لم يتمكّن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يجري على ابن ابيّ حدّ القذف، وهو الذي اتّهم عائشة بالزنا. ووردت هذه القصّة في القرآن الكريم. وعلى الرغم من أنّ حكم حدّ من قذف مؤمناً أو مؤمنة بالزنا قد نزل في القرآن الكريم، وكان يعمل به، بَيدَ أنّ رسول الله لم يستطع أن يجري عليه الحدّ، وهو الذي قذف زوجة رسول الله بالزنا، وعلم الجميع أنّه كذب وافتراء. أي: لم تكن القدرة المركزيّة لرسول الله وصلت إلى درجة أنّ أصحابه يستطيعون إحضاره وإجراء الحدّ عليه؛ لأنّ حدّه يعني حدّ المنافقين كافّة، بل حدّ معظم أعوانه ومن دار في فلكه؛ وكان إجراء حدّ واحد يعادل إجراء ألف حدّ، إذ كان عبد الله يتمتّع بمكانة اجتماعيّة وقوميّة بين العرب تفوق مكانة ألف رجل منهم. وحينئذٍ لو كان قد اجري عليه الحدّ، فلا يقرّ قرار أعوانه وأنصاره، بل لاتّخذ كلّ منهم موضعه على سجيّة رئيسهم، وانبروا للدفاع والقتال والمخاصمة، وأقسموا أيماناً مؤكّدة على قذف عائشة بالزنا؛ ولتعطّل الحدّ، بل ويبقى هذا العار لاصقاً بعائشة على امتداد التأريخ، مع أنّها كانت بريئة من ذلك.
وتحدّث المُلَّا صَالِحُ المازنْدَرَانِيّ في شرح «اصول الكافي» عن سبب سكوت أمير المؤمنين عليه السلام وعدم قيامه بالسيف بعد رسول الله لاسترجاع حقّه وإعادة منصبه في الخلافة والإمامة. وذكر سبعة وجوه، جعل الوجه الخامس منها عدم تمكّن الإمام، كما أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يتمكّن من إجراء الحدّ على عبد الله بن أبي الذي افترى على عائشة.
وأجاب عن كلام بعض العامّة الذين قالوا: لو كان الحقّ مع عليّ، فلما ذا لم يقم بالسيف بعد وفاة رسول الله، مع أنّ أخذ الحقّ واجب؟ وإذا كان رسول الله قد عيّنه وصيّاً وخليفة وإماماً للمسلمين بعده، فإنّ واجبه الشرعيّ والعقليّ يتطلّب منه القيام وأخذ حقّه. وإن لم يفعل، فهو آثم.
ولمّا كان عليّ لا يذنب، فإنّ القيام بالسيف لم يجب عليه؛ أي: أنّ الخلافة لم تكن حقّه الإلهيّ. وقال الملّا صالح ما نصّه: وأمّا خامساً، فلأنّ العياض شارح «صحيح مسلم» نقل في حديث الإفك عن بعض علمائكم (علماء السنّة) أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إنّما لم يحدّ عبد الله بن أبي رأس المنافقين بالافتراء على زوجته عائشة، لأنّه كانت له منعة منه ويخشى من إقامته افتراق الكلمة، وظهور الفتنة. فإذا جاز للنبيّ ترك الحدّ لخوف الفتنة مع كثرة أعوانه وأنصاره، فقد جاز لعليّ عليه السلام ترك المحاربة والمقاتلة مع عدم المعاون لمثل ذلك[1].
وأمّا الآيات المباركة: وإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ، ولَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ، إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً[2]. فإنّها تتحدّث عن كيدهم لتقريب النبيّ إلى المشركين وركونه إليهم في اصول المعارف والتوحيد، أي: في ما أنزل الله، لا في عدم التمكّن من إجراء الأحكام بسبب عدم القدرة والقوّة في الخارج. كما رأينا في باب غدير خمّ أنّ الله تعالى كان يأمر نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم بتبليغ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ووصايته وخلافته بواسطة جبرائيل عليه السلام، بَيدَ أنّ النبيّ كان يخشى الفتنة والفوضى، فلهذا كان ينتهز الفرصة المناسبة حتّى نزلت عليه الآية: وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ[3].
فأوقف النبيّ الأكرم القافلة في غدير خمّ، وخطب خطبته الغرّاء المعروفة. صلّى الله عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ!
[1] «شرح روضة الكافي» للملّا صالح، ج 11، ص 281.
[2] الآيات 73 إلى 75، من السورة 17: الإسراء.
[3] الآية 67، من السورة 5: المائدة.