لمّا توجّه النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى تبوك، مرّ بالحِجر[1]. والحجر محلّ ديار ثَمُود والنبيّ صالح على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام. وتقع هناك بئر صالح التي شربت منها الناقة فلاحقوها. وفي الخبر أنّ الناس كانوا يمرّون بالحجر، ويستقون من مائها ويعجنون. فنادى منادي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: لا تشربوا من مائها، ولا تتوضّئوا منه للصلاة. وما كان من عجين فاعلفوه الإبل! قال سَهْلُ بنُ سَعْد السَّاعِديّ: كنت أصغر من في القافلة، وكنت مقرئهم القرآن في تبوك. فلمّا نزلنا بالحجر، عجنتُ لأصحابي، وبعد أن اختمر العجين، ذهبت أطلب حطباً، فإذا منادي النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ينادي: إنّ رسول الله يأمركم ألّا تشربوا من ماء بئرهم! فجعل الناس يهرقون ما في أسقيتها؛ وقالوا: يا رسول الله! قد عجنّا. قال رسول الله: اعلفوه الإبلَ! قال سهل: فأخذت ما عجنت فعلفت نِضوَين كانا أضعف ركابنا[2]. وأمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن لا يدخل أحد من المسلمين بيوتهم إلّا باكين، وقال: لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ القَوْمِ المُعَذَّبِينَ إلَّا أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ. فَإنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيهِمْ فَيُصِيبَكُمْ مَا أصَابَهُمْ[3].
قال أبو سعيد الخُدريّ: جاء رجل إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بخاتم وجده في الحجر في بيوت المعذّبين. فأعرض عنه، واستتر بيده أن ينظر إليه، وقال: ألْقِهِ! فألقاه فما أدري أين وقع حتّى الساعة. وعند ما حاذى رسول الله أهل الحجر وديارهم قال: هذا وادِي النَّفْرِ. أي: الأرض التي ينبغي أن ينتقل عنها. فعجّل الناس بإخراج ركابهم منه. ورأيت رسول الله قد أسرع بناقته، وترك ذلك الوادي وراءه[4].
وعند ما كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في تبوك، عقد قبل رجوعه صلحاً بينه وبين ملك إيلَه، وأهل جِرْبَاء، وأذْرُح[5]. وبعث خالد بن الوليد إلى دَوْمَةِ الجَنْدَلِ للظفر بالاكَيْدِر بْنِ عَبْدِ المَلِكِ رجل من بني كنانة، وكان ملكاً عليها وكان نصرانيّاً. وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لخالد: «إنّك ستجده يصيد البقر»!
فخرج خالد مع جنوده حتّى بلغ من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة. وكان الاكيدر على سطح له ومعه امرأته. وباتت البقر تحكّ بقرونها باب القصر. فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا (الصيد) قطّ؟! قال: لا والله! قالت: فمن يترك هذا؟! قال: لا أحد. فنزل، فأمر بفرسه فاسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له: حسّان، فركب وخرجوا (من القصر بأسباب الصيد والنبال والأقواس).
فلمّا خرجوا، تلقّتهم خيل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فأخذته. (بَيدَ أنّ أخاه حسّاناً قاومهم) وقتلوا أخاه. وكان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب. فاستلبه خالد، فبعث به إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قبل قدومه عليه. ولمّا وصل القباء، جعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجّبون منه.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أتعجبون من هذا؟! فو الذي نفسي بيده، لمناديل سَعد بن مَعَاذ في الجنّة أحسن من هذا.
ولمّا قدم (خالد بن الوليد) باكيدر على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حقن له دمه، فصالحه على الجزية، ثمّ خلّى سبيله. فرجع إلى قريته. وذُكر أنّ رسول الله بعث خالداً في أربعمائة وعشرين فارساً[6].
[1] قال في «معجم البلدان» ج 2، ص 221: الحجر بكسر الحاء: اسم ديار ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام. قال الاصطخريّ: الحجر قرية صغيرة قليلة السكّان، وهو من وادي القرى على يوم بين جبال. وبها كانت منازل ثمود. قال الله تعالى: وتنحتون من الجبال بيوتًا فارهين. قال: ورأيتها بيوتاً مثل بيوتنا في أضعاف جبال، وتسمّى تلك الجبال الأثالث. وهي جبال إذا رآها الرائيّ من بُعد ظنّها متّصلة. فإذا توسّطها، رأى كلّ قطعة منها منفردة بنفسها، يطوف بكلّ قطعة منها الطائف. وحواليها الرمل لا تكاد تُرتقى. كلّ قطعة قائمة بنفسها، لا يصعدها أحد إلّا بمشقّة شديدة. وهناك بئر ثمود التي قال الله فيها وفي الناقة: لها شِربٌ ولكم شرب يوم معلوم.
[2] «المغازي» ج 3، ص 1006 و1007؛ و«الكامل في التاريخ» ج 2، ص 281؛ و«حبيب السير» ج 1، ص 400؛ و«سيرة ابن هشام» ج 4، ص 948؛ وكتاب «حياة محمّد» ص 428.
[3] «المغازي» 1008؛ و«السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 152؛ و«الكامل في التاريخ» ج 2، ص 279.
[4] «المغازي» ص 1008.
[5] «البداية والنهاية» ج 5، ص 16؛ و«أعيان الشيعة» ج 2، ص 199، الطبعة الرابعة؛ وكتاب «حياة محمّد» ص 429؛ و«إعلام الوري» ص 129.
[6] «البداية والنهاية» ج 5، ص 16 و17؛ و«بحار الأنوار» ج 6، ص 632 عن «إعلام الوري» للشيخ الطبرسيّ؛ و«بحار الأنوار» ج 6، ص 634 و635 عن «تفسير الإمام»؛ و«أعيان الشيعة» ج 2، ص 199، الطبعة الرابعة؛ وكتاب «حياة محمّد» ص 430؛ و«إعلام الوري» ص 130.