أقبل حذيفة حتّى أتى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فساق به. فلمّا خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من العقبة، نزل الناس. فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا حذيفة! هل عرفت أحداً من الركب الذين رددتهم؟! قال: يا رسول الله! عرفت راحلة فلان وفلان. وكان القوم مُتَلَثِّمِين، لم ابصرهم من أجل ظلمة الليل! ولمّا مضى الليل، وجاء الصبح، قال اسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ[1]: يَا رَسُولَ اللهِ! ما منعك البارحة من سلوك الوادي؟! فقد كان أسهل من العقبة! قال (رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم): يَا أبَا يَحْيَى! أ تدري ما أراد البارحة المنافقون، وما اهتمّوا به (و نووه)؟! قالوا: نتبعه في العقبة. فإذا أظلم الليل عليه، قطعوا أنساع[2] راحلتي ونَخَسوها حتّى يطرحوني من راحلتي.
فقال اسيد: يا رسول الله! قد اجتمع الناس، ونزلوا، فَمُرْ كلّ بطن و(قبيلة) أن تقتل الرجل الذي همّ بهذا (و هو منها). فيكون الرجل من عشيرته هو الذي يقتلْه! وإن أحببت والذي بعثك بالحقّ فنبّئني بهم، فلا تبرح حتّى آتيك برءوسهم، وإن كانوا في النَّبِيت[3]، فكفيتُكم (شرّهم)! ومُر سيّد الخزرج، يكفك شرَّ مَن في ناحيته! فإنّ مثل هؤلاء يُتركون يا رسول الله؟! حتّى متى نُداهنهم! وقد صاروا اليوم في القلّة والذلّة؛ وضرب الإسلام بجِرانه، فما يُستبقى من هؤلاء! قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لُاسيد: إنّي أكره أن يقول الناس: إنّ محمّداً لمّا انقضت الحرب بينه وبين المشركين اطمأنّ ووضع يده في قتل أصحابه! قال اسيد: يا رسول الله! هؤلاء ليسوا بأصحاب! قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أليس يُظهرون شهادة أن لا اله إلّا الله؟! قال: بلى، ولا شهادة لهم! قال (رسول الله): أ ليس يظهرون أنّي رسول الله؟ قال: بلى، ولا شهادة لهم.
قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: فَقَدْ نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ اولَئِكَ[4].
وعن أبي سعيد الخُدريّ قال كان أهل العقبة الذين أرادوا بالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ثلاثة عشر رجلًا، قد سمّاهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لحُذَيفة وعَمّار[5].
وعن جابر بن عبد الله الأنصاريّ إنّ عَمَارَ بْنَ يَاسِرٍ تنازع ورجل من المسلمين في شيءٍ فتسابّا. فلمّا كاد الرجل يعلو عمّاراً في السِّباب، قال عمّار: كم كان أصحاب العقبة؟ قال: اللهُ أعْلَمُ! قال عمّار: أخبرني عن علمك بهم! فسكت الرجل.
فقال من حضر لعمّار: بيّن له ما سألته عنه! وأراد عمّار من سؤاله شيئاً قد خفي على الحاضرين. وكره الرجل أن يحدّثه. وأقبل القوم على الرجل ليقل! فقال: كنّا نتحدّث أنّهم كانوا أربعة عشر رجلًا.
قال عمّار: فإنّك إن كنت منهم، فهم خمسة عشر رجلًا؟!
فقال الرجل: مهلًا! أذكّرك الله أن تفضحني!
قال عمّار: والله ما سمّيت أحداً، ولكنّي أشهد أنّ الخمسة عشر رجلًا، اثنا عشر منهم حَرْبٌ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ {فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ ، يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}[6].
وعن الزهريّ قال: لمّا نزل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن راحلته، وهي باركة، اوحيَ إليه. فلهذا قامت راحلته تجرّ زمامها. حتّى لقيها حُذيفة بن اليمان، فأخذ بزمامها، فاقتادها. وحين رأى رسول الله جالساً، أناخها ثمّ جلس عندها حتّى قام رسول الله، فأتاها، وقال: من هذا؟ قلتُ: أنا حذيفة يا رسول الله! فقال الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا حذيفة! إنّي مسرٌّ إليك أمراً فلا تذكرنّه! إنّي نُهيت أن اصلّي على فلان، وفلان: رهط من المنافقين! وسمّاهم لحذيفة[7]، ولم يُعلم أحداً غيره. فلمّا توفي رسول الله، كان عمر إذا مات رجل ممّن يظنّ أنّه من رهط العقبة، أخذ بيد حذيفة، فقاده إلى الصلاة عليه. فإن مشى معه حذيفة، صلّى عليه عمر. وإن انتزع يده من يد عمر وأبى أن يمشي، انصرف من الصلاة عليه[8].
[1] جاء في «اسد الغابة» ج 1، ص 92 و93: كان اسَيْدُ بنُ حُضيْر من الأنصار ومن الأوس. يكنّى: أبا يحيى. وكان أبوه حضير فارس الأوس في حروبهم مع الخزرج. وكان له حصن واقم. وكان رئيس الأوس يوم بُعاث. وأسلم اسيد قبل سعد بن معاذ على يد مصعب بن عمير بالمدينة. وآخى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بينه وبين زيد بن حارثة، وكان أحد عقلاء الكلمة أهل الرأي. وكان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن. قال: قرأت ليلة سورة البقرة، وفرس لي مربوط، ويحيى ابني مضطجع قريب منّي وهو غلام فجالت الفرس. فقمت وليس لي همّ إلّا ابني (أن تركله الفرس). ثمّ قرأت فجالت الفرس، فقمتُ وليس لي همّ إلّا ابني. ثمّ قرأت فجالت الفرس. فرفعت رأسي، فإذا شيء كهيئة الظلّة في مثل المصابيح مقبل من السماء فهالني، فسكتُّ. فلمّا أصبحتُ، غدوت على رسول الله فأخبرته! فقال رسول الله: اقرأ يا أبا يحيى. قلت: قد قرأت فجالت الفرس، فقمت ليس لي همّ إلّا ابني. قال: اقرأ يا أبا يحيى! فقلت: قد قرأت، فجالت الفرس، فقمت ليس همّ لي إلّا ابني. قال: اقرأ يا أبا يحيى! فقلت: قد قرأت، فرفعت رأسي، فإذا كهيئة الظلّة فيها المصابيح فهالني. فقال: تلك الملائكة دنوا لصوتك. ولو قرأت حتّى تصبح، لأصبح الناس ينظرون إليهم. توفّي اسيد بن حضير في شعبان سنة عشرين، ودفن بالبقيع.
[2] الأنساع جمع نسعة. وهو سير مضفور يجعل زماماً للبعير. ونخس نخساً الدابّة: غرز جنبها أو مؤخّرها بعود أو دسار، فهاجت.
[3] النبيت، أي: حتّى لو كانوا من أولاد النبيت. وهو عمرو بن مالك بن أوس. «أنساب الأشراف» للبلاذريّ، ج 1، ص 287.
[4] «المغازي» ج 3، ص 1042 إلى 1044؛ و«السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 162؛ و«بحار الأنوار» ج 6، ص 629 عن «الخرائج والجرائح» للراونديّ. ورواه البيهقيّ في ص 632 من «دلائل النبوّة»؛ و«إعلام الوري» ص 130 و131 عن «دلائل البيهقيّ».
[5] «المغازي» ج 3، ص 1044؛ و«السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 162. وقال في «بحار الأنوار» ج 6، ص 627 أقول: إنّ رسول الله لعن أبا سفيان في سبعة مواطن، أحدها يوم حملوا على رسول الله في العقبة، وقصدوا تحريك ناقته وتذليلها. وهم اثنا عشر رجلًا من بني اميّة وخمسة من سائر الناس. فلعن النبيّ جميع من كان على العقبة إلّا نفسه وناقته وقائده وسائقه (القائد أمام الناقة وهو عمّار، والسائق خلفها وهو حذيفة).
[6] الآيتان 51 و52، من السورة 40: غافر. وتمام الآية الاولى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ. وذكر الواقديّ هذه الرواية في «المغازي» ج 3، ص 1044 و1045.
[7] في «بحار الأنوار» ج 6، ص 629 عن تفسير الإمام، و«الاحتجاج» للطبرسيّ: كان حذيفة أعلم الناس بالمنافقين.
[8] «المغازي» ج 3، ص 1045. وذكره في «بحار الأنوار» ج 6، ص 621 عن تفسير «مجمع البيان» في تفسير الآية: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ.