قال ابن أبي الحديد: جاءت امرأة إلى عمر بن الخطّاب، فقالت: يا أمير المؤمنين! إنّ زوجي يصوم النهار ويقوم الليل، وإنّي أكره أن أشكوه وهو يعمل بطاعة الله! فقال: نِعْمَ الزوج زوجُكِ! فجعلت تكرّر عليه القول، وهو يكرّر عليها الجواب.
فقال له كعب بن سَوْر: يا أمير المؤمنين! إنّها تشكو زوجها في مباعدته إيّاها عن فراشه! ففطن عمر حينئذٍ، وقال له: قد وليتك الحكم بينهما. فقال كعب: عَلَيّ بزوجها، فاتي به، فقال له: إنّ زوجتك هذه تشكوك! قال: في طعام أو شراب؟! قال: لا. قالت المرأة:
أيُّهَا القَاضِي الحَكِيمُ رَشَدُهُ *** ألْهَى خَلِيلي عَنْ فِرَاشِي مَسْجِدُهْ
زَهَّدَهُ في مَضْجَعِي تَعَبُّدُهْ *** نَهَارُهُ ولَيْلُهُ مَا يُرْقِدُهْ
فَلَسْتُ في أمْرِ النّسَاءِ أحْمَدُه
فقال زوجها:
زَهَّدَنِي في فَرْشِهَا وفي الحَجَلْ *** أنّي امْرُؤٌ أذْهَلَنِي مَا قَدْ نَزَلْ
في سُورَةِ النّمْلِ وفي السَّبْعِ الطِّوَلْ[1] *** وفي كِتَابِ اللهِ تَخْوِيفٌ جَلَلْ
قال كعب:
إن لَهَا حَقَّاً عَلَيْكَ يَا رَجُلْ *** تُصِيبُهَا مِنْ أرْبَعٍ لِمَنْ عَقَلْ
فَأعْطِهَا ذَاكَ ودَعْ عَنْكَ العِلَلْ
فقال لعمر: يا أمير المؤمنين! إنّ اللهَ أحَلَّ لَهُ مِنَ النّسَاءِ مَثْنَى وثلَاثَ ورُبَاعَ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أيَّامٍ ولَيَالِيهِنّ يَعْبُدُ فِيهَا رَبَّهُ، ولَهَا يَوْمٌ ولَيْلَةٌ.
فقال عمر: واللهِ مَا أعْلَمُ مِنْ أي أمْرَيْكَ أعْجَبُ؟! أمِنْ فَهْمِكَ أمْرَهُمَا، أمْ مِنْ حُكْمِكَ بَيْنَهُمَا؟ اذْهَبْ فَقَدْ وَلَّيْتُكَ قَضَاءَ البَصَرةِ.[2]
نجد أنّ الخليفة هنا لم ينصف، إذ كان خليقاً به أن يفوّض الخلافة إلى الشخص المذكور.
[1] المراد من السبع الطوال السور السبع الكبيرة الواقعة في أوّل القرآن وسمّاها رسول الله صلى الله عليه وآله: السبع الطوال. وهي «البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأعراف، يونس». وعند ما جمع عثمان القرآن. ظنّ أنّ سورتي الأنفال والتوبة سورة طويلة واحدة بسبب خلوّ التوبة من البسملة وقدّمهما في الكتاب «القرآن» على سورة يونس. لهذا تحسب هاتان السورتان عنده من السور الطوال. ولكن لمّا اعترضوا عليه بأنّ رسول الله جعل سورة يونس بعد سورة الأعراف، وعدّها من السور الطوال. لم يعرف جواباً يقوله، وقال: لا علم لي بما وضعه رسول الله.( «مهر تابان»(= الشمس الساطعة) في ذكرى العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه، القسم الثاني، ص 89، 90).
[2] «شرح نهج البلاغة» في طبعة دار إحياء الكتب العربيّة، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم: ج 12، ص 46 و47، وفي طبعة بيروت، دار المعرفة: ج 3، ص 105.