روى الحاكم الحسكانيّ وجلال الدّين السيوطيّ بسندهما المتّصل عن أبي راشد الحبرانيّ، عن أبي الحمراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مَنْ أرَادَ أنْ يَنْظُرَ إلَى آدَمَ في عِلْمِهِ، وإلَى نُوحٍ في فَهْمِهِ، وإلَى إبْراهِيمَ في حِلْمِهِ، وإلَى يَحْيَى في زُهْدِهِ، وإلَى موسى في بَطْشِهِ فَلْيَنْظُرْ إلَى عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ.[1]
وكذلك روى السيوطيّ عن أبي راشد الحمّانيّ، عن أبي هارون العبديّ، عن أبي سعيد الخُدري أنّه قال: كُنّا حَوْلَ النّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ، فَأقْبَلَ عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ، فَأدَامَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ النّظَرَ إلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: مَنْ أرَادَ أنْ يَنْظُرَ إلَى آدَمَ في عِلْمِهِ وإلَى نُوحٍ في حُكْمِهِ، وإلَى إبْرَاهِيمَ في حِلْمِهِ، فَلْيَنْظُرْ إلَى هَذَا. واللهُ أعْلَمُ.[2]
وروى ابن عساكر بسندين متّصلين عن ابن شِبْرَمَة أنّه كان يقول: مَا كَانَ أحَدٌ يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: «سَلُونِي» عَنْ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ إلَّا عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ.[3]
والمراد من اللوحين: اللوح المحفوظ، ولوح المحو والإثبات. أي: عالم القضاء الإلهيّ الكلّيّ والحتميّ، وعالم التقدير والقضاء الإلهيّ الجزئيّ. أعني: جميع وقائع ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. وكذلك عالم الملكوت الأعلى والملكوت الأسفل.[4]
وكذلك روى بسنده عن سعيد بن المسيّب أنّه قال: لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنْ أصْحَابِ النّبِيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ: «سَلُونِي» إلَّا عَلِيّ.[5]
وروى بسنده أيضاً عن عمير بن عبد الله أنّه قال: خَطَبَنَا عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ عَلَى مِنْبَرِ الكُوفَةِ؛ فَقَالَ: أيُّهَا النّاسُ! سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي! فَبَيْنَ الجَنْبَيْنِ مِنّي عِلْمٌ جَمٌّ.[6]
وروى بسنده المتّصل أيضاً عن الضحّاك، عن ابن عبّاس أنّه قال: قُسِّمَ عِلْمُ النّاسِ خَمْسَةَ أجْزَاءٍ؛ فَكَانَ لِعَليّ مِنْهَا أرْبَعَةُ أجْزَاءٍ، ولِسَائِر النّاسِ جُزْءٌ، وشَارَكَهُمْ عَلِيّ في الجُزْءِ فَكَانَ أعْلَمَ بِهِ مِنْهُمْ. وعن سعيد بن جُبَير، عن ابن عبّاس، قال: إذ ثبت لنا الشيء عن عليّ، لم نعدل به إلى غيره.[7]
وذكر بسنده المتّصل عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: إذَا بَلَغَنَا شَيءٌ تَكَلَّمَ بِهِ عَلِيّ مِنْ فُتْيَا أوْ قَضَاءٍ وثَبَتَ، لَمْ نُجَاوِزْهُ إلَى غَيْرِهِ.[8]
ونقل بسنده أيضاً أنّ عكرمة يحدّث عن ابن عبّاس أنّه كان يقول: إذَا حَدَّثَتْنَا ثِقَةٌ عَنْ عَلِيّ يَقِيناً لَا نَعْدُوهَا.[9]
وقد ذكرنا في الدرس الثالث والخمسين بعد المائة إلى الدرس السادس والخمسين بعد المائة من هذا الجزء أنّ الأحاديث المتواترة معنى قد اثرت أنّ رسول الله قال: أنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وعَلِيّ بَابُهَا. وعلى ضوء تفسير الآية القرآنيّة المباركة: وأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها فإنّ المراد من الأبواب هم الأئمّة الطاهرون وعلى رأسهم أمير المؤمنين صلوات الله عليهم أجمعين، وهم الذين ينبغي لنا أن نأخذ العلم منهم فحسب ونعمل به. وهم منهل الماء الزلال العذب المفيد. وأمّا أخذ العلم من الآخرين، فهو ليس أخذ علم، بل أخذ جهل وضلال وغيّ. وأخذ صديد جهنّم وقيحها وغلسينها. وهذا الضرب من الأخذ لا يروي مهجة الإنسان، بل يزيد مرضه وظمأه وصداعه حتى يقتله.
[1] «شواهد التنزيل» ج 1، ص 79 و80، الحديث 117؛ و«اللآلئ المصنوعة» ج 1، ص 355.
[2] «اللآلئ المصنوعة» ج 1، ص 356.
[3] «تاريخ دمشق» ترجمة الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ج 3، ص 23 و24، الحديث 1043 إلى 1046.
[4] ويمكن أن يكون المراد منهما دفّتي القرآن الكريم. إذ كان القرآن يكتب قديماً على رفوق سميكة وكبيرة بشكل رقّ رقّ، ثمّ يوضع في طرفيه قطعتان من الحجر أو من الخشب على شكل لوح. وكان هذان اللوحان الحافظان محتواه في باطنه. ويدعم هذا القول حديث ذكره أبو نعيم في «حلية الأولياء» ج 1، ص 567، وفيه أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله: أقسمتُ أو حلفتُ أن لا أضع ردائي عن ظهري حتى أجمع ما بين اللوحين، فما وضعت ردائي عن ظهري حتى جمعتُ القرآن.
[5] «تاريخ دمشق» ترجمة الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ج 3، ص 23، الحديث 1043 و1044.
[6] «تاريخ دمشق» ج 3، ص 24، الحديث 1045 و1046.
[7] «تاريخ دمشق» ج 3، ص 45، الحديث 1074 و1075.
[8] «تاريخ دمشق» ج 3، ص 46، الحديث 1076 و1077.
[9] «تاريخ دمشق» ج 3، ص 45 و46، الحديث 1074 و1077.