أفضل من الكلام الوارد في هذه الفقرات الدعائيّة التي أنشأها الإمام عليه السلام يوم عرفة مبتهلًا بها إلى الله تعالى. ولم أجد ما قاله العلماء والادباء والشعراء والمؤرّخون والمفسّرون والحكماء الأجلّاء والعرفاء ذوي العزّة والاعتبار منذ عصر الإمام حتى الآن كهذا الكلام الذي يناسب كثيراً كتابنا الحالى الدائر حول الإمامة والإمام، والخلافة والخليفة، والولاية والوليّ.
وعلى الرغم من أنّ البحث في «معرفة الإمام» وتعريف حقيقته وولايته التي ترشّحت من أعماقه على شكل عبائر دعائيّة لا تنحصر بهذا الدعاء وفقراته،[1] بيد أنّا إذا لاحظنا هذا المقدار المذكور يستبين لنا كيف أماط الإمام عليه السلام اللثام عن حقيقة الإمامة والخلافة، وكيف بيّن مكانتها، وواجب الامّة حيالها، ولزوم وجود الإمام في كلّ عصر وزمان! ويتسنّى لنا أن نستنتج ونستخرج ونستنبط جميع مضامين الأدعية والزيارات التي ذكرها الأئمّة عليهم السلام، وأبواب التوحيد والولاية المذكورة في هذه الأخبار مفصّلًا من هذه الفقرات القصيرة المختصرة. ونجعلها في الحقيقة مصدراً وينبوعاً رائقاً سلسالًا نتمثّله في كلمات الإمام الباقر، والإمام الصادق، والإمام الرضا، وسائر الأئمّة عليهم السلام. ونأخذ
منها الاحتجاجات والاستشهادات والشروح المفصّلة الدائرة حول مقام الوحدة الإلهيّة، والنبوّة المصطفويّة والولاية المرتضويّة حتى الإمام الحجّة ابن الحسن العسكريّ أرواحنا فداه.
ويواصل الإمام عليه السلام حديثه أيضاً في هذا الدعاء المنيف، إلى أن يقول:
وَإنِّي وإنْ لَمْ اقَدِّمْ مَا قَدَّمُوهُ مِنَ الصَّالِحَاتِ فَقَدْ قَدَّمْتُ تُوحِيدَكَ ونَفْيَ الأضْدادِ والأندادِ والأشْباهِ عَنْكَ، وأتَيْتُكَ مِنَ الأبْوَابِ التي أمَرْتَ أنْ يُؤْتَى مِنْهَا، وتَقَرَّبْتُ إلَيْكَ بِمَا لَا يَقْرُبُ أحَدٌ مِنْكَ إلَّا بِالتَّقَرُّبِ بِهِ.
ثُمَّ أتْبَعْتُ ذَلِكَ بِالإنَابَةِ إلَيْكَ، والتَّذَلُّلِ والاسْتِكَانَةِ لَكَ، وحُسْنَ الظَّنِّ بِكَ، والثَّقَةِ بِمَا عِنْدَكَ، وشَفَعْتُهُ بِرَجَائِكَ الذي قَلَّ مَا يَخِيبُ عَلَيْهِ رَاجِيكَ.[2]
ويستمرّ الإمام عليه السلام في دعائه على هذا المنوال، إلى أن يقول: بِحَقِّ مَنِ انْتَجَبْتَ مِنْ خَلْقِكَ، وبِمَنِ اصْطَفَيْتَهُ لِنَفْسِكَ!
بِحَقِّ مَنِ اخْتَرْتَ مِنْ بَرِيَّتِكَ ومَنِ اجْتَبيتَ لِشَأنِكَ!
بِحَقِّ مَنْ وَصَلْتَ طَاعَتَهُ بِطَاعَتِكَ، ومَنْ جَعَلْتَ مَعْصِيَتَهُ كَمَعْصِيَتِكَ!
بِحَقِّ مَنْ قَرَنْتَ مُوالاتَهُ بِمُوالاتِكَ، ومَنْ نُطْتَ مُعَادَاتَهُ بِمَعَادَاتِكَ؛ تَغَمَّدْنِي في يَوْمِي هَذَا بِمَا تَتَغَمَّدُ بِهِ مَنْ جَأرَ إلَيْكَ مُتَنَصِّلًا، وعَاذَ بِاسْتِغْفَارِكَ تَائِباً![3]
[1] كما جاء في الفقرة 25 من الدعاء الثاني: الصلاة على محمّد وآل محمّد، والفقرة 24 من الدعاء السادس: دعاؤه عند الصباح والمساء، والفقرة 6 من الدعاء الثالث والعشرين: دعاؤه بالعافية، والفقرة 4 من الدعاء الرابع والعشرين: دعاؤه لأبويه، والفقرة 1 من الدعاء السادس والعشرين: دعاؤه لجيرانه وأوليائه، والفقرة 5 من الدعاء الرابع والثلاثين: دعاؤه إذا ابتلى أو رأى مبتلى بفضيحة أو ذنبٍ، والفقرات 3، 6، 9، 10، 11، 12 من الدعاء الثامن والأربعين: دعاؤه في يوم الأضحى والجمعة.
[2] «الصحيفة السجّاديّة الكاملة» الدعاء 47، الفقرتان 72 و73.
[3] «الصحيفة السجّاديّة الكاملة» الدعاء 47، الفقرة 86.