قال ابن أبي الحديد: ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَقَالَ لِعَلِيّ: قُمْ فَبَايِعْ، فَتَلَكَّأ واحْتَبَسَ، فَأخَذَ بِيَدِهِ فَقَالَ: قُمْ! فَأبَى أنْ يَقُومَ فَحَمَلَهُ ودَفَعَهُ كَمَا دَفَعَ الزُّبَيْرَ حتّى أمْسَكَهُمَا خَالِدُ وسَاقَهُمَا عُمَرُ ومَنْ مَعَهُ سَوْقَاً عَنِيفَاً، واجْتَمَعَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ، وامْتَلأتْ شَوَارِعُ المَدِينَةِ بِالرِّجَالِ، ورَأتْ فَاطِمَةُ مَا صَنَعَ عُمَرُ فَصَرَخَتْ ووَلْوَلَتْ واجْتَمَعَ مَعَهَا كَثِيرٌ مِنَ الهَاشِمِيَّاتِ وغَيْرِهِنَّ فَخَرَجَتْ إلى بَابِ حُجْرَتِهَا ونَادَتْ: يَا أبَا بَكْرٍ! مَا أسْرَعَ مَا أغَرْتُمْ على أهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ! واللهِ لَا اكَلِّمُ عُمَرَ حتّى ألْقَى اللهَ[1].
وكان ذلك بعد أن اعتصم عليّ عليه السلام ومن معه في بيت فاطمة الزهراء مخالفين للحكومة القائمة. فهجم القوم على بيت الزهراء وأخذوهم إلى المسجد. وكسروا سيف الزبير، ورجموه بالحجارة، وأخذوه، وسلّموه إلى خالد بن وليد وجماعة كانوا قد أتوا معهم. ثمّ جاءوا إلى عليّ.
قال ابن قتيبة الدينوريّ: أخرجوا عليّاً، فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع! فقال (عليّ): إن أنا لم أفعل فمه؟!
قَالُوا: إذَاً واللهِ الذي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ نَضْرِبُ عُنُقَكَ!
قَالَ عَلِيّ: إذَاً تَقْتُلُونَ عَبْدَ اللهِ وأخَا رَسُولِهِ! قال عمر: أمّا عبد الله، فنعم. وأمّا أخو رسوله فلا! وأبو بكر ساكت لا يتكلّم، فقال له عمر: أ لا تأمر فيه بأمرك؟!
فقال (أبو بكر): لا اكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه.
فَلَحِقَ عَلِيّ بِقَبْرِ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَصِيحُ وَيَبْكِي ويُنَادِي: يَا بْنَ امَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكَادُوا يَقْتُلُونَنِي[2]!
وقال المجلسيّ بعد سرد البحث المفصّل الذي ذكره الصدوق، والشريف المرتضى حول هذا الحديث المبارك (حديث المنزلة) واستدلالهما عليه: أقول: لا يخفى على منصف بعد الاطّلاع على الأخبار التي أوردناها، وما اشتملت عليه من القرائن الدالّة على أنّ المراد من هذا الاستخلاف ما ذكرناه، على ما مرّ في كلام (هذين) الفاضلين العظيمين أنّ مدلول الخبر صريح في النصّ على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وخلافته العامّة، لا سيّما وقد انضمّت إليها قرائن اخَر، منها الحديث المشهور الدالّ على أنّه يقع في هذه الامّة كلّ ما وقع في بني إسرائيل حَذْو النَّعْلِ بِالنَّعْلِ. ولم يقع في هذه الامّة ما يشبه قصّة هارون وعبادة العجل إلّا بعد وفاة النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، من غصب الخلافة، وترك نصرة الوصيّ. وقد ورد في روايات الفريقين أنّ أمير المؤمنين عليه السلام استقبل قبر رسول الله عند ذلك وقال ما قاله هارون: يَبْنَؤُمَّ إنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكَادُوا يَقْتُلُونَنِي[3].
ومن القرائن ما ذكره بعض المخالفين (من السنّة). أنّ وصاية موسى وخلافته انتهت إلى أولاد هارون. فمن منازل هارون من موسى كَون توليَته خلافة موسى فيلزم بمتقضى المنزلة أن يكون الحسنان عليهما السلام المسمّيان باسمي ابني هارون باتّفاق الخاصّ والعامّ، خليفتي النبيّ. فليزم خلافة أبيهما أمير المؤمنين لعدم القول بالفصل، ولأنّ جميع المسلمين بلا استثناء قالوا بإمامته وخلافته عند فرض إمامة هذين الإمامين، فلا مجال للشّك في خلافة الإمام.
وممّن ذكر ذلك (من العامّة): مُحَمَّدُ الشَّهْرِسْتَانِيّ حيث قال في أثناء بيان أحوال اليهود: إنّ أمر الولاية كان مشتركاً بين موسى وأخيه هارون، إذ قال (موسى): وأشْرِكْهُ في أمْرِي. ولذلك كان هارون هو الوصيّ (لموسى). فلمّا مات هارون في حياته، انتقلت الوصاية إلى يُوْشَع بْنِ نُون وديعة ليوصلها إلى شُبَّيْر وشُبَّر: ابنَي هارون قراراً.
وذلك أنّ الوصيّة والإمامة (كبعض الشؤون الاخرى) بعضها مُسْتَقَرّ، وبعضها مُسْتَوْدَع (قابل للتغيير وغير قابل له.) انتهى كلام الشهرستانيّ.
ومن القرائن ما مرّ وسيأتي من الأخبار المتواترة الدالّة بأجمعها على أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان بصدد تعيين عليّ للخلافة وإظهار فضائله لذلك في كلّ موطن ومقام، إلى غير ذلك ممّا سيأتي في الأبواب الآتية.
وأقول بعد بيان هذه المطالب: إنّا لو سلّمنا للخصم جميع ما يناقشنا فيه، مع أنّا قد أقمنا الدلائل على خلافها، (فلا يستطيع) أن يناقشنا في أنّ حديث المنزلة يدلّ على أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان أخصّ الناس برسول الله وأحبّهم إليه.
ولا يكون أحبّهم إليه إلّا لكونه أفضلهم، كما مرّ بيانه في الأبواب السابقة. فبناءً على هذا يكون تقديم غيره عليه ممّا لا يقبله العقل، ويعدّه قبيحاً.
وأي عقل يجوّز كون صاحب المنزلة الهارونيّة، مع ما انضمّ إليها من سائر المناقب العظيمة والفضائل الجليلة رعيّة وتابعاً لمن ليس له إلّا القبائح الشنيعة والمثالب الفظيعة؟ والحمد للّه الذي أوضح الحقّ لطالبيه، ولم يدع لأحد شبهة فيه[4].
[1] «شرح نهج البلاغة» ج 1، ص 134، وكذلك ج 2، ص 19. وقال الشريف المرتضى في «تلخيص الشافي» ج 3، ص 76 حول بيعة أمير المؤمنين عليه السلام أنّه لم يبايع طائعاً راغباً، بل مكرهاً مضطرّاً: روى البلاذريّ، عن المدائنيّ، عن مَسْلَمة بن محارب، عن سليمان التميميّ، عن أبي عون، قال: إنّ أبا بكر أرسل إلى عليّ عليه السلام يريده على البيعة، فلم يبايع- وكان مع عمر قبس- فتلقّته فاطمة عليها السلام على الباب، فقالت: يا ابن الخطّاب! أتراك محرّقاً عَلَيّ بابي؟! قال: نعم. وذلك أقوى فيما جاء به أبوك. وجاء عَلِيّ عليه السلام فبايع. وهذا الخبر قد روته الشيعة من طرق كثيرة. وإنّما الطريق أن يرويه شيوخ محدّثي العامّة. لكنّهم كانوا يروون ما سمعوا بالسلامة؛ وربما تنبّهوا على ما في بعض ما يروونه عليهم، فكفوا منه. وأي اختيار لمن يحرق عليه بابه حتّى يبايع؟ وروى إبراهيم بن سعيد الثقفيّ: قال: حدّثني أحمد بن عمرو البجليّ، قال: حدّثنا أحمد بن حبيب العامريّ، عن حمران بن أعين، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد قال: والله ما بايع عليّ حتّى رأى الدخان قد دخل بيته.
[2] «الإمامة والسياسة» ج 1، ص 14، طبعة مصر سنة 1328 ه وقال ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» ج 11، ص 111: روى كثير من المحدّثين أنّه عقيب يوم السقيفة تألّم وتظلّم واستنجد واستصرخ حيث ساموه الحضور والبيعة، وأنّه قال وهو يشير إلى القبر: يا بن امّ! إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني.
و قال الشريف المرتضى علم الهدى في «تلخيص الشافي» ج 3، ص 79 و80 من طبعة النجف، في سياق بحثه حول بيعة أمير المؤمنين عليه السلام أبا بكر أنّها لم تكن اختياريّة: وروى إبراهيم عن عثمان بن أبي شيبة، عن خالد بن مخلد البجليّ قال: داود بن يزيد الأوديّ، عن أبيه، عن عديّ بن حاتم، قال: إنّي جالس عند أبي بكر، إذ جيء بعليّ عليه السلام، فقال له أبو بكر: بايع! فقال له عليّ: فإن أنا لم ابايع؟ قال أبو بكر: أضرب الذي فيه عيناك! فرفع عليّ رأسه إلى السماء، فقال: اللهمّ اشهد، ثمّ مدّ يده، فبايعه.
و قد روى هذا المضمون من طرق مختلفة، وبألفاظ متقاربة المعنى، وإن اختلف لفظها، أنّ عليّاً عليه السلام كان يقول في ذلك اليوم لمّا اكره على البيعة، وحذّر من التقاعد عنها: يا بن امّ! إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين. ويردّد ذلك ويكرّره.
[3] ذكر البحرانيّ في «غاية المرام» ص 132 إلى 134، الحديث 31 عن الخاصّة، عن الشيخ الطوسيّ في أماليه الخطبة المفصّلة ذات المحتوى العميق والمضامين العالية، التي خطبها الإمام الحسن المجتبى عليه السلام أمام معاوية، وبيّن فيها جميع فضائل ومناقب أمير المؤمنين عليه السلام وأهل البيت إلى أن بلغ قوله الكائن في أواخر الخطبة تقريباً وفي ص 134: وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ما ولّت امّة أمرها رجلًا قطّ وفيهم من هو أعلم منه إلّا لم يزل أمرهم يذهب سفالًا حتّى يرجعوا إلى ما تركوا. وقد تركت بنو إسرائيل أصحاب موسى هارون أخاه وخليفته ووزيره، وعكفوا على العجل وأطاعوا فيه سامريّهم وهم يعلمون أنّه خليفة موسى، وقد سمعت هذه الامّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول لأبي عليه السلام: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي.
إلى أن بلغ قوله: وقد كفّ أبي يده وناشدهم واستغاث أصحابه فلم يُغَثْ ولم ينصر. ولو وجد عليهم أعواناً ما أجابهم. وقد جعل في سعة كما جعل النبيّ في سعة. وقد خذلتني الامّة وبايعتك يا ابن حرب. ولو وجدت عليك أعواناً يخلّصوك ما بايعتك! وقد جعل الله عزّ وجلّ هارون في سعة حين استضعفه قومه وعادوه. وكذلك أنا وأبي في سعة من الله حين تركتنا الامّة وبايعت غيرنا. ولم نجد عليهم أعواناً. وإنّما هي السنن والأمثال يتبع بعضها بعضاً- الخطبة.
و رواها بسند آخر أيضاً في «غاية المرام» ص 132، الحديث 30 بما يماثل هذه العبارات عن الإمام المجتبى عليه السلام.
[4] «بحار الأنوار» ج 9، ص 246، طبعة الكمبانيّ.