قال صاحب تفسير «بيان السعادة»: وأبواب الامور وجهة الأشياء كلّها هي الولاية ونسب إلى الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: يَعْنِي أنْ يَأتِيَ الأمْرَ مِنْ وَجْهِهِ، أي الامُورِ كَانَ. ولذلك فإنّ مفاد هذه الآية المباركة هو: قوموا بالامور الدنيويّة والاخرويّة جميعاً من وجوهها، مثل أن يأتي (أنواع) الحِرَف والصناعات من وجوهها التي هي أخذ علمها من عالمها؛ وتحصيل الاقتدار على عملها بالممارسة والتكرار عند عاملها.
ومثل أن يأتي الصناعات العلميّة من وجوهها التي هي الأخذ من عالمها والمدارسة عنده.
ومثل أن يأتي العلوم والأعمال الإلهيّة من وجوهها التي هي الأخذ من عالم إلهيّ، والمدارسة والممارسة عنده وبإذنه وتعليمه. فالعمدة في طلب الامور طلب الوجوه المذكورة. والعمدة في طلب الآخرة والعلوم الإلهيّة طلب عالِم إلهيّ منصوب مجاز من الله بلا واسطة أو بواسطة أو بوسائط؛ وبعد معرفته، التسليم والانقياد له (لتعليمه وتربيته)، لا الأخذ من الآباء والأقران والمشاهدات والعمل بالرسوم والعادات. فقد ورد في الأخبار والآيات ذمّ من قال: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ.[1]
(ولذلك) فمن لم يتأمّل في علمه وعمله فيمن أخذهما منه، ولم يميّز العالِم الإلهيّ بأدنى مراتب التمييز، وهو كون فعله موافقاً لقوله، كان مذموماً مطروداً مبغوضاً، سواء عدّ عالماً مفتياً مقتديا (به)، أم جاهلًا معدوداً من السواقط.[2]
وجاء في تفسير الملّا عبد الرزّاق الكاشانيّ: ليس البرّ بأن تأتوا بيوت قلوبكم من ظهورها؛ أي من طرق حواسّكم، ومعلوماتكم المأخوذة من مشاعركم البدنيّة؛ فإنّ ظهر القلب هو الجهة التي تلي البدن. ولكنّ البرّ برّ مَن اتّقى شواغل الحواسّ وهواجس الخيال (والوهم)، ووساوس النفس! وأتوا البيوت من أبوابها الباطنيّة التي تلي الروح، والحقُّ! فإنّ باب القلب هو الطريق الذي انفتح منه إلى الحقّ؛ و«اتّقوا الله» في الاشتغال بما يشغلكم عنه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ![3]
ومنها ما ذكره عن العيّاشيّ، عن سعد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن هذه الآية: «لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها ولكِنَ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها»؛ فَقَالَ: آلُ مُحَمَّدٍ أبْوَابُ اللهِ وسَبِيلُهُ، والدُّعَاةُ إلَى الجَنّةِ والقَادَةُ إليْهَا والأدِلَّاءُ عَلَيْهَا إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.
وهذا هو الوجه الثالث الذي ذكرناه سابقاً نقلًا عن تفسير «مجمع البيان». وقال العيّاشيّ بعد بيان الرواية التي أوردها صاحب «المجمع» في الوجه الثاني: وأخرج سعيد بن منخل في حديث مرفوعاً قَالَ: البُيُوتُ الأئِمَّةُ والأبْوَابُ أبْوَابُهَا.
وبعد أن نقل الروايتين اللتين نقلناهما عن «مجمع البيان» في الوجه الأوّل والثاني، وذكرهما أيضاً عن الشيخ أبي عليّ الطبرسيّ، نقلًا عن تفسير عليّ بن إبراهيم أنّه قال: نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين عليه السلام لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: أنَا مَدِيَنةُ العِلْمِ وعَلِيّ بَابُهَا ولَا تَأتُوا المَدِينَةَ إلَّا مِنْ بَابِهَا.
ومنها ما رواه عن سعد بن عبد الله بإسناده عن الإمام الباقر عليه السلام، قَالَ: مَنْ أتَى آلَ مُحَمَّدٍ أتَى عَيْناً صَافِيَةً تَجْرِي بِعِلْمِ اللهِ لَيْسَ لَهَا نَفَادٌ ولَا انْقِطَاعٌ ذَلِكَ بِأنّ اللهَ لَوْ شَاءَ لَرَآهُمْ[4] شَخْصَهُ حتى يَأتُونَهُ مِنْ بَابِهِ ولَكِنْ جَعَلَ آلَ مُحَمَّدٍ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ أبْوَابَهُ التي يُؤْتَى مِنْهَا وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: «لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها ولكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها.»[5]
ما يستفاد من مجموع هذه الروايات، على ما يلاحظ من اختلاف في تفسيرها وبيانها، هو أنّها تقدّم لنا معنى واحداً فحسب، ولا خلاف فيه.
وما هذه الموارد المذكورة إلّا مصاديق لذلك المعنى الواحد، لا نفس مفاد الآية. وهذا المعنى العامّ المستفاد هو لزوم الدخول في كلّ شيء عبر الطريق المعيّن الذي حدّدته الفطرة والعقل والشرع، إذ بغير ذلك لا يصل الإنسان إلى بغيته، ولا يخلّف وراءه إلّا الأضرار. ويجب الدخول من باب البيت عند الإحرام. ومن الخطأ نقب الجدار الكائن خلف البيت بحجّة أنّنا نريد أن لا يحول بيننا وبين السماء شيء. وينبغي تعلّم جميع العلوم من أهلها، فمثلًا العلوم الطبيعيّة، كالطبّ والرياضيّات والهيئة والنجوم والفيزياء والكيمياء والتعدين والزراعة وتربية المواشي والبناء والصيدلة وعلم النبات والمكننة والتقنية والكهرباء وغيرها. فينبغي التوجّه إلى أساتذتها بعد توفّر الشروط اللازمة، وممارستها تحت إشرافهم وصولًا للنتائج المطلوبة.
هيچ كس از پيش خود چيزى نشد *** هيچ آهن خنجر تيزى نشد
هيچ حلوائى نشد استاد كار *** تا كه شاگرد شكر ريزى نشد[6]
وكذلك الأمر في العلوم الاصطلاحيّة كالفقه، والاصول، والحديث، والدراية، والرجال، والصرف، والنحو، أي علوم العربيّة البالغة اثني عشر علماً،[7] والتفسير، والقراءة، والحكمة والفلسفة، والعرفان النظريّ
وغيرها. فينبغي تعلّمها عند أساتذتها، لأنّهم أبواب تلك البيوت التي يتعسّر الوصول إليها بغيرهم.
وكذا الحال في علوم الأخلاق، والتهذيب والتزكية، والتعليم والتربية النفسانيّة، والحكمة العمليّة، والعرفان الإلهيّ، فيجب التوجّه إلى أساتذة هذه الفنون من العلماء الربّانيّين، العلماء بالله وأمره. لتعلّم طريقة تهذيب النفس منهم، وتطبيق ذلك عمليّاً. وبدون سلوك هذا الطريق فليس سوى الضلال والتيه.
طيّ اين مرحله بى همرهى خضر مكن *** ظلماتست بترس از خطر گمراهى
گل مراد تو آنگه نقاب بگشايد *** كه خدمتش چو نسيم سحر توانى كرد
شبان وادى ايمن گهى رسد به مراد *** كه چند سال به جان خدمت شعيب كند[8]
وينبغي الرجوع في العقائد، والملكات الحسنة، والأحكام والوظائف إلى النبيّ صلى الله عليه وآله لكي نتعلّم منه التوحيد الكامل، ومعرفة المبدأ والمعاد، والمنازل والمراحل، ووسائط الفيض والملائكة، أي العلوم الغيبيّة الإلهيّة. فالنبيّ صلى الله عليه وآله هو باب الله، وطريق لقاء الله، والوصول إلى ذروة عرفان الذات الأحديّة.
وفي حقل بيان الأحكام الجزئيّة، ومعنى القرآن الكريم وتأويله، وفي فصل الخصومة في المسائل الاعتقاديّة الخلافيّة، وحفظ النفوس، والولاية على الشؤون الفرديّة والاجتماعيّة، وتأمين الامور الدنيويّة والاخرويّة، والمعاش والمعاد، وتنمية القوى الفطريّة والعقليّة والشرعيّة وتكاملها، والانضواء تحت لواء وليّ الأمر الذي بلغ مقام اللقاء والفناء في الذات الأحديّة والبقاء بعد الفناء، وسير الأسفار الأربعة، فيجب الرجوع إلى أوصياء رسول الله الذين يمثّلون الحماة التكوينيّين والتشريعيّين لعالم الوجود، ووسائط الفيض الربّانيّ، والمربّين الظاهريّين والباطنيّين للبشريّة في جميع امور الدين والدنيا. لأنّهم أبواب الله ورسوله. فطوبى لنا إذا ما دخلنا البيوت من أبوابها، وإلّا، فعاقبتنا الخسران والحسرة والندامة.
[1] الآية 22، من السورة 43: الزخرف؛ وجاء في الآية 23، من السورة نفسها أيضاً: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ.
[2] تفسير «بيان السعادة» ص 97، الطبعة الحجريّة.
[3] الجزء الأوّل، ص 117 من التفسير المطبوع باسم الشيخ الأكبر العارف بالله العلّامة محيي الدين بن عربي. بَيدَ أنّ سماحة استاذنا الكريم آية الله العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ رضوان الله عليه كان يقول: كان المرحوم آية الحقّ وسند العرفان الحاجّ الميرزا علي القاضي رضوان الله عليه يقول: هذا التفسير للملّا عبد الرزّاق القاسانيّ، لأنّ عباراته واصطلاحاته هي نفسها عبارات الشخص المذكور واصطلاحاته، ونسبته إلي محيي الدين بن عربي خطأ انتهي.
و أنا أقول: حيثما نقل مطلب للملّا عبد الرزّاق القاسانيّ في تفسير «روح البيان»، فعبارته هي عبارة هذا التفسير عينها. لذلك نري أنّ كلام المرحوم القاضي في غاية الإتقان. علي سبيل المثال، أنّ ما نقل فيه من تفسير الآية: ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ يختلف عن هذا التفسير نصّاً، فراجع.
[4] كذا، والظاهر: لأراهم.
[5] تفسير «البرهان» ج 1، ص 119، الطبعة الحجريّة.
[6] يقول: «لم يصبح أحد شيئاً تلقائيّاً، ولم يصر الحديد خنجراً حاداً. ولم يصبح الحلوانيّ استاذاً في عمله إلّا بعد أن تعلّم على حلوانيّ قبله».
[7] علوم العربيّة هي: علم اللغة، والصرف، والنحو، والاشتقاق، والمعاني، والبيان، والحدود، والاستدلال، والنظم، والنثر، والعروض، والقوافي. وتحدّث أبو يعقوب يوسف السكّاكيّ المتوفّى سنة 626 ه في كتابه «مفتاح العلوم» عن هذه العلوم كلّها ما عدا علم اللغة. وقسّم السكّاكيّ كتابه، فجعل القسم الأوّل في علم الصرف، والثاني في علم النحو، والثالث في علم البيان ويشمل المعاني، والبيان، والبديع، كما خصّص الأقسام الاخرى لسائر علوم العربيّة.( ذكر حاجي خليفة في كتاب «كشف الظنون» ج 2، ص 1762 معلومات مفصّلة حول كتاب «مفتاح العلوم»).
[8] يقول: «لا تطو هذه المرحلة من الطريق ما لم يكن الخضر معك، إنّها ظلمات فاخشَ خطر الضلال. يتفتّح ورد مرادك عند ما ترعاه وتكون في خدمته، كما يرعي نسيم السحر الورد. يبلغ راعي الوادي الأيمن( موسى) مطلوبه عند ما يكون في خدمة شعيب عدد سنين». الأبيات للخواجة حافظ الشيرازيّ، أنشدها غزليّات متعدّدة. ومثل هذا المفاد كثير في ديوانه.