّن قعد ولزم بيته في الفتنة [في ثورة المصريّين وقتل عثمان]. وأمر أهله أن لا يخبروه من أخبار الناس بشيء، حتّى تجتمع الامّة على إمام.
فطمع معاوية فيه، وفي عبد الله بن عمر، ومحمّد بن مسلمة. فكتب إليهم يدعوهم إلى عونه على الطلب بدم عثمان. ويقول لهم: إنّ قاتله وخاذله سواء. (و إنّهم لمّا لم ينصروا عثمان، فهم بحكم قاتليه. وكفّارة جرمهم -بزعمه- أن ينهضوا لنصرته (معاوية) على عليّ بن أبي طالب).
وفي نثر ونظم كتب [معاوية] به اليهم، و[قد] تركتُ ذكره. فأجابه كلّ واحد منهم بردّ عليه ما جاء به من ذلك وينكر مقالته، ويعرّفه بأنّه ليس بأهل لما يطلبه؛ وأنّ في جواب سعد بن أبي وقّاص قال:
مُعَاوِيَ دَاؤُكَ الدَّاءُ العَيَاءُ *** ولَيْسَ لِمَا تَجيءُ بِهِ دَوَاءُ
أيَدْعُونِي أبُو حَسَنٍ عَلِيّ *** فَلَمْ أرْدُدْ عَلَيْهِ مَا يَشَاءُ
وَقُلْتُ لَهُ أعْطِنِي سَيْفَاً بَصِيراً *** تَمِيزُ بِهِ العَدَاوَةُ والوَلَاءُ
فَإنَّ الشَرَّ أصْغَرَهُ كَبِيرٌ *** وإنَّ الظَّهْرَ تُثْقِلُهُ الدِّمَاءُ
أتَطْمَعُ في الذي أعْيَا عَلِيَّاً *** على مَا قَدْ طَمِعْتَ بِهِ العَفَاءُ
لَيَوْمٌ مِنْهُ خَيْرٌ مِنْكَ حَيَّاً *** ومَيْتَاً أنْتَ لِلْمَرْءِ الفِدَاءُ
فَأمَّا أمْرُ عُثْمَانٍ فَدَعْهُ *** فَإنَّ الرَّأيَ أذْهَبَهُ البَلَاءُ[9]
وقال ابن عبد البرّ أيضاً: قال أبو عمر: سُئِلَ عَلِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ الَّذِينَ قَعَدُوا عَنْ بَيْعَتِهِ ونُصْرَتِهِ والقِيَامِ مَعَهُ. فَقَالَ: اولَئِكَ قَوْمٌ خَذَلُوا الحَقَّ ولَمْ يَنْصُرُوا البَاطِلَ[10].
وقال أيضاً: بويع لعليّ عليه السلام بالخلافة يوم قتل عثمان؛ واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار؛ وتخلّف عن بيعته منهم نفر.
فلم يَهِجْهُم، ولم يكرههم، وسئل عنهم، فقال: اولَئِكَ قَوْمٌ قَعَدُوا عَنِ الحَقِّ؛ ولَمْ يَقُومُوا مَعَ البَاطِلِ[11].
وقال المامقانيّ: قال الكَشيّ: وجدت في كتاب أبي عبد الله الشاذانيّ أنّه كان يقول: حدّثني جعفر بن محمّد المدائنيّ، عن موسى بن قاسم العِجليّ، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجّاج، عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام، عن آبائه، قال: كَتَبَ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلى وَالِي المَدِينَةِ: لَا تُعْطِيَنَّ سَعْداً ولَا ابْنَ عُمَرَ مِنَ الفَيْءِ شَيْئاً! فَأمَّا اسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَإنِّي قَدْ عَذَرْتُهُ في اليَميِنِ التي كَانَتْ عَلَيْهِ[12].
[1] «سفينة البحار» ج 1، ص 506. و لا يخفى أنّ المرحوم الميرزا عبد الله أفندي نقل المطلب المذكور في «رياض العلماء» عن المرحوم السيّد مرتضى بن الداعي صاحب كتاب «تبصرة العوامّ»، و هو أحد علماء الشيعة الكبار. و تقصّينا في المصادر المعيّنة «كالإصابة» و «الاستيعاب»، و «وفيّات الأعيان» فلم نجد صحابيّاً باسم سعيد بن مالك. إلّا في «تنقيح المقال» إذ قال المامقانيّ في ج 2، ص 10: إنّ اسم أبي سعيد الخدريّ سعد أو سعيد بن مالك. و ذكرت سائر الكتب أنّ اسم أبي سعيد هو سعد بن مالك. و حينئذٍ لعلّ المراد من سعيد بن مالك في عبارة «رياض العلماء» هو أبو سعيد الخدريّ. كما نصّ صاحب «مروج الذهب» على أنّ أبا سعيد الخدريّ كان أحد المتخلّفين عن البيعة. و عدّه صاحب «تنقيح المقال» نقلًا عن الشيخ في رجاله من أصحاب النبيّ تارة، و من أصحاب أمير المؤمنين تارة اخرى. و ذهب الشيخ الكشيّ إلى أنّه من السابقين الأوّلين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام. و في حديث الفضل بن شاذان عدّه الإمام الرضا عليه السلام من الذين كانوا يعملون على منهاج النبيّ و لم يغيّروا و لم يبدّلوا. و نقل العلّامة عن البرقيّ أنّه كان من أصفياء أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام. و قال الإمام الصادق عليه السلام: كان من أصحاب رسول الله و كان مستقيماً- إلى آخر الكلام.
[2] ما بين الهلالين في النسخة البدل.
[3] «مروج الذهب» ج 2، ص 361 و 362، طبعة مطبعة السعادة.
[4] «الاستيعاب» ج 2، ص 607.
[5] «تنقيح المقال» ج 2، ص 12.
[6] «مروج الذهب» ج 3 ص 24 و 25. و هذه الآية 23، من السورة 8: الأنفال.
[7] «الطبقات الكبرى» لابن سعد، ج 3، ص 143.
[8] «الطبقات الكبرى» لابن سعد، ج 3، ص 144.
[9] «الاستيعاب» ج 2، ص 609 و 610.
[10] «الاستيعاب» ج 2، ص 610.
[11] نفسه ج 3، ص 1120.
[12] «تنقيح المقال» ج 2، ص 11، 12.