قد ذكر العلّامة آية الله مير حامد حسين الهنديّ في كتابه النفيس الثمين «عبقات الأنوار» مائة وستّين وجهاً[1] فضح بها البخاريّ وأخزاه وحيّره حتى أنّه لم يدع له حيلةً يلوذ بها.
يقول: فمن الجدير ذكره أنّ البخاريّ قال في تاريخه الصغير الذي أحتفظ منه بنسخة وللّه الحمد: «قال أحمد في حديث عبد الملك عن عطيّة، عن أبي سعيد، قال النبيّ صلى الله عليه وآله: تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ. أحاديث الكوفيّين هذه مناكير».
لمّا كان هذا الكلام الغريب الذي صدر عن البخاريّ الجليل مدعاةً لإخجال أنصار هذا الإمام الكبير، لأنّ الحقيقة واضحة كالشمس في رائعة النهار لمن له أدنى تتبّع في مصنَّفات المحقّقين وهي أنّ الإمام أحمد روى حديث الثقلين بطرق عديدة، وأسانيد سديدة، وروايات متكثّرة، وسياقات متوافرة. وضاعف تأييده وتشييده وتوكيده وتوطيده؛ فكيف يقدح في هذا الحديث الشريف العياذ بالله مثل هذا الجهبذ الجليل والناقد العديم المثيل الذي ينظر إليه أهل السُّنّة أنّه جُهَينة الأخبار وعيبة الأسرار وحافظ الأحاديث والآثار ونافي الكذب عن النبيّ المختار عليه وآله الأطهار آلاف السلام من الملك الغفّار؟ فيقحم نفسه في زمرة الناصبين الجاحدين الهالكين ويدخل في مصافّ المنكرين المعاندين الضالّين!
وكيف لم يسمع هذا الكلام السديد، في حين أنت علمتَ سابقاً بحمد الله تعالى أنّ الإمام أحمد ذكر طرقه العديدة خاصّة في مسنده الكريم الذي لا تكفي الطوامير الطويلة لتبيين جلالة رتبته وعظمة منزلته حسب ما أفاده الأعلام. ونقله عن زيد بن أرقم بطريقين، وأخرجه عن زيد بن ثابت بسندين، ورواه من حديث أبي سعيد الخُدريّ بأربعة وجوه.
فافتراء القدح في هذا الحديث الشريف وتجريحه على مثل هذا الثبت المؤيّد والمؤسّس المشيّد عجيب صدوره من أصحاب البخاريّ مع يقظتهم وفطنتهم وحزمهم ووعيهم، بل جدّ عجيب. وأنّه ليبعث على الامتعاض بالنسبة إلى أتباعه وأشياعه الذين شمّروا عن ساعد الجدّ في إصلاح فاسده وترويج كاسده، ورتق فتقه، ورفو خرقه.[2]
وأمّا القول في بطلان كلام ابن الجوزيّ فقد ورد مفصّلًا، وأورد شهادات علماء العامّة دليلًا على بطلان كلامه، منها كلام السمهوديّ الذي قال: «و من العجيب ذكر ابن الجوزيّ له في «العلل المتناهية»، فإيّاك أن تغترّ به، وكأنّه لم يستحضره حينئذٍ إلّا عن هذه الطرق الواهية.[3] وهو لم يبيّن بقيّة طرق الحديث، إذ روى في «صحيح مسلم» وغيره عن زيد بن أرقم أنّه... وأخرجه الحاكم في مستدركه من ثلاثة طرق، وقال كلّ منهم: هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه».[4]
ومنه أنّه قال: ومن الصنائع الشنيعة والبدائع الفظيعة والغرائب البادية العوار والعجائب الواضحة الشَّنار أنّ ابن الجوزيّ تعامي تعامياً صريحاً عن جميع الطرق والأسانيد الكثيرة المنيرة لهذا الحديث الشريف مع طول باعه وسعة اطّلاعه، وغزارة علومه الدينيّة، ومهارته في الفنون اليقينيّة، وتقدّمه في علم الحديث والأثر، وتفوّقه على الناقدين من أهل النظر، إلى غير ذلك من المفاخر الباهرة والمآثر الزاهرة التي ثبّتها له أهل السنّة بمبالغة وإغراق، وروى هذا الخبر المنيف بسند طريف، وأدرجه في كتاب «العلل المتناهية في الأحاديث الواهية» من وحي نصبه وعدوانه وغاية بغضه وشنآنه لأهل بيت سيّد الإنس والجانّ عليه وعليهم آلاف السلام من الملك المنّان علماً أنّ موضوع كتابه المذكور بيان الأحاديث الواهية المتزلزلة الكثيرة الزلل، الجمّة العلل.
وأعلن عن مشاقّته ومخالفته بزعمه عدم صحّة الحديث، وقدحه في رجال سنده، بل رفع راية المنابذة والمعاندة للإسلام وأهله كما قال ذلك في كتابه....[5]
[1] «عبقات الأنوار» ج 2، ص 824 إلى 905، من حديث الثقلين، طبعة إصفهان.
[2] «العبقات» ج 2، ص 824 و825.
[3] أورد آية الله مير حامد حسين في عبقاته، ج 1، ص 220 و221 نقلًا عن العلّامة السخاويّ في «استجلاب ارتقاء الغرف» في ذكر هذا الحديث الشريف أنّه قال: وتعجّبت من إيراد ابن الجوزيّ له في «العلل المتناهية»، بل أعجب من ذلك قوله: «إنّه حديث لا يصحّ» مع ما سيأتي من طرقه التي بعضها في «صحيح مسلم»، لأنّ مسلماً أخرج في صحيحه حديث زيد من طريق سعيد بن مسروق، وأبي حيّان يحيى بن سعيد بن حيّان وكلاهما -اللفظ للثاني- عن يزيد بن حيّان عمّ ثانيهما، عن زيد بن أرقم. ويذكر هنا حديث زيد مفصّلًا (الكلام).
[4] «العبقات» ج 2، ص 638 و639، عن نور الدين السمهوديّ في كتاب «جواهر العقدين».
[5] «العبقات» ج 2، ص 836.