من جملة العلوم، علم الفصاحة والبلاغة. وأمير المؤمنين عليه السلام أوفر الفصحاء والبلغاء حظّاً فيه. قال الشريف الرضيّ: أمير المؤمنين عليه السلام مشرع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها. ومنه ظهر مكنونها، وعنه اخذت قوانينها.
وقال الجاحظ في كتاب «الغُرّة»: كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية: غَرَّكَ عِزُّكَ، فَصَارَ قُصَارَ ذَلِكَ ذُلُّكَ، فَاخْشَ فَاحِشَ فِعْلِكَ، فَعَلَّكَ تَهْدِي بِهَذَا (بِهُدى- ظ).[1]
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: مَنْ آمَنَ أ مِنَ.
وروى الكلينيّ عن أبي صالح، وأبو جعفر بن بابويه بإسناده عن الإمام الرضا عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام أنّه اجتمعت الصحابة فتذاكروا أنّ الألف أكثر دخولًا في الكلام. فارتجل أمير المؤمنين عليه السلام الخطبة المونِقة التي أوّلها: حَمِدْتُ مَنْ عَظُمَتْ مِنَّتُهُ، وسَبَغَتْ نِعْمَتُهُ، وسَبَقَتْ رَحْمَتُهُ، وتَمَّتْ كَلِمَتُهُ، ونَفَذَتْ مَشِيَّتُهُ، وبَلَغَتْ قَضِيَّتُهُ- إلى آخرها.[2]
ثمّ ارتجل عليه السلام خطبة اخرى من غير نقط، وأوّلها: الحَمْدُ لِلَّهِ أهْلِ الحَمْدِ ومَأوَاهُ، ولَهُ أوْكَدُ الحَمْدِ وأحْلَاهُ، وأسْرَعُ الحَمْدِ وأسْرَاهُ، وأطْهَرُ الحَمْدِ وأسْمَاهُ، وأكْرَمُ الحَمْدِ وأوْلَاهُ- إلى آخرها.[3]
قال ابن شهرآشوب: وقد أوردتُ الخطبتين في كتاب «المخزون المكنون».
ومن كلامه عليه السلام: تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَإنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ.[4]
وقوله عليه السلام: مَنْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ فَإنَّمَا يَقْبِضُ عَنْهُمْ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وتُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أيْدٍ كَثِيرَةٌ.
وقوله عليه السلام أيضاً: ومَنْ تَلِنْ حَاشِيَتُهُ يَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ المَوَدَّةَ.
وقوله عليه السلام: ومَنْ جَهِلَ شَيئاً عَادَاهُ. فالإنسان عدوّ مجهولاته.
ومثل هذا الكلام قوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ.[5]
وقوله عليه السلام: المَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ، فَاذَا تَكَلَّمَ ظَهَرَ. ومثله قوله تعالى: ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ.[6]
وقوله عليه السلام: قِيمَةُ كُلِّ امْرِءٍ مَا يُحْسِنُ.[7] ومثله قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ والْجِسْمِ.[8]
وقوله عليه السلام: القَتْلُ يُقِلُّ القَتْلَ.[9] ومثله قوله تعالى: ولَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ.[10]
ومن جملة العلوم، علم إنشاء الشعر. وكان أمير المؤمنين عليه السلام أشعر الشعراء. وذكر الجاحظ في كتاب «البيان والتبيين» وفي كتاب «فضائل بني هاشم»، وأيضاً البلاذريّ في كتاب «أنساب الأشراف» أن عليا أشعر الصحابة وأفصحهم وأخطبهم وأكتبهم.
وفي تاريخ البلاذريّ كان أبو بكر يقول الشعر، وعمر يقول الشعر، وعثمان يقول الشعر، وكان عليّ عليه السلام أشعر الثلاثة.
[1] قال المرحوم المغفور الآية الحجّة السيّد حسن اللواساني رضوان الله عليه، جدّ قرّة عيني المكرّم وصهري المعظّم السيّد إبراهيم اللواساني دام عزّه، في كتابه «كشكول لطيف» ص 33، طبعة طهران: نُقل أنّ معاوية بن أبي سفيان كتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام العبارة الآتية بلا تنقيط: (علا قدري، علا قدري) وقصده من الاولى علوّ قدره، ومن الثانية غليان قدره كناية عن عظمة شأنه. (عَلا قَدْري، غَلا قِدْري). فكتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام ما يأتي بلا تنقيط: عرك عرك فصار فصار دلك دلك فاحس فاحس فعلك فعلك نهدي نهدي. فلم يفهم معناها، وحار في أمره. وقصد الإمام هو: غَرَّكَ عِزُّكَ، فَصَارَ قُصَارَ ذَلِكَ ذُلُّكَ، فَاخْشَ فَاحِشَ فِعْلِكَ، فَعَلَّكَ تَهْدِي بِهُدى!
[2] ذكر المرحوم الآية الحجّة اللواساني هذه الخطبة الطويلة جدّاً في ص 30 إلى 33 من كشكوله.
[3] ذكر المرحوم اللواساني رضوان الله عليه خطبة اخرى لأمير المؤمنين عليه السلام بلا نقطة وذلك في كتابه «كشكول» ص 25 و26. وأوّلها: الحمد للّه الملك المحمود، المالك الودود، مصوّر كلّ مولود، ومآل كلّ مطرود.
[4] ورد هذا الكلام في خطبتين من خطب «نهج البلاغة» الاولي: الخطبة 21: فَانَّ الغاية أمامَكم، وإنَّ وراءكم الساعة تَحدوكم، تَخَفَّفوا تَلْحَقوا، فانّما يُنْتظر بأوّلكم آخِرُكم. وقال الشريف الرضي هنا: هذا الكلام لو وزن بعد كلام الله سبحانه، وبعد كلام رسول الله صلى الله عليه وآله بكلّ كلام لمال به راجحاً وبرّز عليه سابقاً. فأمّا قوله عليه السلام: تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فما سُمع كلام أقلّ منه مسموعاً ولا أكثر محصولًا، وما أبعد غورها من كلمة، وأنقع نطفتها من حكمة. الثانية: الخطبة 165 إذ قال بعد كلام له في كتاب الله والنصيحة في العمل: بَادِرُوا أمْرَ العَامَّةِ وخَاصَّةَ أحَدِكُمْ وهُوَ المَوْتُ، فَانَّ النَّاسَ أمَامَكُمْ وإنَّ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ مِنْ خَلْفِكُمْ، تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَانَّمَا يُنْتَظَر بِأوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ- الخطبة. طبعة مصر وشرح الشيخ محمّد عبده، الاولى في ص 58 و59. والثانية في ص 314 و315 من الجزء الأوّل.
[5] الآية 39، من السورة 9: التوبة: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ.
[6] الآية 30، من السورة 47: محمّد: ولَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ واللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ.
[7] جاء في «نهج البلاغة» ج 2، الحكمة 81: قيمة كل امرئ ما يحسنه. قال الشريف الرضيّ: وهذه الكلمة التي لا تصاب لها قيمة، ولا توزن بها حكمة، ولا تقرن إليها كلمة. («نهج البلاغة» ج 2، ص 154، طبعة مصر، شرح عبده).
[8] الآية 247، من السورة 2: البقرة: وقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ والْجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.
[9] هذا التعليم من عجائب الأحكام القضائيّة، إذ إنّ الحكم بالقصاص نفسه يحول دون الجريمة. وهو من الموارد التي يوجب الحكم بها عدم تحقّق مصداقها.
[10] الآية 179، من السورة 2: البقرة: ولَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.