

اساسيات الاعلام

الاعلام

اللغة الاعلامية

اخلاقيات الاعلام

اقتصاديات الاعلام

التربية الاعلامية

الادارة والتخطيط الاعلامي

الاعلام المتخصص

الاعلام الدولي

الرأي العام

الدعاية والحرب النفسية

التصوير

المعلوماتية


الإخراج

الإخراج الاذاعي والتلفزيوني

الإخراج الصحفي

مناهج البحث الاعلامي

وسائل الاتصال الجماهيري

علم النفس الاعلامي

مصطلحات أعلامية

الإعلان


السمعية والمرئية

التلفزيون

الاذاعة

اعداد وتقديم البرامج

الاستديو

الدراما

صوت والقاء

تحرير اذاعي

تقنيات اذاعية وتلفزيونية

صحافة اذاعية

فن المقابلة

فن المراسلة

سيناريو

اعلام جديد

الخبر الاذاعي


الصحافة

الصحف

المجلات

وكالات الأنباء


التحرير الصحفي

فن الخبر

التقرير الصحفي

التحرير

تاريخ الصحافة

الصحافة الالكترونية

المقال الصحفي

التحقيقات الصحفية

صحافة عربية


العلاقات العامة

العلاقات العامة

استراتيجيات العلاقات العامة وبرامجها

التطبيقات الميدانية للعلاقات العامة

العلاقات العامة التسويقية

العلاقات العامة الدولية

العلاقات العامة النوعية

العلاقات العامة الرقمية

الكتابة للعلاقات العامة

حملات العلاقات العامة

ادارة العلاقات العامة
المبادئ المهنية لأخلاقيات الإعلام
المؤلف:
الدكتور: عبد الله علي الزلب
المصدر:
أخلاقيات الإعلام
الجزء والصفحة:
ص 37- 55
2026-04-07
37
المبادئ المهنية لأخلاقيات الإعلام:
في ظل التطور الهائل لوسائل الإعلام الخاضعة والتابعة لسياسات مختلفة ومتناقضة، أصبح المتابع واقعا تحت تأثيرها وسطوتها، وفي كثير من الأحيان، يصيب المتلقين نوع من الارتباك لتعدد المرجعيات، ومحاولة تجيير المعلومات وتحويرها أو تحريفها أو تقطيعها لصالح جهة ما ضد جهة أخرى. وقد أصبح دور الإعلام واداؤه مثار تساؤلات وإشكاليات وموضع اشتباه. وكان السؤال الكبير الذي لم يتم حسم الإجابة عليه بجواب واحد واضح هو: هل الإعلام ينقل الحدث أم يصنعه؟ وابتعد البعض ليعتبر أحداث السنوات الأخيرة ثورات فيسبوكية.
ونظراً لانتشار الهواتف الذكية، فقد أصبح الكل يمارس الإعلام بشكل أو بآخر، وتحول الكثيرون إلى مراسلين يرسلون المعلومة أو الصورة أو الفيديو لهذه الوسيلة الإعلامية أو تلك وتبث دون تدقيق أو تمحيص ما إذا كانت حقيقية أم مفبركة حديثة أم قديمة وأصبحت مصداقية الإعلام على المحك أكثر من أي وقت مضى. ولم يعد المواطن قادراً على تمييز الصدق من الكذب. وهذا يدعو وبقوة للتركيز على المبادئ المهنية الأخلاقية لمهنة الإعلام التي أصابها أيضا هذا الارتباك فأصبحت مصطلحات مثل الموضوعية، والحياد والاستقلالية، والتوازن والإنصاف، والعدالة، مصطلحات ملتبسة نظرياً وغائبة عملياً.
ومن هنا، فإن الإعلام والإعلاميين بأمس الحاجة لاستعادة ثقة الجمهور إذ أصبح المتلقي يشعر أنه ضحية تضليل إعلامي، وأن الإعلام لا يحترم مشاعره ووعيه ويكذب عليه.
فما هو المطلوب من وسائل الإعلام؟
المطلوب من وسائل الإعلام العمل بالمبادئ المهنية والتمسك بها قولا وعملا فكل وسائل الإعلام ترفع شعارات كبيرة وتعلن تمسكها بالمبادئ السامية للإعلام.
ما هي هذه المبادئ؟ وهل كوننا مهنيين كافٍ للحفاظ على المبدأ؟ أم أن هناك قيودا وضوابط أخرى تحول دون التمسك بالمبادئ أو تزعزعها؟ فكما هي القوانين موجودة، فهناك من يخرق القانون وبالقانون، فما بالكم إذا كان الحديث عن مبادئ أخلاقية؟
أولاً. الصدق والأمانة:
يعتبر الصدق والأمانة من أبرز المعايير التي يجب توفرها في المعلومة المرسلة للمتلقي، فهي أمانة في عنق حراس البوابة الإعلامية وعنق وسيلة الإعلام تجاه الجمهور، فهي من جهة تعكس مصداقية الإعلام، ومن جهة أخرى تظهر مدى احترام الإعلام عقل الجمهور. في الوقت نفسه، إن هناك من يرى أن "الصدق والحقيقة أول المبادئ وأكثرها لبسا>
قد يتسرع البعض في نقل المعلومة ونشرها سعيا وراء سبق صحفي، ما يؤدي إلى نشر معلومة كاذبة قد يدفع الإعلامي ثمنها غاليا، فقد نقلت مراسلة إحدى الفضائيات العربية نبأ مفاده أن تنظيما فلسطينيا تبنى تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، وكان التسرع لدى المراسلة ولدى الفضائية على حد سواء، واضحين، لأن مكالمة واحدة مع التنظيم المذكور كانت كافية للتأكد من صدقية هذه المعلومة أو عدم صدقيتها وتجنيبهما هذه المشكلة، وكانت لحظة تأن وتفكير في حجم الحدث وعدم تلاؤمه مع إمكانات أي تنظيم فلسطيني كافية أيضا لتجنب المشكلة، ولكن هاجس السبق الاعلامي كان دافعهما.
المراسلة المذكورة دفعت ثمن ذلك بأن أوقفت عن العمل لمدة ثلاثة أشهر. وفي العام 2003 أقصي الصحفي الأميركي جايسون بلير عن عمله في صحيفة «نيويورك تايمز» بعد أن تبين أنه قام بكتابة تقارير صحفية مبنية على مقابلات صحفية مفبركة، ما شكل فضيحة كبيرة للصحيفة واهتزازا في مصداقيتها وسمعتها وحتى هذه الحكاية هناك من شكك في صدقيتها واعتبر أن هناك أسبابا غير مهنية وراء إقصائه وهي أسباب عنصرية كونه ذا بشرة سوداء. فمن يؤكد هذه المعلومة أو ينفيها؟
هذا للمثال لا الحصر.
فقد ينقل الإعلامي ما يسمعه بصدق، لكن هل ما سمعه كان الصدق؟ فهناك أطراف قد تستغل الصحفي وتورطه في ترويج معلومة كاذبة لتحقق من خلاله أهدافا غير نظيفة ودون أن تتحمل هذه الأطراف مسؤولية هذا الترويج، بل على العكس، توقع الصحفي في الفخ وتستشهد بما نشره.
وحتى لا يفقد الإعلامي مصداقيته وسمعته، فإن عليه أن يمارس الصدق قولا وفعلا من خلال
1. التأكد من صحة المعلومة ودقتها قبل النشر.
2. نشر المعلومة كاملة دون تبسيط وتهوين أو مبالغة وتهويل.
3. نشر المعلومة في السياق والزمان الصحيحين.
4. نسب المعلومة إلى مصدرها الصحيح.
ثانيا: الموضوعية:
كثيرا ما يخلط الإعلاميون بين مصطلحي الموضوعية وعدم الانحياز وكأنهما مصطلح واحد، علما أن بينهما فرقا كبيرا وهنا يجب التمييز بين المبدأين.
الموضوعية كما يعرفها الدكتور عبد الوهاب المسيري هي إدراك الأشياء على ما هي عليه دون أن تشوبها أهواء أو مصالح أو تحيزات، أي تستند الأحكام إلى النظر إلى الحقائق على أساس العقل، وبعبارة أخرى تعني الموضوعية الإيمان بأن لموضوعات المعرفة وجوداً مادياً خارجيًا في الواقع، وأن الذهن يستطيع أن يصل إلى إدراك الحقيقة الواقعية القائمة في الصحافة بذاتها (مستقلة عن النفس المدركة) إدراكا كاملا. وعلى الجانب الآخر، كلمة الذاتي تعني الفردي، أي ما يخص شخصا واحدا، فإن وصف شخص بأن تفكيره ذاتي فهذا يعني أنه اعتاد أن يجعل أحكامه مبنية على شعوره وذوقه، ويُطلق لفظ ذاتي توسعاً على ما كان مصدره الفكر وليس الواقع.
أما الباحثة والكاتبة (نهلة الشهال)، فلخصت الموضوعية بالصدق وعدم التزوير والاستعداد لسماع التأويل الآخر.
كما قدم لويديك تعريفه الخاص بالموضوعية، وهو: أن يكتب الصحافي خبرا وتجد كل الأطراف المعنية به تؤيد ما ورد فيه. وخلص بعد طرح جملة من الإشكاليات إلى اقتراح “أن نتصارح مع جمهورنا ونخبره أننا لا نقدم له الحقيقة كلها بل جزءاً منها "
أما الصحفي الاستقصائي الأميركي الشهير مارك هنتر فيقول: إذا كانت الحقائق مناقضة لفرضيتك، فغير الفرضية ولا تغير الحقائق. أن تكون حراً اشتراط لكونك موضوعيًا، يعني أنك تتعاطى مع المعلومة كما تقتضي أخلاقيات التعاطي دون ضغط من أحد، وتنقل المعلومة كما هي دون تحريف أو تحوير. فثمة من يضغط باسم المصلحة الوطنية، وهناك من يضغط باسم الأمن القومي وثالث يضغط بدافع مصلحته الاقتصادية، وغير ذلك من الضغوطات.
وإذا كان هناك كثيرون يعتبرون بريطانيا واحة الحرية الإعلامية فإبان الحرب البريطانية على جيش التحرير الإيرلندي في العام 1988، صرحت مارغريت تاتشر أنه:
"وقت الحرب، يجب أن توقف حرياتك المدنية".
وذهب الإعلامي الأميركي هاستنجز أبعد من ذلك حين قال: "عندما تكون دولتك في حرب تصبح التغطية الإعلامية امتدادا للجهود الحربية وتصبح الموضوعية موضة قديمة.
الموضوعية مبدأ مهم لا ينفصل عن المصداقية وبقية المبادئ الأخرى، لكن كثيرين من المنادين به حين يتعلق الأمر بهم وبمصالحهم، يكونون على استعداد لتجاهله وخرقه وتمرير ما يخدم مصالحهم السياسية والاقتصادية وغيرها. وهذا لا يبرر التخلي عن الموضوعية بأي حال من الأحوال.
وبالرغم من توخي الموضوعية والالتزام بها، فإن الإعلاميين يظلون عرضة للانتقاد لأن الموضوعية تعني التعامل مع الحقائق والحقائق في النهاية حلوة للبعض لكنها مرة للبعض الآخر، فيرفض الاعتراف بها ويتهم الصحفي أو وسيلة الإعلام بالتحيز. ويظل هذا الخيط الرفيع بين الموضوعية والتحيز. وقبل أن ندخل في هذا الخلط، فلنحاول الانتقال إلى موضوع الحياد.
يرى إعلاميون أميركيون وغربيون أن "محاولة جعل العالم مكانا أفضل ليست هدفا موضوعيا، فنحن لسنا مجرد مسجلات صوتية ونحن نستقصي إنما إصلاحيون نبتغي الإصلاح، نستخدم الحقائق الموضوعية ونتعامل بموضوعية تجاه الحقائق، ذلك أننا نؤمن بأن أي محاولة لإصلاح العالم ستفشل إن لم تكن قائمة على واقع".
ما من شك أن هناك مدارس إعلامية مختلفة تجاه هذا الموضوع، وأبرزها مدرستان هما: المدرسة الأميركية (الرأسمالية)، التي تقول إن الإعلام يجب أن يكون محايدا (غير منحاز)، ويروجون لهذا المبدأ، وسنرى إن كان دعاة هذا المبدأ يطبقونه عمليا أو ينظرون له قولا فقط. أما المدرسة الثانية، فهي المدرسة (الاشتراكية)، وهي تعلن بلا أي مواربة أن الإعلامي صاحب رسالة ودعوي ومحرض، إذا هو منحاز لجهة ما والاعتراف هنا سيد الأدلة على الانحياز. ونجد ان المدرسة الأولى، تتحدث عن الحياد نظريا، لكن عمليا هم يمارسون الانحياز والتحريض والدعاية دون أن يعترفوا بذلك.
ومن هنا، فإن من يتغنون بالحياد، ينحازون لمدرسة ضد الأخرى. وينقل الدكتور سليمان صالح عن هربرت جانز قوله: "إن الأخبار كلها متحيزة لأنها دائما تعكس منظور شخص أو آخر" وموريس إرنست يقول: "القضية ليست ما إذا كانت الأخبار متحيزة أم لا ولكن تحيزات من تلك التي تلون الأخبار".
إن توخي الدقة والصدق والأمانة والموضوعية يؤدي إلى نقل حقائق، وهذه الحقائق التي توصل إليها الصحفي قد تؤدي به إلى الانحياز لطرف، وهذا يعني أنه انحاز لطرف. السؤال هنا من هو الطرف الذي انحاز إليه؟ هل هو مع المجتمع أم ضد المجتمع؟، فان كان مع المجتمع وتنميته وتطويره، فأين هو الإشكال إذن؟ لا إشكال في الأمر، وإذا سلمنا أن الإعلام هو كذلك وهذا هو هدفه، فمعناه أنه يحمل رسالة ومسؤولية.
وقد تبنى الميثاق الروسي الذي أصدره مؤتمر الصحفيين الروس عام 1994 النص على عدم التزام الصحفي بالحياد 23 أما جمعية الصحفيين في الولايات المتحدة، فقد جاء على لسان رئيسها توم روز نستيل: "الحياد ليس ممكنا حتى من الناحية النفسية".
ولعل الحالة الفلسطينية خير دليل على ذلك. فالأمور واضحة: هناك مشكلة بين جيش يحتل أرضا ويقتل ويسجن ويهجر ويهدم بيوت المواطنين الأصليين ويصادر أرضهم وبين شعب يعيش كل هذا العناء. أين يمكن أن يقف الإعلامي ذو الضمير اليقظ؟ وما المعلومة التي ينقلها؟ وأية رواية يتبنى؟ إن مجرد نقله للحقائق الموضوعية يوصل صورة تدعو المتلقي للانحياز لطرف ما. ويقول قائل إن الحيادية ممكنة في الأخبار. هذا الكلام فيه شيء من الصحة نسبيا.
ثالثاً. الحياد (عدم الانحياز):
خاصة في نظر أولئك الذين يرون في الصحفي «مجرد ساعي بريد» ينقل الرسائل، لكن هذا الرأي لم يصمد أمام الواقع الذي أصبح كل من له صلة بالعملية الإعلامية من قريب أو بعيد هو حارس بوابة. فالأمر يتعلق بمن ينقل وماذا ينقل وكم ينقل ومتى ينقل وكيف ينقل ولمن ينقل من وقائع، وهو ما يحدد أنه منحاز لطرف. أليس هناك من يحجب المعلومات؟ أليس هناك من يبرز معلومة على حساب أخرى؟ هل كل هذه العمليات تتم بصورة عفوية، أم أنها ممنهجة لإيصال رسائل معينة؟
بالمجمل، فإن الإعلام برمته موجود لخدمة طرف ما، مجتمع زعيم حزب سياسي، استعمار، شركة.. إلخ، فمن العبث والمثالية الزائدة أن نتوقع الحياد المطلق. ولو كان الأمر كذلك، لما وجد هذا الكم من وسائل الإعلام وبهذا الكم من التناقضات التي تصل حد التناحر.
ويرى محللون أن اعتماد مصادر معلومات معينة دون أخرى، والاعتماد على المعلومات الرسمية دون غيرها، والانتقائية في المعلومات، يقود بالضرورة إلى التحيز لطرف من الأطراف.
لكن هناك مسألة يمكن أن يتجنبها الإعلامي، ليكون أكثر حيادية وموضوعية، وهي الابتعاد عن التوصيفات سلبية كانت أم إيجابية قدر الإمكان، لأن هذا قد يكون الهدف منه التأثير بالإملاء، وهذا لا يحبذ، لذا، فالأفضل للصحفية أن يترك للمعلومة دور التوضيح، وهي بحد ذاتها تترك حرية التوصيف للمتلقي، فبدلا من أن أصف سلوكا ما بالوحشي أو باللطيف، فلأجعل المعلومة هي التي توصل الفكرة وبالتالي قد يتوصل المتلقي بنفسه إلى وصف السلوك وصفا مناسبا.
رابعاً. التوازن والإنصاف والعدالة:
هذه المبادئ مهمة ومطلوبة في عمل الإعلامية، حين يتعلق الأمر بأكثر من طرف. وفي أغلب الأحوال، نجد لكل قضية أو لكل حدث أكثر من طرف يؤثرون ويتأثرون، يصنعون الحدث أو يقع عليهم الحدث، وفي كل جناية جانٍ ومجني عليه، أو ظالم ومظلوم، أو متهم وبريء. وهذا يتطلب من الصحفية أن يتيح المجال للأطراف المختلفة لتعبر عن نفسها وتدافع وتدلي بما لديها من معلومات ومواقف، ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.
التوازن في التغطية الخبرية للأحداث باعتباره جزءا من حق الجماهير في المعرفة، كما عرفه د. سليمان صالح هو: عرض آراء الأطراف المختلفة في أية قضية محل جدل أو نقاش وتوفير فرص متساوية للأطراف المختلفة. لكن هذا مشروط بتوفير واقع إعلامي متوازن أكثر حرية وعدالة.
بالمجمل، هناك سيطرة لرأس المال على الإعلام، سواء عبر التمويل المباشر أو عبر النفوذ المالي المتغلغل والمؤثر في الواقع السياسي والأمني.
من ناحية ثانية، فإن هناك التأثير المالي غير المباشر، وهو من خلال اعتماد وسيلة الإعلام على المعلن الذي تسعى دائماً لاسترضائه من أجل إعلاناته التي تنشرها أو تبثها. وهذا يجعل الوسيلة تغض النظر عن أي موضوع أو أي قضية قد تؤثر سلبا في العلاقة بينها وبين المعلن.
هذا على المستوى الوطني والمحلي، ولا تختلف الصورة عنها على المستوى الكوني، فهناك دولة عظمى تسيطر على الدول الأصغر منها، تستولي على مقدراتها، تتحكم في توجهاتها وفي ضخ المعلومات والتكنولوجيا. وليس أدل على هذا التحكم مما أصبحنا نراه وبكثرة، كيف أن إدارة فيسبوك مثلا توقف حسابات أو تهدد بوقفها وهي مجرد حسابات لأفراد.
ومع ذلك، نجد أن وسائل إعلام تعلن عن نفسها أنها متوازنة وعادلة وليست طرفا في أي معادلة أو في أي صراع، ولكن إذا تمت متابعتها، سنجد أن هذا التوازن وهذه العدالة في أحسن الأحوال ليست إلا مظاهر شكلية تستخدم ظاهريا، ولكن في جوهرها تخدم المصلحة التي تخدمها وسيلة الإعلام. فكيف يجري التحكم؟
1. انتقاء المتحدثين:
تستضيف الوسيلة ضيفين أحدهما يحمل وجهة نظر الوسيلة والآخر يتبنى وجهة النظر المغايرة، ونجد هناك من يتحكم في اختيار المتحدثين، فيختار شخصية قوية متحدثة تدافع عن وجهة النظر التي تريد تغليبها، ويختار شخصا عصبيا ضعيفا متوترا يدافع عن وجهة النظر الأخرى.
2. التلاعب بالتكنولوجيا
من خلال التحكم بالإضاءة والصوت والحرارة وكل المؤثرات التي يمكن أن تؤثر على المتحدث، فإذا كان سيتحدث لصالحها، ستوفر له الصوت الملائم والإضاءة الملائمة والجلسة المريحة وغير ذلك من الأمور التي تجعله مرتاحا دون أي توتر أو إرهاق، وإذا كان العكس فسيكون العكس تماما، ما يؤدي إلى أن يظهر المتحدث تعبا، أو يبدو صوته متقطعا مشوشا، ويبدو عليه النزق والعصبية ما يؤثر على أدائه وسيكون حديثه مملا، وبالتالي، ينفض الجمهور من حوله.
وهنا، نجد أن الإعلامي ووسيلة الإعلام بطريقة قد تبدو للمتلقي العادي أو المتلقي الساذج محض صدفة، فيما هي مكيدة مدبرة في كواليس إدارة المؤسسة.
3. التحكم في آلية الحوار وإدارة الوقت:
قد يُعطى الشخص المقرب من وسيلة الإعلام الوقت الكافي ليقول ما لديه، فيما المتحدث غير المرغوب فيه، يعطى وقتا أقل ويتعرض لمقاطعة المحاور، وربما تتاح فهل هذا الواقع متوفر؟
الفرصة للمتحدث الآخر أن يقاطعه ويرد عليه، وهذا ما يشوش أفكار المتحدث غير المرغوب فيه أو المختلف، ويربكه ويثير أعصابه، وبالتالي، لا يعطى الوقت ليقول وجهة نظر متكاملة، ومن ثم يفقد أي تأثير في المتلقي.
4. التحكم في توجيه القضية:
يأتي ذلك من خلال توجيه الموضوع الوجهة التي تختارها وسيلة الإعلام وطبيعة الأسئلة المطروحة، وطبيعة المداخلات والأسئلة الإيحائية، والتركيز على تفاصيل صغيرة قد تحرف الحوار عن القضية المركزية، والتركيز على تنميط القضايا والأفراد والاتجاهات، سواء تعلق الأمر بالجنسية أو الدين أو اللون التركيز على أشخاص معينين واستبعاد أشخاص آخرين لا يروقون لوسيلة الإعلام. تهميش معلومة أو رأي لصالح إبراز أو تضخيم معلومة أو رأي آخر.
خامسا. الاستقلالية:
أول شيء تسعى وسيلة الإعلام لتأكيده في تحديد هويتها للجمهور هو وصفها لنفسها بـ "المستقلة" صحيفة مستقلة، مجلة مستقلة، فضائية مستقلة، ثم تكمل بقية الصفات، وذلك بهدف نفض أي غبار حزبي أو سياسي عالق بها حتى توهم المتلقي أنها بريئة من كل ذلك.
وهنا يظهر خوف الوسيلة من أي انتماء أو ارتباط وهو في كثير من الأحوال ارتباط حقيقي ومؤثر في سياستها. وتأتي هذه الاستماتة من أجل إقناع الجمهور باستقلاليتها من أجل تضليله والتغطية على الارتباطات الحقيقية للوسيلة.
الارتباط أو الانتماء ليس شيئا مخجلا، المخجل هو أي تأثير يحدثه هذا الارتباط على القضايا التي تتناولها وسيلة الإعلام، ما هي القضية وكيف يتم تناولها. هل يجري تشويه القضايا والاتجاهات والقوميات من أجل خدمة مصلحة وموقف الطرف المتحكم أم أنها تخدم المجتمع. فلا غضاضة في ارتباط وسيلة الإعلام بمن يهدف لخدمة المجتمع ونمائه وتطويره والدفاع عن حقوقه.
لكن الحقيقة التي لا يمكن لأحد أن يتجاهلها هي من يقف وراء وسيلة الإعلام، ولماذا أنشأها وبعد الوقوف على ذلك سيتبين لنا ما إذا كانت الاستقلالية حقيقية أم هي مجرد ديباجة أو شعار.
الاستقلالية لا تعني أن وسيلة الإعلام والعاملين فيها أناس ليس لهم دور سوى نقل المعلومة، لكن المعنى أن الوسيلة لها موقفها الثابت من القضايا المختلفة ولا يخضع لتأثيرات خارجية بفعل الحاجة للمال أو أي مبرر آخر. يعني عدم تسليع وسيلة الإعلام وجهوزيتها لتكون رهن يمين من يشتري هذا الموقف أو رهن إشارة من يبيع ذاك. بمعنى أنه لا توجد وسيلة إعلام وجدت من فراغ، وليس هناك من هو مستعد لصرف عشرات ومئات الآلاف والملايين من دون هدف. الهدف واحد من اثنين: إما الدفاع عن موقف ورؤى وثقافة يؤمن بها أصحاب وسيلة الإعلام، وإما الربح المادي. وهذا هو المحدد لاستقلالية المؤسسة من عدمه. فإذا كان يخدم رسالة معينة (حزبية أو وطنية أو حكومية)، فإنه سيسعى لتحقيق هدفه، وإن كان يهدف إلى الربح المادي، فسيسعى إلى اجتذاب من يحقق له هذا الهدف وبشكل أسرع. وفي بعض الحالات، نجد وسائل إعلام تسعى للتوفيق بين الهدفين معا.
وعليه، فإن الإعلامي يوضع بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن يتساوق مع ما يتطلبه موقعه الوظيفي حفاظا على وظيفته وراتب آخر الشهر، حتى لو كان ذلك مخالفا للإنسانية، أو أن يكون إعلاميا إنسانا يدافع عن إنسانيته وقيمه ويرسخها حتى لو اختلف مع رب عمله.
وهذا يأتي انسجاما مع اعتبار الصحافة سلطة رابعة، فمن دون ذلك لا تكون الصحافة هذه السلطة، اللهم إلا إذا تحولت هذه السلطة إلى أداة لحرف الأمور عن طريقها وتضليل الجمهور والرأي العام وتزوير الحقائق لخدمة مصالح أفراد أو جماعة أو حكومة معينة على حساب المجتمع والأخلاق المهنية. قبل الخروج من هذا الفصل، لا بد من التذكير بالأمور التالية:
- إن المعايير المهنية سالفة الذكر معايير لا يحددها قانون معين بقدر ما تنظمها أخلاق الصحفي وما تسمح به هذه الأخلاق أو لا تسمح به.
- هذه المعايير نسيج متشابك نسجته الطبيعة البشرية وصراع المصالح، لذا، ليس من السهل على أي إعلامي أو وسيلة إعلام أن يفصلها عن بعضها البعض، أي أن يلتزم بمعيار ويهمل آخر.
- هذه المعايير نسبية وليست كاملة أو مطلقة. تتنازعها المصالح، وبقدر ما تكون المصالح وأصحابها مرنة بقدر ما تتاح إمكانية التحرك في حدودها.
- في كافة الأحوال، فإن الإعلامي ونتيجة لهذا التشابك والاشتباك في المفاهيم وفي كيفية تفسير ذلك فقد يكون ضحية ويجد نفسه أمام المساءلة دون أن يرتكب خطأ أو خطيئة، لذا لا بد له من التعرف على حيثيات القانون من ناحية، ومن ناحية أخرى، عليه توثيق الحقائق والتأكد منها والابتعاد عما يعتبر موضع شك أو تردد.
- الاعتماد بشكل أساسي على المعلومات ودقتها لا على توصيف المعلومة، فربما يقع التوصيف في دائرة الاشتباه والقدح والذم والتشهير.
- الصحفي قد يكون أول من يدفع الثمن، وقد تتخلى عنه المؤسسة التي يعمل فيها إذا أحست أنه سيلحق بها الضرر. لذلك، فليكن الصحفي دقيقا وموثقا للحقائق والأقوال، وعدم حرف الأقوال عن مقاصدها التي قيلت فيها والسياقات التي جاءت ضمنها والقدرة على إثبات ذلك بالوثائق حتى تثبت دقته وصحته ونزاهته عن المقاصد الشخصية، وعدم شخصنة الأمور.
- ما ينطبق على المعلومة أو الشهادة ينطبق أيضًا على الصورة، خاصة أننا في زمن الفوتوشوب وغير ذلك من البرامج والمهارات التي قد تخضع الصورة لعمليات قص وتقطيع وإضافة أو إزاحة شيء ما، أو استغلال أو استخدام الصورة استخداما مغرضا، وليس في زمانها ومكانها المناسبين.
- هناك مقولة معروفة: «التكنولوجيا الرقمية هي اختبار حقيقي لأخلاقيات مهنة الصحافة». وهذا معناه أن الصحافة قد تنجح في هذا الامتحان وقد تسقط فيه.
الاكثر قراءة في اخلاقيات الاعلام
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)