من جملة العلوم: علم الحديث. وأنّ أصحاب الحديث الذين رووا عن رسول الله صلى الله عليه وآله بلا واسطة نيّف وعشرون رجلًا، منهم: ابن عبّاس، وابن مسعود، وجابر الأنصاريّ، وأبو أيّوب، وأبو هريرة، وأنس، وأبو سعيد الخُدريّ، وأبو رافع، وغيرهم. وكان عليّ بن أبي طالب عليه السلام أسبقهم وأتقنهم وآمنهم لأنّه أكثرهم رواية وأتقنهم حجّة، وهو مأمون الباطن لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: عَلِيّ مَعَ الحَقِّ.
وذكر الترمذيّ والبلاذريّ أنّه قِيلَ لِعَليٍّ: مَا بَالُكَ أكْثَرُ أصْحَابِ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ حَدِيثَاً؟ قَالَ: كُنْتُ إذَا سَألْتُهُ أنْبَأنِي، وإذَا سَكَتُّ عَنْهُ ابْتَدَأنِي.
وورد في كتاب ابن مردويه أنّه قال: كُنْتُ إذَا سَألْتُ اعْطِيتُ، وإذَا سَكَتُّ ابْتُدِيتُ.
وقال محمّد الإسكافيّ:
حِبْرٌ عَلِيمٌ بِالَّذِي هُوَ كَائِنٌ *** وإلَيْهِ في عِلْمِ الرِّسَالَةِ يُرْجَعُ
أصْفَاهُ أحْمَدُ مِنْ خَفِيّ عُلُومِهِ *** فَهُوَ البَطِينُ مِنَ العُلُومِ الأنْزَعُ
تقدّم أمير المؤمنين عليه السلام في
علم الكلام والجدل والبحث الفلسفيّ
ومن جملة العلوم: علم الكلام. وقد ظهر المتكلّمون في هذا الموضوع، وأمير المؤمنين عليه السلام هو الأصل في علم الكلام. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: عَلِيّ رَبَّانِيّ هَذِهِ الامَّةِ. وفي الأخبار: أنَّ أوَّلَ مَنْ سَنَّ دَعْوَةَ المُبْتَدِعَةِ بِالمُجَادِلَةِ إلَى الحَقِّ عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ.
وقد ناظره الملاحدة في (ما زعموه من) مناقضات القرآن. وأجاب مشكلات مسائل الجاثليق حتى أسلم. ونقل أبو بكر بن مردويه في كتابه عن سفيان أنّه قال: مَا حَاجَّ عَلِيّ أحَداً إلَّا حَجَّهُ.
ولمّا قال له رأس الجالوت (كبير علماء اليهود): لم تلبثوا بعد نبيّكم إلّا ثلاثين سنة حتى ضرب بعضكم وجه بعض بالسيف، قال عليه السلام: وَأنْتُمْ لَمْ تَجِفَّ أقْدَامُكُمْ مِنْ مَاءِ البَحْرِ حتى قُلْتُمْ لِمُوسَي: اجْعَلْ لَنَا إلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ.
وأرسل إليه أهل البصرة كُليباً الجرميّ بعد يوم الجمل ليزيل الشبهة عنهم في أمره فذكر له ما علم أنّه على الحقّ. ثمّ قال له: بايع. فقال كُلَيْب: إنّي رسول لقوم فلا احدث حدثاً حتى أرجع إليهم.
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أ رَأيْتَ لَوْ أنَّ الَّذِينَ وَرَاءَكَ بَعَثُوكَ رَائِداً تَبْتَغِي لَهُمْ مَسَاقِطَ الغَيْثِ، فَرَجَعْتَ إلَيْهِمْ فَأخْبَرْتَهُمْ عَنِ الكَلإ والمَاءِ؟ قَالَ: فَامْدُدْ إذاً يَدَكَ.[1]
إن الذين وراءك بعثوك لتجد لهم في الصحراء الجافّة القاحلة أرضاً خضراء تهطل فيها الأمطار فتخبرهم ليأتوها ويحطّوا رحالهم فيها ويسكنوها. وأنتَ وجدتَ مثل هذه الأرض ورجعتَ إليهم لتخبرهم عن مكان الماء والعلف والعشب. فإذا شربتَ ماءً قبل رجوعك إليهم، وألقيت رحلك هناك، فهل ارتكبتَ جرماً أو قمتَ بعمل صحيح؟ إنّ إرسالك كإرسال رائدٍ يفتّش عن الماء والكلأ في الصحراء، فإذا بلغ الماء، شرب منه فوراً وأنقذ حياته، ثمّ رجع إلى قومه يخبرهم عن الماء والكلأ ويهديهم إلى ذلك المكان. قال كُليب: فوالله ما استطعتُ أن أمتنع عند قيام الحجّة عَلَيّ، فبايعتُه عليه السلام.[2]
ومن كلام الإمام الحكميّ والفلسفيّ قوله عليه السلام: أوَّلُ مَعْرِفَةِ اللهِ تَوْحِيدُهُ، وأصْلُ تَوْحِيدِهِ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ- إلى آخر الخبر.
وما أطنب المتكلّمون في اصول الدين وأطالوا إنّما هو زيادة لتلك الجمل وشرح لتلك الاصول، فالإماميّة يرجعون إلى الإمام الصادق عليه السلام في هذه المعاني، وهو إلى آبائه الكرام. أمّا المعتزلة والزيديّة، فانّ ما عندهم من هذه الامور يرويه لهم القاضي عبد الجبّار بن أحمد، عن أبي عبد الله الحسين البصريّ، عن أبي إسحاق عبّاس، وهذان عن أبي هاشم الجبّائيّ، عن أبيه أبي عليّ، عن أبي يعقوب الشحّام، عن أبي هُذيل العلّاف، عن أبي عثمان الطويل عن واصل بن عطاء، عن أبي هاشم عبد الله بن محمّد بن عليّ، عن أبيه محمّد ابن الحنفيّة، عن أمير المؤمنين عليه السلام.
وقال الورّاق القمّيّ:
عَلِيّ لِهَذَا النَّاسِ قَدْ بَيَّنَ الذي *** هُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ ولَمْ يَتَوَجَّمَ
عَلِيّ أعَاشَ الدِّينَ وَفَّاهُ حَقَّهُ *** ولَوْلَاهُ مَا أُفْضَى إلَى عُشْرِ دِرْهَمِ
[1] ذكر الشريف الرضي رضوان الله عليه هذا الموضوع في «نهج البلاغة» الخطبة 168، وفي طبعة مصر وشرح محمّد عبده: ج 1، ص 317 و318. وفيه: كَلَّم به بعض العرب وقد أرسله قوم من أهل البصرة لمّا قرب عليه السلام منها ليعلم لهم حقيقة حاله مع أصحاب الجمل لتزول الشبهة من نفوسهم فبيّن له عليه السلام من أمره معهم ما علم به أنّه على الحقّ. ثمّ قال له: بايع، فقال: إنّي رسول قوم ولا احدث حدثاً حتى أرجع إليهم. فقال له عليه السلام: أرأيتَ لو أنّ الذين وراءك بعثوك رائداً تبتغي لهم مساقط الغيث فرجعتَ إليهم وأخبرتهم عن الكلأ والماء فخالفوا إلى المعاطش والمجادب، ما كنتَ صانعاً؟ قال: كنتُ تاركهم ومخالفهم إلى الكلأ والماء. فقال عليه السلام: فامدد إذاً يدك. فقال الرجل: فو الله ما استطعت أن أمتنع عند قيام الحجّة عَلَيّ فبايعتُه عليه السلام. والرجل يعرف بكُليب الجَزميّ. إن هذا الضرب من التعبير أبلغ في إلزام الخصم وتقرير الجدل من العبارة التي نقلناها عن ابن شهرآشوب في مناقبه (الطبعة الحجريّة، ج 1، ص 269، والطبعة الحديثة في المطبعة العلميّة بقم، ج 2، ص 26). ذلك أنّه لم يذكر في كلتا الطبعتين قوله: فخالفوا إلى المعاطش والمجادِب، ما كنتَ صانعاً؟ قال: كنتُ تاركهم ومخالفهم إلى الكلأ والماء. ومن الواضح أنّ عبارة «نهج البلاغة» أبلغ.
[2] ذكره الشريف الرضي رضوان الله عليه في «نهج البلاغة» قسم الحِكَم، رقم 317.