أخرج السيوطيّ في «الدرّ المنثور» عن الخرائطيّ في كتاب «مكارم الأخلاق» عن ثور الكنديّ، قال: إنّ عمر بن الخطّاب كان يعسّ بالمدينة من الليل، فسمع صوت رجل في بيت يتغنّى، فتسوّر عليه، فوجد عنده امرأة، وعنده خمر، فقال: يَا عَدُوَّ اللهِ! أظَنَنْتَ أنّ اللهَ يَسْتُرُكَ وأنْتَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ؟!
فقال: يَا أمير المؤمنين! لَا تَعْجَلْ عَلَيّ أنْ أكُونَ عَصَيْتُ اللهَ وَاحِدَةً فَقَدْ عَصَيْتَ اللهَ في ثَلَاثٍ: قَالَ اللهُ: «وَلا تَجَسَّسُوا»[1] وقَدْ تَجَسَّسْتَ! وقَالَ الله: «وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها»[2] وقَدْ تَسَوَّرْتَ عَلَيّ! ودَخَلْتَ عَلَيّ بِغَيْرِ إذْنٍ. وقَالَ اللهُ: «لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا[3] وتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها»!.[4]
وذكر ابن أبي الحديد في آخر هذه الرواية أنّ الرجل قال: ومَا سَلَّمتَ.[5] ينبغي هنا ملاحظة مدى جهل الخليفة الثاني بالآيات القرآنيّة وما هو نصيبه منها؛ فهو يتسلّق الجدار ليلًا بدون علم صاحب البيت، ثمّ يلوم صاحب البيت ويوبّخه على ارتكابه الذنب أمام شخصيّة كعمر الذي يزعم أنّه أمير المؤمنين! وإذا بذلك الرجل الثمل وهو أبو مِحجَن الثَّقَفي على رواية الثعلبيّ وقد استشهد بثلاث آيات قرآنيّة وهو سكران فيفضح بها عمر ويُخجله، ويرغمه على التراجع!
قال الثعلبيّ: إنّ ذلك الرجل الذي تسوّر عليه عمر كان أبا محجن الثقفيّ. وروى أنّه قال لعمر: إنّ هذا لا يحلّ لك! قد نهاك الله عن التجسّس! فقال عمر: ما يقول هذا: إنّه تجسّس؟ فقال زيد بن ثابت وعبد الله بن أرقم: صدق يا أمير المؤمنين هذا التجسّس. فخرج عمر وتركه.[6] وهنا قال أحد علمائنا: العجيب أنّ أبا محجن الثقفيّ الخمِّير السكِّير عرف هذا وعمر لم يعرفه! ولم ينتبه بعد تنبيه أبي محجن إيّاه، حتى أعلمه الآخرون (زيد وعبد الله).
وكان أبو محجن الثقفيّ رجلًا دائم اللهو بالخمر ومجالس الغناء. وهو صاحب البيتين الآتيين:
إذَا مِتُّ فَادْفِنّي إلَى جَنْبِ كَرْمَةٍ *** تَرَوَّى عِظَامِي بَعْدَ مَوْتِي عُرُوقَهَا
وَلَا تَدْفِنَنّي في الفَلَاةِ فَإنّنِي *** أخَافُ إذَا مَا مِتُّ أنْ لَا أذُوقَها[7]
يستفاد من هذه الرواية أنّ عمر كان جاهلًا بآية التجسّس وكذا في موضوع التجسّس ومفهومه على الرغم من كونه أمر عرفيّ، حتى أنّه قد سأل صحابيينِ عن مصداق مفهومه، فحدّثاه بمصداقه كما أدركه أبو محجن!
قارنوا هذه الروايات والأحاديث الثابتة في التأريخ -التي تفوق حدّ الإحصاء- بما روى عن الإمام المظلوم عليّ بن أبي طالب من علم غزير. ذلك الإمام الذي كان مصدر النور المتألّق، ومنهل العلم الفيّاض، بيد أنّه قد قُصّ جناحاه عن كلّ شيء، وإذا هو يذهب إلى بساتين المدينة، يحرث ويزرع ويجري قنوات الماء خمساً وعشرين سنة! يستند بعض من أحكام الإمام العجيبة على الآيات القرآنيّة الكريمة، وقد قرأنا كثيراً منها في هذا الكتاب الشريف. وإذ نريد أن نختم بحثنا نكتفي بذكر رواية مباركة، وعلى القارئ الكريم أن يلاحظ كيفيّة تبيان الإمام الحكم بالاستناد على الآيات القرآنيّة.
[1] الآية 12، من السورة 49: الحجرات.
[2] الآية 189، من السورة 2: البقرة.
[3] أي: استأذنوا، إذ جاء في التفسير أنّ معني تستأنسوا: تستأذنوا.
[4] «تفسير الدرّ المنثور» ج 6، ص 93، في تفسير الآية المباركة 12، من السورة 49: الحجرات: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا ولا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ واتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ. والآية 27، من السورة 24: النور.
[5] «شرح نهج البلاغة» في طبعة اوفسيت بيروت، دار المعرفة: ج 1، ص 61، وفي طبعة مصر، دار إحياء الكتب العربيّة، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم: ج 1، ص 182.
[6] تفسير «مجمع البيان» ج 5، ص 135، طبعة صيدا؛ و«تفسير أبو الفتوح الرازيّ» عن الثعلبيّ، ج 5، ص 123 و124، طبعة مظفّري.
[7] «قضاء أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام» للشيخ محمّد تقي التستريّ، ص 261.