روى أحمد بن حنبل في مسنده عن يحيى بن حَمّاد، عن أبي عَوَانَة، عن أبي بَلْج، عن عمرو بن ميمون، قال: إنّي لجالس إلى ابن عبّاس إذ أتاه تسعة رهط فقالوا: يا ابن عبّاس! إمّا أن تقوم معنا ونذهب إلى مكان آخر ونتحدّث! وإمّا تخلو بنا عن هؤلاء! قال ابن عبّاس: بل أنا أقوم معكم وقال ابن ميمون: وهو يومئذٍ صحيح، قبل أن يعمى.
فذهبوا مع ابن عبّاس وتحدّثوا؛ فلم نعلم ما قالوا، فَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَنْفُضُ ثَوْبَهُ ويَقُولُ: افٍّ وتُفٍّ! وَقَعُوا في رَجُلٍ لَهُ عَشْرٌ؛ وَقَعُوا في رَجُلٍ!
(1) قَالَ لَهُ النَّبِيّ صلّى الله عَلَيهِ وآلهِ وسَلَّمَ: لأبْعَثَنَّ رَجُلًا لَا يُخْزِيهِ اللهُ أبَدَاً يُحِبُّ اللهَ ورَسُولَهُ. قَالَ: فَاسْتَشْرَفَ لَهَا مَنِ اسْتَشْرَفَ. قَالَ: أيْنَ عَلِيّ؟! قَالُوا: هُوَ في الرَّحْلِ يَطْحَنُ! قَالَ: ومَا كَانَ أحَدُكُمْ لِيَطْحَنَ؟! قَالَ: فَجَاءَ وهُوَ أرْمَدُ لَا يَكَادُ يُبْصِرُ. قَالَ: فَنَفَثَ في عَيْنَيْهِ؛ ثُمَّ هَزَّ الرَّايَةَ ثَلَاثَاً؛ فَأعْطَاهَا إيَّاهُ، فَجَاءَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيّ.
(2) قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ فُلاناً بِسُورَةِ التَّوْبَةِ، فَبَعَثَ عَلِيَّاً خَلْفَهُ؛ فَأخَذَهَا مِنْهُ. قَالَ: لَا يَذْهَبُ بِهَا إلَّا رَجُلٌ مِنِّي وأنَا مِنْهُ.
(3) قَالَ: وقَالَ لِبَنِي عَمِّهِ: أيُّكُمْ يُوَالِيني (بحيث لا يفصل بيني وبينه أي حجاب، ويكون معي في السرّاء والضرّاء كنفسي ومتكفّلًا باموري) في الدُّنْيَا والآخِرَةِ؟! قَالَ: وعَلِيّ مَعَهُ جَالِسٌ، فَأبَوا. وقَالَ عَلِيّ: أنَا اوَالِيكَ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ! قَالَ: أنْتَ وَلِيِّي في الدُّنْيَا والآخِرَةِ. قَالَ: فَتَرَكَهُ ثُمَّ أقْبَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَقَالَ: أيُّكُمْ يُواليني في الدُّنْيَا والآخِرَةِ؟ فَقَالَ عَلِيّ: أنَا اوَاليك في الدُّنْيَا والآخِرَةِ! فَقَالَ أنْتَ وَلِيِّي في الدُّنْيَا والآخِرَةِ. وكَانَ أوّلَ مَنْ أسْلَمَ مِنَ النَّاسِ بَعْدَ خَدِيجَةَ.
(4) قَالَ: وأخَذَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثَوْبَهُ فَوَضَعَهُ على عَلِيّ وفَاطِمَةَ وحَسَنٍ وحُسَيْنٍ، فَقَالَ «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً».
(5) قَالَ: وشَرَى عَلِيّ نَفْسَهُ. لَبِسَ ثوب النَّبيّ صلّى الله عَلَيه وآلِهِ وسَلَّمَ ثُمَّ نَامَ مَكَانَهُ. قَالَ: وكَانَ المُشْرِكُونَ يَرْمُونَ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَجَاءَ أبُو بَكْرٍ وعَلِيّ نَائِمٌ. قَالَ: وأبُو بَكْرٍ يَحْسَبُ أنَّهُ نَبِيّ اللهِ. قَالَ: فَقَالَ: يَا نَبِيّ اللهِ! قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَلِيّ: إنَّ نَبِيّ اللهِ صلّى الله عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَدِ انْطَلَقَ نَحْوَ بِئْرِ مَيْمُونٍ فَأدْرِكْهُ! قَالَ: فَانْطَلَقَ أبُو بَكْرٍ فَدَخَلَ مَعَهُ الغَارَ. قَالَ: وجُعِلَ عَلِيّ يُرْمَى بِالحِجَارَةِ كَمَا يُرْمَى نَبِيّ اللهِ وهُوَ يَتَضَوَّرُ قَدْ لَفَّ رأسَهُ في الثَّوْبِ لَا يُخْرِجُهُ حتّى أصْبَحَ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ رَأسِهِ فَقَالُوا: إنَّكَ لَلَئِيمٌ كَانَ صَاحِبُكَ نُرَامِيهِ فَلَا يَتَضَوَّرُ وأنْتَ تَتَضَوَّرُ وقَدِ اسْتَنْكَرْنَا ذَلِكَ.
(6) قَالَ: وخَرَجَ النَّاسُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَلِيّ: أخْرُجُ مَعَكَ؟! قَالَ: فَقَالَ لَهُ نَبِيّ اللهِ: لَا، فَبَكَى عَلِيّ، فَقَالَ لَهُ: أ مَا تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيّ! إنَّهُ لَا يَنْبَغِي أنْ أذْهَبَ إلَّا وأنْتَ خَلِيفَتِي!
(7) قَالَ: وقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: أنْتَ وَليِّي في كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي!
(8) وقَالَ: سُدُّوا أبْوَابَ المَسْجِدِ غَيْرَ بابِ عَلِيّ فَقَالَ: فَيَدْخُلُ المَسْجِدَ جُنُباً وهُوَ طَرِيقُهُ لَيْسَ لَهُ طَرْيقٌ غَيْرُهُ.
(9) قَالَ: وقَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَإنَّ مَوْلَاهُ عَلِيّ.
(10) قَالَ: وأخْبَرَنَا اللهُ عَزَّ وجَلَّ في القُرْآنِ أنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهُمْ عَنْ أصْحَابِ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ هَلْ حَدَّثَنَا أنَّهُ سَخَطَ عَلَيْهِمْ بَعْدُ؟ قَالَ: وقَالَ نَبِيّ اللهِ صلّى الله عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِعُمَرَ حِينَ قَالَ: ائْذَنْ لي فَلأضْرِبَ عُنُقَهُ (حاطب بن أبي بُلتَعَة)! قَالَ: أ وكُنْتَ فَاعِلًا؟! ومَا يُدْرِيكَ! لَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ على بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ[1].
وروى العلّامة الحلّيّ هذه الرواية في كتاب «منهاج الكرامة» بعد حذف رواتها من عمرو بن ميمون إلى قول رسول الله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيّ مَوْلَاهُ، وقال: وعن عمرو بن ميمون[2].
وذكرها ابن تيميّة في كتاب «منهاج السُّنَّة» مع تتمّة بعنوان رواية العلّامة مرفوعة[3]، وأوردها عن العلّامة بتعبير: قال الرافضيّ[4]. ثمّ انبرى
إلى جوابها، أنّها غير مسندة، بل مرسلة (بلا سند) لو ثبتت عن عمرو بن ميمون؛ مضافاً إلى أنّ في الرواية ألفاظاً مفتراة على نبيّ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كقوله: لَا يَنْبَغِي أنْ أذْهَبَ إلَّا وأنْتَ خَلِيفَتِي.
[1] «مسند أحمد بن حنبل» ج 1، ص 330 و 331؛ و كذلك في «غاية المرام» ص 112، الحديث 41 عن العامّة، عن «مسند أحمد بن حنبل» إلى الفقرة التاسعة: من كنت مولاه ...
[2] «منهاج الكرامة في إثبات الإمامة» ص 34 و 35، الطبعة الحجريّة.
[3] تتمّتها: و عن النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم مرفوعاً أنّه بعث أبا بكر بالبراءة إلى أهل مكّة فسار بها ثلاثاً ثمّ قال لعليّ عليه السلام: إلْحَقْهُ فردّه و بلّغها أنت ففعل. و لمّا قدم أبو بكر على النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم بكى و قال: يا رسول الله! أحدث في شيءٌ؟ قال: لا، و لكن أمرني ربّي ألّا يبلّغه إلّا أنا أو رجل منّي.
[4] «منهاج السنّة» ج 3، ص 8، الفصل التاسع.