إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ذهب غير مرّة وخليفته على المدينة غير عليّ. كما اعتمر عمرة الحديبيّة، وعليّ معه، وخليفته غيره. وغزا بعد ذلك غزوة خيبر، ومعه عليّ، وخليفته بالمدينة غيره. وغزا غزوة الفتح، وعليّ معه، وخليفته بالمدينة غيره. وغزا حنيناً والطائف، وعليّ معه، وخليفته بالمدينة غيره. وحجّ حجّة الوداع، وعليّ معه، وخليفته بالمدينة غيره. وغزا غزوة بدر، ومعه عليّ، وخليفته بالمدينة غيره. وكلّ هذا معلوم بالأسانيد الصحيحة، وباتّفاق أهل العلم بالحديث.
وكان عليّ معه في غالب الغزوات، وإن لم يكن فيها قتال… إلى أن قال: وفي غزوة تبوك، ما كان استخلاف عليّ إلّا على النساء والصبيان؛ والمرضى والفقراء الذين عذرهم الله. وعلى الثلاثة الذين خُلّفوا؛ أو مُتَّهَمٍ بالنفاق. وكانت المدينة آمنة لا يخاف على أهلها، ولا يحتاج المستخلَف من قبل رسول الله إلى جهاد.
وقال العلّامة الأمينيّ في جوابه: كان الأحرى بالرجل (ابن تيميّة) أن يحرّم ويحرّج على العلماء النظر في كتابه؛ فيختصّ خطابه بالرعرة الدهماء ممّن لا يعقل أي طرفيه أطول (قدّهم أو عرض بدنهم)، لأنّ نظر العلماء فيه يكشف عن سوءته؛ ويوضّح للملأ إعوازه في العلم، وانحيازه عن الصدق والأمانة. ويظهر تدجيله وتزويره وتمويهه ما هو حقائق. ومن المحتمل جدّاً أنّه قد غالى في عظمة نفسه يوم خوطب بشيخ الإسلام. فحسب أنّ الامّة تأخذ ما يقوله كاصول مسلّمة لا تناقشه فيه الحساب. وإذ أخفق ظنّه وأكدى أمله، فهلمّ معي نمعن النظرة في هملجته حول هذا الحديث، وما له فيه من جلبة وصخب.
فأوّل ما يتقوّل فيه: إنّه مرسل، وليس بمسند.
فكأنّ عينيه في غشاوة عن مراجعة السند لإمام مذهبه أحمد بن حنبل، فإنّه أخرجه في ج 1، ص 331 عن يحيى بن حمّاد، عن أبي عوانة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عبّاس.
ورجال هذا الحديث رجال الصحيح غير أبي بلج، وهو ثقة عند الحفّاظ، كما مرّت في ترجمته، ج 1، ص 71.
وأخرجه أيضاً بسند صحيح رجاله كلّهم ثقات، الحافظ النسائيّ في «الخصائص» ص 7، والحاكم في «المستدرك» ج 3، ص 132. وصحّحه الحاكم والذهبيّ. والطبرانيّ كما في «مجمع الزوائد» للحافظ الهيثميّ وصحّحه. وكذلك أبو يعلى كما في «البداية والنهاية»، وابن عساكر في «الأربعين الطوال»؛ وذكره ابن حجر في «الإصابة» ج 2، ص 509، وجمع آخرون أسلفناهم في الجزء الأوّل، ص 51.
ولذلك، ما عذر الرجل في نسبة الإرسال إلى مثل هذا الحديث؟ وإنكار سنده المتّصل الصحيح الثابت؟ أ هكذا يُفعل بودايع النبوّة؟! أ هكذا تلعب يد الأمانة بالسنّة والعلم والدين؟
والأعجب، أنّه عطف بعد ذلك على فقرات من الحديث، وهو يحاول تفنيدها، ويحسبها من الأكاذيب.
منها قول رسول الله: لَا يَنْبَغِي أنْ أذْهَبَ إلَّا وأنْتَ خَلِيفَتِي. فارتاه كذباً مستدلًّا بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ذهب غير مرّة وخليفته على المدينة غير عليّ.
ومن حلّل حقيقة الأمر من هذا الموقف، واستطلعها، علم: أنّ هذا الموقف الخاصّ، أي: الخروج إلى غزوة تبوك قضيّة شخصيّة لا تعدو قصّة تبوك. لما كان صلّى الله عليه وآله وسلّم يعلمه من عدم وقوع الحرب فيها. وكانت حاجة المدينة إلى خلافة مثل أمير المؤمنين عليها مسيسة لِما تداخل القوم من عظمة ملك الروم (هرقل)، وتقدّم جحفله الجرّار؛ وكانوا يحسبون أنّ رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم وحشده الملتفّ به لا قِبَلَ لهم به؛ ومن هنا تخلّف المتخلّفون من المنافقين؛ فكان أقرب الحالات في المدينة بعد غيبة رسول الله أن يرجِّف بها المنافقون للفتّ في عضد صاحب الرسالة، والتزلّف إلى عامل بلاد الروم الزاحف الذي عبَّأ الجيش، وهو في حالة التقدّم شيئاً فشيئاً.
وعندئذٍ ومع وجود مثل هذه المتطلّبات والأحوال في المدينة، كان من الواجب أن يخلّف عليها أمير المؤمنين عليه السلام المُهاب في أعين القوم، والعظيم في النفوس الجامحة؛ وقد عرفوه بالبأس الشديد، والبطش الصارم، اتّقاء بادرة ذلك الشرّ المترقّب. وإلّا فأمير المؤمنين عليه السلام لم يتخلّف عن مشهد حضره رسول الله إلّا غزوة تبوك[1]؛ وعلى هذا اتّفق علماء السير كما قال سبط بن الجوزيّ في «التذكرة» ص 12.
وفي وسع الباحث أن يستنتج ما بيّناه من قول رسول الله لأمير المؤمنين: كَذَبُوا ولَكِنْ خَلَّفْتُكَ لِمَا وَرَائي[2]. وكذلك ما ورد في الحديث الصحيح أنّ رسول الله حين أراد أن يذهب إلى تبوك، قال لأمير المؤمنين: ولَا بُدَّ مِنْ أنْ اقِيمَ أوْ تُقِيمَ فَخَلَّفَهُ[3].
وإذا عرفتَ ذلك كلّه، فلا يذهب عليك أنّ قول رسول الله: لَا يَنْبَغِي أنْ أذْهَبَ إلَّا وأنْتَ خَلِيفَتِي[4] ليس له مغزى إلّا خصوص هذه الواقعة؛ وليس في لفظه عموم يستوعب كلّ ما غاب عن المدينة.
إذاً، في ضوء ما نقضه هذا الرجل (ابن تيميّة)، فإنّ قوله باستخلاف غير عليّ على المدينة في غير هذه الواقعة كلام باطل. حيث لم يكن فيه من إرجاف المنافقين وإثارتهم الفتنة؛ وكانت حاجة الحرب أمسَّ إلى وجود أمير المؤمنين عليه السلام حيث لم يكن غيره كمثله يكسر صولة الأبطال، ويغير في وجوه الكتائب.
فكان رسول الله في أخذ أمير المؤمنين معه إلى الحروب أو استخلافه في غيابه يتبع أقوى المصلحتين.
مضافاً إلى ذلك، أنّ هذا الرجل (ابن تيميّة) حاول تصغيراً لصورة هذه الخلافة، فقال: كان الاستخلاف في تبوك على النساء والصبيان وذوي الأعذار وغيرهم. ولكن نظّارة التنقيب لا تزال مكبّرة لها من شتّى النواحي.
[1] «الاستيعاب» ج 3، ص 34، في حاشية «الإصابة شرح التقريب» ج 1، ص 85؛ «الرياض النضرة» ج 2، ص 163؛ «الصواعق المحرقة» ص 72؛ «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 148؛ «الإسعاف» ص 149؛ «الإصابة» ج 2، ص 507.
[2] «الرياض النضرة» ج 2، ص 162، «الإمتاع» للمقريزيّ ص 449؛ «عيون الأثر» ج 2، ص 217؛ «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 148؛ «شرح المواهب» للزرقانيّ ج 3، ص 69؛ «سيرة زيني دحلان» ج 2، ص 338.
[3] ذكر الهيثميّ في «مجمع الزوائد» ج 9، ص 111: أنّ الطبرانيّ أخرج هذه الجملة بسند صحيح.
[4] وردت هذه العبارة نفسها في «مجمع الزوائد» ج 9، ص 120.