للّه درّ شاعر أهل البيت: الازْريّ، إذ أنشد ضمن قصيدة طويلة، فقال:
مَلِكٌ شَدَّ أزْرَهُ بِأخِيهِ *** فَاسْتَقَامَتْ مِنَ الامُورِ قَنَاهَا[1]
إلى أن بلغ قوله:
وَتَفَكَّرْ بِأنْتَ مِنِّي تَجِدْها *** حِكْمَةً تُورِثُ الرُّقُودَ انْتِبَاهَا
أومَا كَانَ موسى أخُوهُ *** خَيْرَ أصْحَابِهِ وأكْرَمَ جَاها
لَيْسَ تَخْلُو إلَّا النُّبُوَّةُ مِنْهُ *** ولِهَذَا خَيْرُ الوَرَى اسْتَثْنَاهَا[2]
يشير الشاعر في البيت الأوّل إلى الحديث النبويّ المشهور: أنتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنّه لَا نَبِيّ بَعْدِي.
ثمّ بلغ قوله:
كُلُّ نَفْسٍ كَانَتْ تَرَانِي مَوْلىً *** فَلْتَرَ اليَوْمَ حَيْدَرَاً مَوْلَاهَا
رَبِّ هَذِي أمَانَةٌ لَكَ عِنْدِي *** *** وإلَيْكَ الأمِينُ قَدْ أدَّاهَا
وَالِ مَنْ لَا يَرَى الوَلَايَةَ إلَّا *** لِعَلِيّ وعَادِ مَنْ عَادَاهَا
فَأجَابُوا: بَخٍّ بَخٍّ وقُلُوبُ القَوْمِ *** *** تَغْلِي على مَغَالِي قَلَاهَا
لَمْ تَسَعْهُمْ إلَّا الإجَابَةُ بِالْقَولِ *** وإنْ كَانَ قَصْدُهُمْ مَا عَدَاهَا[3]
إلى أن بلغ قوله:
إن تناسَيْتُمَا السَّقِيفَةَ والقَوْمَ *** فَإنِّي واللهِ لَا أنْسَاهَا[4]
ثمّ قال:
يَا تَرَى هَلْ دَرَتْ لِمَنْ أخَّرَتْهُ *** عَنْ مَقَامِ العُلَى ومَا أدْرَاهَا؟
أخَّرَتْ أشْبَهَ الوَرَى بِأخِيهِ *** هَلْ رَأتْ في أخِ النَّبِيّ اشْتِبَاهَا[5]
ثمّ قال:
أنَبِيّ بِلَا وَصِيّ تعالى اللهُ *** عَمَّا يَقُولُهُ سُفَهَاهَا
زَعَمُوا أنَّ هَذِهِ الأرْضَ مَرْعىً *** تُرِكَ النَّاسُ فِيهِ تَرْكَ سُدَاهَا[6]
ثمّ قال:
نَقَضُوا عَهْدَ أحْمَدٍ في أخِيهِ *** وأذَاقُوا البَتُولَ مَا أشْجَاهَا
وَهِيَ العُرْوَةُ التي لَيْسَ يَنْجُو *** غَيْرُ مُسْتَعْصِمٍ بِحَبْلِ وَلَاهَا[7]
ثمّ عرض على لسان سيّدة العالمين موضوعات مطعّمة بالدليل والبرهان في خطاب اولئك القوم، وهي مشوبة بالمؤاخذة والعتاب، فقال:
وَحَذَوْتُمْ حَذْوَ اليَهُودِ غَدَاةَ *** اتَّخَذُوا العِجْلَ بَعْدَ موسى إلَهَا[8]
وواصل إنشاده قائلًا:
أيّ شَيءٍ عَبَدْتُمُ إذْ عَبَدْتُمْ *** أنْ يُوَلَّى تَيْمٌ عَلَى آل طَه
هَذِهِ البُرْدَةُ التي غَضِبَ اللهُ *** على كُلِّ مَنْ سِوَانَا ارْتَدَاهَا
عَلِمَ اللهُ أنَّنَا أهْلُ بَيْتٍ *** *** لَيْسَ تَأوِي دَنِيَّةٌ مَأوَاهَا
وَلأيّ الامُورِ تُدْفَنْ سِرّاً *** بَضْعَةُ المُصْطَفى ويُعْفَى ثَرَاهَا
فَمَضَتْ وهىَ أعْظَمُ النَّاسِ وَجْدَاً *** في فَمِ الدَّهْرِ غُصَّةٌ مِنْ جَوَاهَا
وَثَوَتْ لَا يَرَى لَهَا النَّاسُ مَثْوىً *** أي قُدْسٍ يَضُمُّهُ مَثْوَاهَا[9]
وكم هو مناسب أن ننقل فيما يأتي أبياتاً لشاعر أهل البيت ومادحهم المرحوم الشيخ صالح الحلّيّ أعلى الله مقامه الشريف، وكان قريباً من عصر الشاعر السابق:
الوَاثِبِيِنَ لِظُلْمِ آلِ مُحَمَّدٍ *** ومُحَمَّدٌ مُلْقًى بِلَا تَكْفِينِ
والقَائِلِينَ لِفَاطِمٍ آذَيْتِنَا *** في طُولِ نَوْحٍ دَائِمِ وحَنِينِ
وَالقَاطِعِينَ أرَاكَةً كَيْمَا تَقِي *** بِظِلِّ أوْرَاقٍ لَهَا وغُصُونِ
وَمُجَمِّعِي حَطَبٍ على البَيْتِ الذي *** لَمْ يَجْتَمِعْ لَولَاهُ شَمْلُ الدِّينِ
وَالهَاجِمِينَ عَلَى البَتُولِ بِبَيْتِهَا *** والمُسْقِطِينَ لَهَا أعَزَّ جَنِينِ
وَالقَائِدِينَ إمَامَهُم بِنِجَادِهِ *** والطُّهْرُ تَدْعُو خَلْفَهُ بِرَنِينِ
خَلُّوا ابْنَ عَمِّي أوْ لأكْشِفُ في الدُّعَا *** رَأسِي وأشْكُو لِلإلَهِ شُجُونِي
مَا كَانَ نَاقَةُ صَالِحٍ وفَصِيلُهَا *** بِالفَضْلِ عِنْدَ اللهِ إلَّا دُونِي
وَدَنَتْ إلى القَبْرِ الشَرِيفِ بِمُقْلَةٍ *** عَبْرَى وقَلْبٍ مُكْمَدٍ مَحْزُونِ
قَالَتْ وأظْفَارُ المُصَابِ بِقَلْبِهَا *** غَوْثَاهُ قَلَّ عَلَى العُدَاةِ مُعِينِي
أبَتَاهُ هَذا السَّامِرِيّ وعِجْلُهُ *** تُبِعَا ومَالَ النَّاسُ عَنْ هَارُونِ
أي الرَّزَايَا أتَّقِي بِتَجَلُّدِي *** هُوَ في النَّوَائِبِ مُذْ حَيِيتُ قَرِينِي
فَقْدِي أبي، أمْ غَصْبَ بَعْلِي حَقَّهُ *** أمْ كَسْرَ ضِلْعِي أمْ سُقُوطَ جَنِينِي[10]
أمْ أخْذَهُمْ إرْثِي وفَاضِلَ نِحْلَتِي *** مْجَهْلَهُمْ حَقِّي وقَدْ عَرَفُونِي
قَهَرُوا يَتِيمَيْكَ الحُسَيْنَ وصِنْوَهُ *** وسَألَتُهُمْ حَقِّي وقَدْ نَهَرُونِي
ووروده في ذلك[11].
[1] «ديوان الازْرِيّ» ص 137، طبعة مطبعة النعمان، النجف، سنة 1386 ه.
[2] «ديوان الازريّ» ص 148.
[3] «ديوان الازريّ» ص 150.
[4] «ديوان الازريّ» ص 153.
[5] «ديوان الازريّ» ص 154.
[6] «نفس المصدر.
[7] «ديوان الازريّ» ص 158.
[8] «ديوان الازريّ» ص 159.
[9] «ديوان الازريّ» ص 160.
[10] قال الشريف المرتضى علم الهدى في «تلخيص الشافي» ج 3، ص 156: وممّا انْكِر عليه (على أبي بكر) ضربهم لفاطمة عليها السلام، وقد روي أنّهم ضربوها بالسياط. والمشهور الذي لا خلاف فيه بين الشيعة: أنّ عمر ضرب على بطنها حتّى أسقطت، فسمّي السقط مُحْسِناً؛ والرواية بذلك مشهورة عندهم، وما أرادوا من إحراق البيت عليها، حين التجأ إليها قوم، وامتنعوا من بيعته. ثمّ قال: وليس لأحد أن ينكر الروايات الواردة بذلك لأنّا قد بيّنا الرواية الواردة من جهة العامّة من طريق البلاذريّ وغيره. ورواية الشيعة مستفيضة به لا يختلفون في ذلك.
[11] أنشد الصاحب بن عبّاد قصيدة غرّاء في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام وفضائله. وقد اتّخذت كلّها طابع الحوار وأوّلها:
قَالَتْ: فَمَنْ صَاحِبُ الدِّينِ الحَنيفِ أجِبْ؟
فَقُلْتُ: أحمد خير السَّادة الرُّسل
قالت: فمن بعده تُصفي الولاء له؟
قلتُ: الوصيّ الذي أربى على زحلِ
ثمّ قال:
قالت: فيوم حُنين من فرا وبَرا؟
فقلتُ: حاصد أهل الشرك في عَجَلِ
قالت: فمن شبه هارون لنعرِفه؟
فقلتُ: من لم يَحُل يوماً ولم يزُلِ
ثمّ قال:
قالَت: أكلُّ الذي قد قلتَ في رجلٍ؟
فقلتُ: كلّ الذي قد قلتُ في رجلِ
قالت: فمن هو هذا الفرد؟ سمه لنا
فقلتُ: ذاك أمير المؤمنين علي
( «الغدير» ج 4، ص 40 و41).