من جملة العلوم: علم النحو وبرز فيه علماء، وعليّ عليه السلام مؤسّس علم النحو وواضعه، ذلك أنّ علماء النحو رووا هذا العلم عن الخليل بن أحمد بن عيسى بن عمرو الثقفيّ، عن عبد الله بن إسحاق الحضرميّ، عن أبي عمرو بن العلاء، عن ميمون الأفرن، عن عنبسة الفيل، عن أبي الأسود الدُّؤَليّ، عن أمير المؤمنين عليه السلام.
والسبب في ذلك أنّ قريشاً يزوّجون بالأنباط،[1] فوقع فيما بينهم أولاد، ففسد لسانهم، حتى أنّ بنتاً لخويلد الأسديّ كانت متزوّجة برجل من الأنباط فقالت: إنَّ أبَوَيّ مَاتَ وتَرَكَ عَلَيّ مَالٌ كَثِيرٌ. (تريد أنّ أبويها ماتا وتركا لها مالًا كثيراً). وهذه الجملة لحن، والصحيح: أنَّ أبَوَيّ مَاتَا وتَرَكَا لِي مَالًا كَثِيراً. فلمّا علم الإمام فساد لسانها، أسّس النحو.
وروى أنّ أعرابيّاً سمع سوقيّاً يقرأ: إنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ورَسُولِهِ. فشجّ رأسه، فخاصمه إلى أمير المؤمنين عليه السلام. فسأله عن سبب شجّ رأسه، فقال الأعرابيّ: إنّه كفر بالله في قراءته. فقال عليه السلام: إنّه لم يتعمّد ذلك.[2]
وروى أيضاً أنّ أبا الأسود كان في بصره سوء، وله بنت تقوده إلى عليّ عليه السلام، فقالت: يَا أبَتَاه! مَا أشَدَّ حَرُّ الرَّمْضَاءِ، تريد التعجّب (و هذا لحن، والصحيح أن تقول: يَا أبَتَاهْ! الرَّمْضَاءُ مَا أشَدَّ حَرَّهَا، أو تقول: مَا أشَدَّ حَرَّ الرَّمْضَاءِ!) فنهاها عن مقالتها، وأخبر أمير المؤمنين عليه السلام بذلك، فأسّس علم النحو.
وروى كذلك أنّ أبا الأسود كان يمشي خلف جنازة. فقال له رجل: مَنِ المُتَوَفِّي؟ (و هو يريد: مَنِ المُتَوَفَّي؟) فقال: اللهُ. ثمّ أخبر عليّاً عليه السلام بذلك، فأسّس علم النحو.
وعلى كلّ وجه، كتب أمير المؤمنين عليه السلام اصول علم النحو في رسالة وأعطاها أبا الأسود وقال له: مَا أحْسَنَ هَذَا النَّحْوَ! احْشُ لَهُ بِالمَسَائِلِ. فَسُمِّيّ نَحْوَاً.[3]
قال ابن سلام: كان ما في الرقعة قوله: الكَلَامُ ثَلَاثَةُ أشْيَاءَ: اسْمٌ، وفِعْلٌ، وحَرْفٌ جَاءَ لِمَعْنَى. فَالاسْمُ مَا أنْبَأ عَنِ المُسَمَّى، والفِعْلُ مَا أنْبَأ عَنْ حَرَكَةِ المُسَمَّى، والحَرْفُ مَا أوْجَدَ مَعْنَى في غَيْرِهِ.
وكتب أمير المؤمنين عليه السلام بعد ذلك: كَتَبَ عَلِيّ بْنُ أبُو طَالِبٍ. فعجز النحويّون وعلماء البلاغة والأدب عن ذلك (إذ كيف كتب: أبو طالب، بينما ينبغي أن يكتب: أبي طالب). فقال بعضهم: أبو طالب اسمه كنيته. وقال بعض آخر: هذا تركيب مثل درّاحنا، وحضر موت. وقال الزمخشريّ في «الفائق»: تُرك في حال الجرّ على لفظه في حال الرفع، لأنّه اشتهر بذلك، وعُرّف. فجرى مجري المثل الذي لا يتغيّر.
[1] الأنباط جمع النَّبَط قوم كانوا يسكنون بين العراق والشام. وكانوا يسافرون إلى المدينة في الجاهليّة والإسلام لشراء وبيع أمتعتهم كالدرمك (دقيق القمح الأبيض) والزيت. وضبط المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 6، ص 624، طبعة الكمبانيّ: الدرثوك بدل الدرمك، عن تفسير عليّ بن إبراهيم، ونقل عن الجوهريّ أنّ الدرثوك ضرب من البُسُط ذو خُمل وتشبه به فروة البعير.
[2] النصف الأوّل من الآية 3، من السورة 9: براءة: وأَذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ. ويلاحظ أنّ قوله ورَسُولُهُ مرفوع، وهو معطوف على الله محلّا. وهو مبتدأ مرفوع أو عطف على قوله إنَّ اللهَ، وهذا مرفوع محلّا على الابتدائيّة أيضاً، وقُرئ في بعض القراءات بالنصب ورَسُولَهُ، فيكون معطوفاً على اللهَ. والمعنى في كلتا الحالتين واحد، وهو صحيح. وأمّا إذا قرئ بالجرّ ورَسُولِهِ، كما فعل السوقيّ، فالمعنى كلّه يتغيّر، ويعطى العكس. فلهذا لمّا سمع الأعرابيّ ذو اللسان الصحيح ذلك، عدّه كفراً، وضرب السوقيّ على رأسه.
[3] قال المستشار عبد الحليم الجنديّ في كتابه الثمين «الإمام جعفر الصادق» هامش ص 29: روى الأنباريّ في «تأريخ الادباء» أنّ سبب وضع عليّ كرّم الله وجهه لهذا العلم ما روى أبو الأسود الدؤليّ حيث قال: دخلتُ على أمير المؤمنين عليّ، فوجدتُ في يده رقعة. فقلتُ: ما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: إنّي تأمّلتُ كلام العرب فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء (يعني الأعاجم)، فأردتُ أن أضع شيئاً يرجعون إليه. ثمّ ألقى إليّ الرقعة ومكتوب فيها: الكلام كلّه اسم وفعل وحرف. فالاسم ما أنبأ عن المسمّى، والفعل ما انبئ به، والحرف ما أفاد معنى. وقال لي: انح هذا النحو، وأضف إليه ما وقع عليك. واعلم يا أبا الأسود أنّ الأسماء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، واسم لا ظاهر ولا مضمر. وإنّما يتفاضل الناس يا أبا الأسود فيما ليس بظاهر ولا مضمر (أراد بذلك الاسم المبهم). قال[ أبو الأسود]: ثمّ وضعتُ بابَي العطف والنعت، ثمّ بابَي التعجّب والاستفهام إلى أن وصلتُ إلى باب إنّ وأخواتها، فكتبتُها ما خلا لكنّ. فلمّا عرضتها على أمير المؤمنين عليه السلام، أمرني بضمّ لكنّ إليها. وكلّما وضعتُ باباً من أبواب النحو، عرضتُه عليه، إلى أن حصلت ما فيه الكفاية. فقال: ما أحسنَ هذا النحو الذي نحوتَ، فلهذا سمّى النحو. وأنّ المرء ليلاحظ أنّ هذا الفتح العظيم في العلم كان من اهتماماته، وهو أمير المؤمنين، ليس لديه يوم واحد خلا من معركة أو استعداد لمعركة. وأنّ أبا الأسود هو واضع علامات الإعراب في المصحف في أواخر الكلمات بصبغ يخالف لون المداد الذي كتب به المصحف. فجعل علامة الفتح نقطة فوق الحرف. والضم نقطة إلى جانبه، والكسر نقطة في أسفله، والتنوين مع الحركة نقطتين. ثمّ وضع نصر بن عاصم- تلميذ أبي الأسود- النقط والشكل لأوائل الكلمات وأواسطها. ثمّ جاء الخليل بن أحمد فشارك في إتمام بقيّة الإعجام. والخليل شيعيّ كأبي الأسود. وهو واضع علم العروض وصاحب المعجم الأوّل وواضع النحو على أساس القياس. فاللغة العربيّة مدينة لعليّ وتلاميذ عليّ. وكمثلها البلاغة العربيّة. وعليّ معدود من خطباء التأريخ العالميّ بخطبه والمناسبات التي دعت إليها.