0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

النبي الأعظم محمد بن عبد الله

أسرة النبي (صلى الله عليه وآله)

آبائه

زوجاته واولاده

الولادة والنشأة

حاله قبل البعثة

حاله بعد البعثة

حاله بعد الهجرة

شهادة النبي وآخر الأيام

التراث النبوي الشريف

معجزاته

قضايا عامة

الإمام علي بن أبي طالب

الولادة والنشأة

مناقب أمير المؤمنين (عليه السّلام)

حياة الامام علي (عليه السّلام) و أحواله

حياته في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)

حياته في عهد الخلفاء الثلاثة

بيعته و ماجرى في حكمه

أولاد الامام علي (عليه السلام) و زوجاته

شهادة أمير المؤمنين والأيام الأخيرة

التراث العلوي الشريف

قضايا عامة

السيدة فاطمة الزهراء

الولادة والنشأة

مناقبها

شهادتها والأيام الأخيرة

التراث الفاطمي الشريف

قضايا عامة

الإمام الحسن بن علي المجتبى

الولادة والنشأة

مناقب الإمام الحسن (عليه السّلام)

التراث الحسني الشريف

صلح الامام الحسن (عليه السّلام)

أولاد الامام الحسن (عليه السلام) و زوجاته

شهادة الإمام الحسن والأيام الأخيرة

قضايا عامة

الإمام الحسين بن علي الشهيد

الولادة والنشأة

مناقب الإمام الحسين (عليه السّلام)

الأحداث ما قبل عاشوراء

استشهاد الإمام الحسين (عليه السّلام) ويوم عاشوراء

الأحداث ما بعد عاشوراء

التراث الحسينيّ الشريف

قضايا عامة

الإمام علي بن الحسين السجّاد

الولادة والنشأة

مناقب الإمام السجّاد (عليه السّلام)

شهادة الإمام السجّاد (عليه السّلام)

التراث السجّاديّ الشريف

قضايا عامة

الإمام محمد بن علي الباقر

الولادة والنشأة

مناقب الإمام الباقر (عليه السلام)

شهادة الامام الباقر (عليه السلام)

التراث الباقريّ الشريف

قضايا عامة

الإمام جعفر بن محمد الصادق

الولادة والنشأة

مناقب الإمام الصادق (عليه السلام)

شهادة الإمام الصادق (عليه السلام)

التراث الصادقيّ الشريف

قضايا عامة

الإمام موسى بن جعفر الكاظم

الولادة والنشأة

مناقب الإمام الكاظم (عليه السلام)

شهادة الإمام الكاظم (عليه السلام)

التراث الكاظميّ الشريف

قضايا عامة

الإمام علي بن موسى الرّضا

الولادة والنشأة

مناقب الإمام الرضا (عليه السّلام)

موقفه السياسي وولاية العهد

شهادة الإمام الرضا والأيام الأخيرة

التراث الرضوي الشريف

قضايا عامة

الإمام محمد بن علي الجواد

الولادة والنشأة

مناقب الإمام محمد الجواد (عليه السّلام)

شهادة الإمام محمد الجواد (عليه السّلام)

التراث الجواديّ الشريف

قضايا عامة

الإمام علي بن محمد الهادي

الولادة والنشأة

مناقب الإمام علي الهادي (عليه السّلام)

شهادة الإمام علي الهادي (عليه السّلام)

التراث الهاديّ الشريف

قضايا عامة

الإمام الحسن بن علي العسكري

الولادة والنشأة

مناقب الإمام الحسن العسكري (عليه السّلام)

شهادة الإمام الحسن العسكري (عليه السّلام)

التراث العسكري الشريف

قضايا عامة

الإمام محمد بن الحسن المهدي

الولادة والنشأة

خصائصه ومناقبه

الغيبة الصغرى

السفراء الاربعة

الغيبة الكبرى

علامات الظهور

تكاليف المؤمنين في الغيبة الكبرى

مشاهدة الإمام المهدي (ع)

الدولة المهدوية

قضايا عامة

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

ولاية العهد للإمام الرضا "ع"

المؤلف:  السيد محمد هادي الميلاني

المصدر:  قادتنا كيف نعرفهم

الجزء والصفحة:  ج4، ص258-268

2026-05-24

36

+

-

20

في سنة 198 هجرية بعد قتل محمّد الأمين ، وانتقال السلطة إلى أخيه عبد الله المأمون ، أحسّ المأمون أنّ الأخطار تهدد دولته من جميع الجهات .

ففي الكوفة : خرج أبو السرايا يدعو لمحمّد بن إبراهيم بن إسماعيل بن الحسن ابن الحسن بن علي عليه السّلام وبايعه الناس .

وفي المدينة : خرج محمّد بن سليمان بن داود بن الحسن ، والحسن بن الحسين ابن علي بن الحسين المعروف بالأفطس ، ودعا إلى ابن طباطبا فلما مات ابن طباطبا دعا إلى نفسه ، واشتعلت الثورات في أنحاء دولة المأمون ، ومع كل ثائر عشرات الألوف يناصرونه على أولئك الجبابرة الذين أقاموا عروشهم على جماجم الأبرياء والصلحاء وقتل الأئمة المعصومين محمّد بن علي الباقر وجعفر بن محمّد الصادق وموسى بن جعفر الكاظم عليه السّلام .

وكانت دولة بني العباس مهددة بالأخطار وكانت أكثر حركات التمرد بقيادة العلويين .

وأدرك المأمون في تلك الفترة - وفي أول خلافته - حراجة الموقف وأخطاره فلم يجد لبقاء دولته وسيلةً أنفع من التظاهر بالتشيع ، وبرغبته في التنازل عن الخلافة إلى الإمام الرضا عليه السّلام ، وهو يعلم أن الإمام سيرفض ذلك ، وكان الأمر كذلك . وأخيراً أكرهه على ولاية العهد والإقامة معه في بلد واحد وتظاهر نفاقاً بالولاء له ولآبائه ، وأمر الولاة بالدعوة للرضا عليه السّلام على المنابر .

وما يهمه من هذا التضليل إلاّ أن يتلافى مشكلة العلويين الذين كانوا يهددون دولة المأمون ، وأن يطمئن على موقف الشيعة من خلافته ، ولكن المأمون كان يضمر السوء بأن يجعل من الإمام واجهة يستر بها أهدافه ومصالحه ، كما يشير إلى ذلك ما جاء في جوابه لبني العباس عندما اعترض عليه بعضهم قائلا : يا أمير المؤمنين ، أعيذك بالله أن يكون تاريخ الخلفاء في أخراجك هذا الشرف العميم والفخر العظيم من بيت ولد العبّاس إلى بيت ولد علي ، أعتب على نفسك وأهلك ، جئت بهذا الساحر من ولد السحرة ، وقد كان خاملا فأظهرته ، ووضيعاً فرفعته ، ومنسياً فذكرت به ، ومستخفّاً به فنوهت به ، قد ملأ الدنيا مخرقةً وتشوقاً . . . ما أخوفني أن يخرج هذا الأمر عن ولد العباس إلى ولد علي ، بل ما أخوفني أن يتوصل بسحره إلى إزالة نعمتك والتوثب على مملكتك ، هل جنا أحد على نفسه وملكه مثل جنايتك ؟

فقال المأمون : قد كان هذا الرجل مستتراً عنا يدعو إلى نفسه فأردنا أن نجعله وليّ عهدنا ليكون دعاؤه إلينا ، ولنعرف ما يخالفه والملك لنا ، وليعتقد فيه المعترفون به انه ليس مما ادعى في قليل ولا كثير ، وأن هذا الأمر لنا من دونه ، وقد خشينا إن تركناه على تلك الحالة أن يتفق علينا منه ما لا نسدّه ، ويأتي علينا ما لا نطيقه ، والآن وإذ قد فعلنا به ما قد فعلنا وأخطأنا في أمره ما أخطأنا وأشرفنا من الهلاك - بالتنويه به - على ما أشرفنا ، فليس يجوز التهاون في أمره ، ولكنا نحتاج أن نضع منه قليلا قليلا حتى نصوّره عند الرعايا بصورة من لا يستحق هذا الأمر ، ثم ندبّر فيه بما يحسم عنا مواد بلائه "[1].

وبالفعل نجح المأمون في هذا التدبير ، فلم يحدث التاريخ بأن أحداً من العلويين خرج على المأمون أو تحرك ضده خلال السنتين اللتين عاشهما الإمام الرضا عليه السّلام بعد ولاية العهد ، مراعاة لجانب الإمام ، وعامة الشيعة كانوا يعتبرون الإمام شريكاً في الحكم .

وكان الإمام في بيت والمأمون وضع عليه رقابة تحصي عليه أنفاسه ، وضيق عليه ومنع عنه مواليه وخاصته ، ولم يتكلم الإمام في داره بشئ إلاّ يبلغه الحاجب ولم يفسح المجال لبيان ما هو الواقع إلاّ لبعض خواصه سراً .

قال محمّد بن عرفة : " قلت للرضا عليه السّلام : يا ابن رسول الله ما حملك على الدخول في ولاية العهد ؟ فقال : ما حمل جدي أمير المؤمنين على الدخول في الشورى "[2].

قال الريان بن الصلت : " دخلت على علي بن موسى الرضا عليه السّلام ، فقلت له : يا ابن رسول الله ، الناس يقولون : إنك قبلت ولاية العهد مع اظهارك الزهد في الدنيا ، فقال عليه السّلام : قد علم الله كراهتي لذلك ، فلما خيرت بين قبول ذلك وبين القتل اخترت القبول على القتل ، ويحهم أما علموا أن يوسف عليه السّلام كان نبياً ورسولا فلما دفعته الضرورة إلى تولي خزائن العزيز ( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ )[3] ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على اكراه واجبار بعد الاشراف على الهلاك ، على أني ما دخلت في هذا الأمر إلاّ دخول خارج منه ، فإلى الله المشتكى وهو المستعان "[4].

وقال ياسر : " لما ولي الرضا العهد سمعته وقد رفع يده إلى السماء وقال : اللهم إنك تعلم أني مكره مضطرٌ فلا تؤاخذني كما لم تؤاخذ عبدك ونبيك يوسف حين وقع إلى ولاية المصر "[5].

قال الصدوق : " روى بعض أصحابنا عن الرضا عليه السّلام أنه قال له رجل : أصلحك الله كيف صرت إلى ما صرت اليه من المأمون ؟ وكأنه أنكر ذلك عليه ، فقال له أبو الحسن الرضا عليه السّلام : يا هذا أيهما أفضل : النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أو الوصي ، فقال : لا بل النبي ، قال : فأيهما أفضل : مسلم أو مشرك ؟ قال : لا بل مسلم قال : فان العزيز عزيز مصر كان مشركاً وكان يوسف عليه السّلام نبياً ، وإن المأمون مسلم وأنا وصي ، ويوسف سأل العزيز أن يوليه حين قال ( اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ )[6] وأنا أجبرت على ذلك "[7].

البيعة للرضا بولاية العهد :

" وجه المأمون إلى الفضل بن سهل فأعلمه أنه يريد العقد له وأمره بالاجتماع مع أخيه الحسن بن سهل على ذلك . ففعل واجتمعا بحضرته ، فجعل الحسن يعظم ذلك عليه . ويعرفه ما في إخراج الأمر من أهله عليه . فقال له : إني عاهدت الله أن أخرجها إلى أفضل آل أبي طالب إن ظفرت بالمخلوع ، وما أعلم أحداً أفضل من هذا الرجل فاجتمعا معه على ما أراد ، فأرسلهما إلى علي بن موسى فعرضا ذلك عليه فأبى ، فلم يزالا به وهو يأبى ذلك ويمتنع منه ، إلى أن قال له أحدهما : إن فعلت وإلاّ فعلنا بك وصنعنا ، وتهدده ، ثم قال له أحدهما : والله أمرني بضرب عنقك إذا خالفت ما يريد ، ثم دعا به المأمون فخاطبه في ذلك فامتنع فقال له قولا شبيهاً بالتهدّد ، ثم قال له : إن عمر جعل الشورى في ستة أحدهم جدك ، وقال : من خالف فاضربوا عنقه ، ولا بد من قبول ذلك . فأجابه علي بن موسى إلى ما التمس "[8].

قال الشيخ المفيد : " قال المأمون : إني أريد أن خلع نفسي من الخلافة وأقلّدك إياها فما رأيك ؟ فأنكر الرضا عليه السّلام هذا الأمر وقال له : أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا الكلام وأن يسمع به أحد ، فردّ عليه الرسالة فإذا أبيت ما عرضت عليك فلا بدّ من ولاية العهد من بعدي ، فأبى عليه الرضا إباءً شديداً فاستدعاه اليه وخلا به ومعه الفضل بن سهل ذو الرياستين ليس في المجلس غيرهم .

وقال له : إني قد رأيت أن أقلدك أمر المسلمين وافسخ ما في رقبتي وأضعه في رقبتك فقال له الرضا عليه السّلام : الله الله يا أمير المؤمنين انه لا طاقة لي بذلك ولا قوّة لي عليه ، قال له : فإني موليك العهد من بعدي . فقال له : اعفني من ذلك يا أمير المؤمنين ، فقال له المأمون كلاماً فيه كالتهدد له على الامتناع عليه ، وقال في كلامه إن عمر بن الخطاب جعل الشورى في ستة أحدهم جدك أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السّلام وشرط فيمن خالف منهم إن يضرب عنقه ولا بد من قبولك ما أريده منك فإنني لا أجد محيصاً عنه . فقال له الرضا عليه السّلام : فإني أجيبك إلى ما تريد من ولاية لعهد على أنني لا آمر ولا أنهى ولا أفتي ولا أقضي ولا أولّي ولا أعزل ولا أغير شيئاً مما هو قائم . فأجابه المأمون إلى ذلك كله "[9].

وقال : " قال موسى بن سلمة : كنت بخراسان مع محمّد بن جعفر فسمعت أن ذا الرياستين خرج ذات يوم وهو يقول وا عجباه وقد ورأيت عجباً سلوني ما رأيت فقالوا : وما رأيت أصلحك الله ؟ قال : رأيت المأمون أمير المؤمنين يقول لعلي ابن موسى قد رأيت أن أقلدك أمور المسلمين افسخ ما في رقبتي واجعله في رقبتك ، ورأيت علي بن موسى يقول : يا أمير المؤمنين لا طاقة لي بذلك ولا قوّة ، فما رأيت خلافة قط كانت أضيع منها إن أمير المؤمنين يتفصّى منها ويعرضها على علي ابن موسى وعلي بن موسى يرفضها ويأباها "[10].

روى الصدوق بأسناده عن أبي الصلت الهروي قال : " إن المأمون قال للرضا علي بن موسى عليه السّلام : يا ابن رسول الله قد عرفت فضلك وعلمك وزهدك وورعك وعبادتك وأراك أحق بالخلافة مني ، فقال الرضا عليه السّلام بالعبودية لله عزّوجل افتخر ، وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شر الدنيا ، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم ، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله تعالى . فقال له المأمون : إني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة واجعلها لك وأبايعك . فقال له الرضا : إن كانت هذه الخلافة لك وجعلها الله لك فلا نجوز لك أن تخلع لباساً ألبسكه الله وتجعله لغيرك ، وإن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز لك تجعل لي ما ليس لك . فقال له المأمون : يا ابن رسول الله لا بد لك من قبول هذا الأمر فقال : لست أفعل ذلك طايعاً أبداً ، فما زال يجهد به أياماً حتى يئس من قبوله ، فقال له فإن لم تقبل الخلافة ولم تحب مبايعتي لك فكن ولي عهدي لتكون لك الخلافة بعدي ، فقال الرضا عليه السّلام : والله لقد حدثني أبي عن آبائه عن أمير المؤمنين عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أني أخرج من الدنيا قبلك مقتولا بالسم مظلوماً تبكي عليّ ملائكة السماء وملائكة الأرض وادفن في أرض غربة إلى جنب هارون الرشيد . فبكى المأمون ثم قال له : يا ابن رسول الله ومن الذي يقتلك أو يقدر على الإساءة إليك وأنا حيُّ ؟ قال الرضا عليه السّلام : أما إني لو أشاء إن أقول من الذي يقتلني لقلت ، فقال المأمون يا ابن رسول الله : انما تريد بقولك هذا التخفيف عن نفسك ودفع هذا الأمر عنك ليقول الناس إنك زاهد في الدنيا قال الرضا عليه السّلام والله ما كذبت منذ خلقني ربي تعالى وما زهدت في الدنيا للدنيا وإني لأعلم ما تريد قال المأمون : وما أريد ؟ قال الأمان على الصدق ؟ قال لك الأمان ، قال تريد بذلك أن يقول الناس إن علي بن موسى الرضا لم يزهد في الدنيا بل زهدت الدنيا فيه ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة ؟ فغضب المأمون ، ثم قال إنك تتلقاني أبداً بما أكرهه وقد أمنت سطوتي فبالله أقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلا أجبرتك على ذلك ، فان فعلت ، وإلا ضربت عنقك ، فقال الرضا عليه السّلام قد نهاني الله عزّوجل أن ألقي بيدي إلى التهلكة فان كأن الأمر على هذا فأفعل ما بدا لك وأنا أقبل ذلك ، على إن لا أولي أحداً ولا أعزل أحداً ولا انقض رسماً ولا سنة وأكون في الأمر بعيداً مشيراً ، فرضي منه بذلك وجعله ولي عهده على كراهة منه لذلك "[11].

قال أبو الفرج : " ثم جلس المأمون في يوم الخميس ، وخرج الفضل بن سهل فأعلم الناس برأي المأمون في علي بن موسى ، وأنه وليّ عهده ، وسماه الرضا وأمرهم بلبس الخضرة ، والعود لبيعته في الخميس الآخر على أن يأخذوا رزق سنة ، فلما كان ذلك اليوم ركب الناس من القواد والقضاة وغيرهم من الناس في الخضرة وجلس المأمون ووضع للرضا وسادتين عظيمتين حتى لحق بمجلسه وفرشه ، وأجلس الرضا عليهما في الحضرة ، وعليه عمامة وسيف ، ثم أمر ابنه العبّاس بن المأمون فبايع له أول الناس ، فرفع الرضا يده فتلقى بظهرها وجه نفسه ، وببطنها وجوههم .

فقال له المأمون : ابسط يدك للبيعة .

فقال له : إن رسول الله صلّى الله عليه وآله هكذا كان يبايع ، فبايعه الناس ووضعت البدر ، وقامت الخطباء والشعراء فجعلوا يذكرون فضل علي بن موسى وما كان من المأمون في أمره .

ثم دعا أبو عبّاد بالعباس بن المأمون ، فوثب ، فدنا من أبيه فقبّل يده وأمره بالجلوس .

ثم نودي محمّد بن جعفر بن محمّد ، فقال له الفضل بن سهل : قم ، فقام ، فمشى حتى قرب من المأمون ولم يقبّل يده ، ثم مضى فأخذ جائزته وناداه المأمون : إرجع يا أبا جعفر إلى مجلسك فرجع .

ثم جعل أبو عبّاد يدعو بعلوي وعبّاسي فيقبضان جوائزهما حتى نفدت الأموال ، ثم قال المأمون للرضا : قم فاخطب الناس وتكلم فيهم ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه : إن لنا عليكم حقاً برسول الله صلّى الله عليه وآله ولكم علينا حق به ، فإذا أديتم إلينا ذلك وجب علينا الحق لكم "[12].

وفي رواية ، قال الرازي سمعت أبي يقول حدثني من سمع الرضا عليه السّلام يقول : الحمد لله الذي حفظ منا ما ضيع الناس ورفع منا ما وضعوه حتى لقد لعنّا على منابر الكفر ثمانين عاماً ، وكتمت فضائلنا وبذلت الأموال في الكذب علينا ، والله تعالى يأبى لنا إلاّ أن يعلي ذكرنا ويبيّن فضلنا والله ما هذا بنا ، وإنما هو برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقرابتنا منه ، حتى صار أمرنا وما نروي عنه انه سيكون بعدنا من أعظم آياته ودلالات نبوته[13].

ذكر المدائني عن رجاله قال : لما جلس الرضا علي بن موسى في الخلع بولاية العهد ، قام بين يديه الخطباء والشعراء وخفقت الألوية على رأسه فذكر عن بعض من حضر ممّن كان يختص بالرضا عليه السّلام أنه قال كنت بين يديه في ذلك اليوم فنظر إليّ وأنا مستبشر بما جرى ، فأومأ إليّ إن ادن فدنوت منه فقال لي من حيث لا يسمعه غيري لا تشغل قلبك بهذا الأمر ولا تستبشر له فإنه شئ لا يتم[14].

وقال ابن جهم : رأيت اكرام المأمون للرضا فقلت للرضا : الحمد لله على ما أرى من اكرامه لك فقال : لا يغرنك ما رأيت فإنه سيقتلني بالسم وهو ظالم واكتم هذا[15].

قال ياسر الخادم والريان بن الصلت جميعاً لما حضر العيد - وكان قد عقد للرضا عليه السّلام الأمر بولاية العهد - بعث المأمون اليه في الركوب إلى العيد ، والصلاة بالناس والخطبة لهم ، فبعث اليه الرضا عليه السّلام : قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخول الأمر ، فاعفني من الصلاة بالناس . فقال له المأمون : انما أريد بذلك أن تطمئن قلوب الناس ويعرفوا فضلك . ولم تزل الرّسل تتردد بينهما في ذلك ، فلما ألحّ عليه المأمون أرسل اليه : إن أعفيتني فهو أحب إلي ، وإن لم تعفني خرجت كما خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام ، فقال له المأمون : أخرج كيف شئت . وأمر القواد والحجّاب والناس أن يبكّروا إلى باب الرضا عليه السّلام .

قال فقعد الناس لأبي الحسن عليه السّلام في الطرقات والسطوح واجتمع النساء والصبيان ينتظرون خروجه ، وصار جميع القوّاد والجند إلى بابه فوقفوا على دوابهم حتى طلعت الشمس ، فاغتسل أبو الحسن عليه السّلام ولبس ثيابه وتعمم بعمامة بيضاء من قطن ، ألقى طرفاً منه على صدره وطرفاً بين كتفه ومسّ شيئاً من الطيب ، وأخذ بيده عكازة وقال لمواليه : أفعلوا مثل ما فعلت . فخرجوا بين يديه وهو حاف قد شمّر سراويله إلى نصف الساق وعليه ثياب مشمّرة ، فمشى قليلا ورفع رأسه إلى السماء وكبّر وكبّر مواليه معه ، ثم مشى حتى وقف على الباب ، فلما رآه القوّاد والجند على تلك الصورة سقطوا كلهم عن الدواب إلى الأرض وكان أحسنهم حالا من كان معه سكين قطع بها شرابة جاجيلته[16] ونزعها وتحفّى ، وكبّر الرضا على الباب وكبّر الناس معه ، فخيّل إلينا أن السماء والحيطان تجاوبُهُ وتزعزعت مرو بالبكاء والضجيج لما رأوا أبا الحسن عليه السّلام وسمعوا تكبيره .

وبلغ المأمون ذلك فقال له الفضل بن سهل ذو الرياستين : يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس وخفنا كلنا على دمائنا ، فأنفذ اليه أن يرجع . فبعث اليه المأمون : قد كلفناك شططاً وأتعبناك ولسنا نحب أن تلحقك مشقة فارجع وليصل بالناس من كان يصلي بهم على رسمه .

فدعى أبو الحسن عليه السّلام بخفّه فلبسه وركب ورجع ، واختلف أمر الناس في ذلك اليوم ولم ينتظم أمر صلاتهم "[17].

 


[1] فرائد السمطين ج 2 ص 214 ، ورواه المجلسي في البحار ج 49 ص 182 .

[2] مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج 4 ص 314 .

[3] سورة يوسف : 55 .

[4] عيون أخبار الرضا ج 2 ص 139 رقم 2 .

[5] البحار ج 49 ص 130 رقم 5 .

[6] سورة يوسف : 55 .

[7] عيون أخبار الرضا ج 2 ص 138 رقم 1 .

[8] مقاتل الطالبيين ص 562 .

[9] الإرشاد ص 290 .

[10] الارشاد ص 290 .

[11] علل الشرايع ص 237 باب 173 رقم 1 .

[12] مقاتل الطالبيين ص 563 .

[13] عيون أخبار الرضا ج 2 ص 164 رقم 26 .

[14] الارشاد للشيخ المفيد ص 292 ، والأربلي في كشف الغمة ج 2 ص 277 مع فرق وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة ص 256 .

[15] الغرفة للسيد شاه عبد العظيمي مخطوط ص 205 .

[16] جاجيلته : نوع من النعل .

[17] الإرشاد ص 293 ، ورواه الأربلي في كشف الغمة ج 2 ص 278 .

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد