ويشترط [في الشهود] ستة أوصاف:
الأول: البلوغ فلا تقبل شهادة الصبي ما لم يصر مكلفا و قيل تقبل مطلقا إذا بلغ عشرا و هو متروك و اختلفت عبارة الأصحاب في قبول شهادتهم في الجراح و القتل (فروى جميل عن أبي عبد الله ع: تقبل شهادتهم في القتل و يؤخذ بأول كلامهم) و مثله روى محمد بن حمران عن أبي عبد الله عليه السلام قال الشيخ في النهاية تقبل شهادتهم في الجراح و القصاص و قال في الخلاف تقبل شهادتهم في الجراح ما لم يتفرقوا إذا اجتمعوا على مباح و التهجم على الدماء بخبر الواحد خطر فالأولى الاقتصار على القبول في الجراح بالشروط الثلاثة بلوغ العشر و بقاء الاجتماع إذا كان على مباح تمسكا بموضع الوفاق.
الثاني: كمال العقل فلا تقبل شهادة المجنون إجماعا أما من يناله الجنون أدوارا فلا بأس بشهادته في حال إفاقته لكن بعد استظهار الحاكم بما يتيقن معه حضور ذهنه و استكمال فطنته و كذا من يعرض له السهو غالبا فربما سمع الشيء و أنسي بعضه فيكون ذلك مغيرا لفائدة اللفظ و ناقلا لمعناه فحينئذ يجب الاستظهار عليه حتى يستثبت ما يشهد به و كذا المغفل الذي في جبلته البله فربما استغلط لعدم تفطنه لمزايا الأمور فالأولى الإعراض عن شهادته ما لم يكن الأمر الجلي الذي يتحقق الحاكم استثبات الشاهد له و أنه لا يسهو في مثله.
الثالث: الإيمان فلا تقبل شهادة غير المؤمن و إن اتصف بالإسلام لا على مؤمن و لا على غيره لاتصافه بالفسق و الظلم المانع من قبول الشهادة نعم تقبل شهادة الذمي خاصة في الوصية إذا لم يوجد من عدول المسلمين من يشهد بها و لا يشترط كون الموصي في غربة و باشتراطه رواية مطرحة.
ويثبت الإيمان بمعرفة الحاكم أو قيام البينة أو الإقرار و هل تقبل شهادة الذمي على الذمي قيل لا و كذا لا تقبل على غير الذمي و قيل تقبل شهادة كل ملة على ملتهم و هو استناد إلى رواية سماعة و المنع أشبه.
الرابع: العدالة إذ لا طمأنينة مع التظاهر بالفسق و لا ريب في زوالها بمواقعة الكبائر كالقتل و الزنى و اللواط و غصب الأموال المعصومة و كذا بمواقعة الصغائر مع الإصرار أو في الأغلب أما لو كان في الندرة فقد قيل لا يقدح لعدم الانفكاك منها إلا فيما يقل فاشتراطه التزام للأشق و قيل يقدح لإمكان التدارك بالاستغفار و الأول أشبه.
وربما توهم واهم أن الصغائر لا تطلق على الذنب إلا مع الإحباط و هذا بالإعراض عنه حقيق فإن إطلاقها بالنسبة و لكل فريق اصطلاح و لا يقدح في العدالة ترك المندوبات و لو أصر مضربا عن الجميع ما لم يبلغ حدا يؤذن بالتهاون بالسنن
وهنا مسائل ، الأولى: كل مخالف في شيء من أصول العقائد ترد شهادته سواء استند في ذلك إلى التقليد أو إلى الاجتهاد و لا ترد شهادة المخالف في الفروع من معتقدي الحق إذا لم يخالف الإجماع و لا يفسق و إن كان مخطئا في اجتهاده.
الثانية: لا تقبل شهادة القاذف و لو تاب قبلت وحد التوبة أن يكذب نفسه و إن كان صادقا و يوري باطنا و قيل يكذبها إن كان كاذبا و يخطئها في الملإ إن كان صادقا و الأول مروي و في اشتراط إصلاح العمل زيادة عن التوبة تردد و الأقرب الاكتفاء بالاستمرار لأن بقاءه على التوبة إصلاح و لو ساعة و لو أقام بينة بالقذف أو صدقه المقذوف فلا حد عليه ولا رد.
الثالثة: اللعب بآلات القمار كلها حرام كالشطرنج و النرد و الأربعة عشر و غير ذلك سواء قصد اللهو أو الحذق أو القمار.
الرابعة: شارب المسكر ترد شهادته و يفسق خمرا كان أو نبيذا أو بتعا أو منصفا أو فضيخا ولو شرب منه قطرة و كذا الفقاع و كذا العصير إذا غلى من نفسه أو بالنار و لو لم يسكر إلا أن يغلي حتى يذهب ثلثاه أما غير العصير من التمر أو البسر فالأصل أنه حلال ما لم يسكر و لا بأس باتخاذ الخمر للتخليل.
الخامسة: مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب يفسق فاعله وترد شهادته وكذا مستمعه سواء استعمل في شعر أو قرآن و لا بأس بالحداء به و يحرم من الشعر ما تضمن كذبا أو هجاء مؤمن أو تشبيبا بامرأة معروفة غير محللة له وما عداه مباح والإكثار منه مكروه.
السادسة: الزمر و العود و الصنج و غير ذلك من آلات اللهو حرام يفسق فاعله و مستمعه و يكره الدف في الأملاك و الختان خاصة.
السابعة: الحسد معصية و كذا بغضة المؤمن والتظاهر بذلك قادح في العدالة.
الثامنة: لبس الحرير للرجال في غير الحرب اختيارا محرم ترد به الشهادة و في المتكإ عليه و الافتراش له تردد و الجواز مروي و كذا يحرم التختم بالذهب و التحلي به للرجال.
التاسعة: اتخاذ الحمام للأنس و إنفاذ الكتب ليس بحرام وإن اتخذها للفرجة و التطير فهو مكروه و الرهان عليها قمار.
العاشرة: لا ترد شهادة أحد من أرباب الصنائع المكروهة كالصياغة و بيع الرقيق و لا من أرباب الصنائع الدنية كالحياكة و الحجامة و لو بلغت في الدناءة كالزبال و الوقاد لأن الوثوق بشهادته مستند إلى تقواه.
الخامس: ارتفاع التهمة ويتحقق المقصود ببيان مسائل: الأولى: لا تقبل شهادة من يجر بشهادته نفعا كالشريك فيما هو شريك فيه و صاحب الدين إذا شهد للمحجور عليه و السيد لعبده المأذون و الوصي فيما هو وصي فيه و كذا لا تقبل شهادة من يستدفع بشهادته ضررا كشهادة أحد العاقلة بجرح شهود الجناية و كذا شهادة الوكيل و الوصي بجرح شهود المدعي على الموصي أو الموكل.
الثانية: العداوة الدينية لا تمنع القبول فإن المسلم تقبل شهادته على الكافر أما الدنيوية فإنها تمنع سواء تضمنت فسقا أو لم تتضمن و تتحقق العداوة بأن يعلم من حال أحدهما السرور بمساءة الآخر و المساءة بسروره أو يقع بينهما تقاذف وكذا لو شهد بعض الرفقاء لبعض على القاطع عليهم الطريق لتحقق التهمة أما لو شهد العدو لعدوه قبلت لانتفاء التهمة.
الثالثة: النسب وإن قرب لا يمنع قبول الشهادة كالأب لولده و عليه و الولد لوالده و الأخ لأخيه و عليه و في قبول شهادة الولد على والده خلاف و المنع أظهر سواء شهد بمال أو بحق متعلق ببدنه كالقصاص و الحد و كذا تقبل شهادة الزوج لزوجته و الزوجة لزوجها مع غيرها من أهل العدالة و منهم من شرط في الزوج الضميمة كالزوجة و لا وجه له و لعل الفرق إنما هو لاختصاص الزوج بمزيد القوة في المزاج من أن تجذبه دواعي الرغبة و الفائدة تظهر لو شهد فيما يقبل فيه شهادة الواحد مع اليمين و تظهر الفائدة في الزوجة لو شهدت لزوجها في الوصية و تقبل شهادة الصديق لصديقه و إن تأكدت بينهما الصحبة و الملاطفة لأن العدالة تمنع التسامح.
الرابعة: لا تقبل شهادة السائل في كفه لأنه يسخط إذا منع و لأن ذلك يؤذن بمهانة النفس فلا يؤمن على المال و لو كان ذلك مع الضرورة نادرا لم يقدح في شهادته.
الخامسة: تقبل شهادة الأجير والضيف وإن كان لهما ميل إلى المشهود له لكن يرفع التهمة تمسكهما بالأمانة.
لواحق هذا الباب وهي ست ، الأولى: الصغير و الكافر و الفاسق المعلن إذا عرفوا شيئا ثم زال المانع عنهم فأقاموا تلك الشهادة قبلت لاستكمال شرائط القبول ولو أقامها أحدهم في حال المانع فردت ثم أعادها بعد زوال المانع قبلت وكذا العبد لو ردت شهادته على مولاه ثم أعادها بعد عتقه أو الولد على أبيه فردت ثم مات الأب وأعادها أما الفاسق المستتر إذا أقام فردت ثم تاب وأعادها فهنا تهمة الحرص على دفع الشبهة عنه - لاهتمامه بإصلاح الظاهر لكن الأشبه القبول.
الثانية: قيل لا تقبل شهادة المملوك أصلا وقيل تقبل مطلقا و قيل تقبل إلا على مولاه و منهم من عكس و الأشهر القبول إلا على المولى و لو أعتق قبلت شهادته و على مولاه و كذا حكم المدبر و المكاتب المشروط أما المطلق إذا أدى من مكاتبته شيئا قال في النهاية تقبل على مولاه بقدر ما تحرر منه و فيه تردد أقربه المنع.
الثالثة: إذا سمع الإقرار صار شاهدا و إن لم يستدعه المشهود عليه وكذا لو سمع اثنين يوقعان عقدا كالبيع و الإجارة و النكاح و غيره و كذا لو شاهد الغصب أو الجناية و كذا لو قال له الغريمان لا تشهد علينا فسمع منهما أو من أحدهما ما يوجب حكما و كذا لو خبئ فنطق المشهود عليه مسترسلا.
الرابعة: التبرع بالشهادة قبل السؤال يطرق التهمة فيمنع القبول أما في حقوق الله أو الشهادة للمصالح العامة فلا يمنع إذ لا مدعي لها و فيه تردد.
الخامسة: المشهور بالفسق إذا تاب لتقبل شهادته الوجه أنها لا تقبل حتى يستبان استمراره على الصلاح وقال الشيخ يجوز أن يقول تب أقبل شهادتك.
السادسة: إذا حكم الحاكم ثم تبين في الشهود ما يمنع القبول فإن كان متجددا بعد الحكم لم يقدح و إن كان حاصلا قبل الإقامة و خفي عن الحاكم نقض الحكم إذا علم.
الوصف السادس: طهارة المولد فلا تقبل شهادة ولد الزنى أصلا و قيل تقبل في اليسير مع تمسكه بالصلاح و به رواية نادرة و لو جهلت حاله قبلت شهادته و إن نالته بعض الألسن.