العلاقة بين الصحفيين المحترفين والهواة:
إن تعبير صحافة المواطن هو تعبير إشكالي، فهي تعطي قدراً كبيراً من المسؤولية لأنواع محددة من وسائل الإعلام أو أفراد محددين ومن ثم يمكننا أن نسأل لماذا هم وليس غيرهم؟ فأحياناً نستخدم مصطلح الصحافة التشاركية، وهذا تعبير إجرائي أكثر حيادية، وببساطة يمكننا القول بأن المستخدمين يساهمون في مخرجات الإعلام التي يسيطر عليها الصحفيون المهنيون، بينما يقوم على إدارة مواقع شبكية أخرى مستخدمون لشبكة الانترنت مثال لذلك Centpapiers and AgoraVox ، ومن الممكن ان نطلق مفهوم الصحافة التقليدية استناداً إلى التنبؤ الاستكشافي الذي قام به M.de Certeau and L. Giard 1983 بمجرد ظهور الشكل التقليدي للاتصال. فقد قاما الباحثـــان بتعريف الانتاج الثقافي العادي من خلال مقارنته بالمخرج الصناعي الجماهيري، فالأول يؤدي إلى التنوع والأخر يخفي التنوع الأساسي للمواقف والاهتمامات والسياقات الثقافية أو النفسية وراء التكرار الواضح للعناصر التي يستخدمها، فتعددية الاحتياجات الاجتماعية وإعادة الاستخدامات تمثل إجابة للاتساق المطلوب للإنتاج الجماهيري ومن ثم يأخذ مصطلح الصحافة العادية شكلا فردياً واخر جماعياً؛ نتيجة لممارسته عن طريق طيف كبير من الفاعلين أي النشطاء الفرديين الذين تجمعهم سمة واحدة هي أنهم جميعهم غير محترفين أي هواة.
وفي واقع الأمر إذا شاهدنا تحول في العلاقات بين المحترفين والهواة، لن يمكننا تحليل هذه الاتجاهات باستخدام مفهوم أصولي ومهني للصحافة، كما أن مجموعات المحترفين هي مجموعات تولد وتعيش وتتكاثر وتختفي وتصيغها الظروف التاريخية سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو تكنولوجية أو حتى ثقافية وتكون مسؤولة عن خصوصيتها.
إن الصحافة تدمج باستمرار أنشطة جديدة ومهام مهنية جديدة نظراً لأن التكنولوجيات المختلفة سهلت مجالات جديدة من النشاط.
علاوة على ذلك، فإن الحدود بين المحترفين والهواة هي بناء تاريخي لا يمس للطبيعية بشيء، وقد تأسست الحدود للصحافة المهنية في القرن التاسع عشر عندما قادت صناعة الصحافة الصحفيين نحو المطالبة برواتب شهرية والتحول إلى مجموعة مهنية لبناء أنفسهم بهدف شغل مواقع العمل في وسائل الإعلام، ومن ثم خلقت المهنية الهواة. وفي فرنسا تحديدا في عام 1935م، تم الاستفتاء على القانون الذي يُعرف مصطلح الصحفي المهني وحقوقه المحددة، ومن ثم تضمن أن الهواية في الصحافة موجودة ولكن بصورة غير قانونية، لذا يمكن أن نشير إليها باستخدام مصطلح الصحافة العادية.
يجب أن نتعامل مع مصطلح "عادي" على أنه شيء يختلـ عن العلاقة التي يحكمها أو تلك التي تبدوا ثانوية أو أقل من مستوى المهنية. وتبين المواقع التي تمارس الصحافة العادية أن الممارسات المهنية وممارسات الهواة لا تحدث داخل الأماكن المتوازية بل داخل الأماكن المحكمة غير النافذة. وهذا يشير إلى أن الصحافة تبدوا كشبكة عمل تعاونية ينفذ جميع الفاعلين بداخلها مهام أساسية لنجاح العمل. وتقودنا هذه الاستعارة إلى إدراك أن أي شخص يساهم في العمل بأي طريقة، قد شارك بقدر محدود في انتاج هذا العمل ومن ثم فإن الصحفي يدعمه انقسام العمل بين الفاعلين أي النشطاء الذين لا يعملون في نفس المكان بنفس الأدوات وبنفس الهدف تقريبا والذين لا نجد بينهم ليس فقط صحفيين متمرسين بل أيضاً مهنيين ومساهمين هواة. ويعمل الفاعلون وفق قواعد واتفاقات وخطط تعاونية تمكنهم من إتمام مهامهم اليومية بنجاح، ومن ثم فإن الصحفي (هو الشخصية المحورية والرئيسة في العلاقة مع المصادر اي هو الشخصية التي تسهم عن طريق تقديم المعلومات في بناء القصة الخبرية) العامة (هم الذين يؤثرون على خيارات الافتتاحية عن طريق استهلاك المعلومات). ولقد أفضت جوانب الفشل أو حدود التجارب المختلفة في الصحافة العادية التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية إلى ظهور مفهوم "فريق التعزيز". ولقد عملت وكالات الأنباء Ohmynews في كوريا و Rue89 في فرنسا بصورة أساسية مع الصحفيين الهواة الذين يقدمون مساهمات تكميلية غير أساسية. ولقد وكلت وكالة Assignment Zero مستخدمي شبكة الانترنت الهواة الذين يبحثون عن المعلومات إلى الصحفيين المهنيين (الذين يتجسد دورهم في جمع وتعزيز البيانات). ومع ذلك تشير الأدلة. والبراهين الأخرى إلى أن الصحافة العادية يمكن وضعها في صميم البنيات الافتتاحية. ونتيجة لسعى وسائل الإعلام نحو تخفيض عدد العاملين ووسائل تقديم التقارير اصبحت أدوات جمع ونقل المعلومات بسرعة، شيئاً معتاداً فضلاً عن أن صور الأحداث العرضية يتم انتاجها اعتماداً على كاميرات وتليفونات عادية. علاوة على ذلك فإن المواد التي يتم نشرها بصورة فورية على مواقع مثل Dailymotion or
YouTube يتم شرائها في الوقت الراهن بواسطة شركة إعلامية عملاقة مثل CNN لتنشر على مواقعها. ولا شك في أن قدر ونوعية هذه المواد غير كافي، ومع ذلك بإمكاننا أن ننسب ذلك لنقص الخبرة بين العامة من الأفراد ولقد تم إثبات قدرات العامة من الأفراد على استيعاب والوصول إلى الاتفاقات والخطط التعاونية في الممارسات الإعلامية بناءً على الشهادات والمشاركات في المناقشات بل وفي المقابلات مع الأفراد الذين يتمتعون بقدر أكبر من الثراء المعلوماتي حيال الصحافة. وهذا هو سبب معقولية الفرضية التي مفادها أننا نتجه نحو موقف قائم على تعزيز متبادل بين رجال الصحافة ومستخدمي شبكة الانترنت حيث أن كل منهما يعتمد على موارد الآخر.
نحن في حاجة إلى وضع ظاهرة مثل صحافة المواطن في سلسلة من الأحداث أو علينا أن نسأل ماذا قد جاء قبلها. ففي فرنسا، اصدر بيان لتأسيس صحيفة للجناح اليساري المعارض في عام 1973 مفاده التالي: الحرية: الحرية هي انت! الحرية ليست ورقة صنعها الصحفيون للشعب ولكن هي ورقة صنعها الشعب بمساعدة الصحفيين، فهذا الاعتراف يمكن تبنيه بإسهاب من جانب الكثير من المواقع مثل Ohmynews, Assignment Zero and R. ولعل تلاحق الأحداث الأخرى التي يمكن ربطها ببعضها البعض لدرجة تمكنا من استيعاب كيف أن الحدود بين المهنيين والهواة تطورت؟ وهذا لا يعني أننا ما نشاهده اليوم هو تعبيراً لما هو موجود دائماً فعلى النقيض، يحدث التحول ويمر في مراحل وسلسلة من الأحداث. ويمكن أن نلاحظ نفس المبادئ وهي على النحو التالي: يجب أن تستشير وسائل الإعلام الجمهور عند تقرير أي المواطنين أهم، لكي تستعيد ثقة الجماهير فيها. فمستخدموا وسائل الإعلام يتميزون بالنشاط أي أنهم ليسوا مشاهدين سلبيين ولديهم الرغبة في المشاركة في الحياة العامة، ولابد من عبور الخط إذا رغبنا في الانتقال من الصحافة العامة إلى صحافة المواطن، بمعنى أن الحد القائم بين المتمرس والهاوي هو حد ضبابي غير واضح نتيجة لمشاركة الجمهور في انتاج المحتوى ومن ثم هناك فجوة ولكن تقع داخل السلسلة المتسقة للأحداث.
نحن أنفسنا في حاجة إلى فهم كيف يتم التنظيم الصحفي للسيطرة على الأحداث العشوائية وكيف يحاول الحفاظ على الحدود. وقد بين 1971 ,Foucault أن داخل كل مجتمع يتم انتاج الحديث في نفس الوقت ويتم السيطرة عليه والتحكم به وتنظيمه وإعادة توزيعه عن طريق مجموعة محددة من الإجراءات يتحدد دورها في درء جميع القوى والمخاطر رغبة في الفهم العميق للأحداث. وهذا يعني على وجه الخصوص الحفاظ على الفرق بين الأشكال المختلفة للصحافة رغبة في الحفاظ على مزايا خاصة فقط بالمهنيين من رجال الصحافة مثال ذلك بعض الممارسات أو حتى مستوى من مستويات الممارسة. ومن ثم على سبيل المثال كان هناك معتقد استمر لفترة طويلة من الزمن مفاده أن رجال الصحافة ينزلون إلى الميدان ويقدمون تقارير بالحقائق ولم تعد هذه الميزة موجودة في عصر التليفونات الخلوية والكاميرات المتناهية الصغر والانترنت ومن ثم ركزت النقاشات في الآونة الأخيرة على الموضوعات السياسية، ورغم إمكانية عمل أي فرد كمراسل، إلا أن المهنيين من رجال الصحافة هم الفئة التي بمقدورها فقط الحفاظ على أخلاقيات المهنة وذلك وفقاً لمواثيق الشرف الإعلامي، علاوة على ذلك يتم التحكم في الحديث من خلال تنقية موضوعات الحديث والتي تعني ضبط الأقوال والتحكم فيها، فعلى سبيل المثال، اقترحت شركات الإعلام المهتمة بزيادة المواقع الشبكية لصحافة المواطن، دفع مبالغ مالية لمستخدمي شبكة الانترنت الذين يمارسون هذا النوع من الصحافة. ولقد بدأت بعض المواقع بالفعل في دفع جزء من عائدها للهواة، فلا شك في أن الدفع للمساهمين هي طريقة لضمان الولاء من جانب الهواة للصحف اليومية. وعند معرفة امكانية وجود معلمين وقساوسة وموظفين مدنيين لديهم رغبة عارمة للتعاون مع وسائل الإعلام فيما يتعلق بالأخبار المحلية حتى بدون تقاضي أي أجر، بدأت الصحف الإقليمية في دفع مبالغ مادية لهم كصحفيين محليين دون أن يكون لهم غطاء تأميني للوظيفة، ومن ثم خلقت مثل هذه المؤسسات الصحفية احتكاراً محلياً للصحف.
ويجب أن نهتم بالعلاقة بين المحترف والهاوي، ومن ثم يتعين أن لا نكترث بالحدود الضبابية بينهما، فكل شيء يصبح أكثر وضوحاً إذا لم نستثني منذ بداية الأمر كلمة "عام" من تعريف الصحافة، وباستخدام المفهوم الذي أشار إليه 1969 ,Foucault للبنيات العشوائية التي قرر 2006,R.Ringoot and J. Utard تطبيقه على الصحافة رغبة منهما لفهم واستيعاب الجانب الإبداعي فيها. ويقترح Foucault تسليط الضوء على جوانب الاتساق في الحديث عن السمات والمفاهيم وكذلك الموضوعات. وفي حالة ملاحظتنا لجوانب الاتساق في اي حديث قائم بين فاعلين غريبين في اشكال متباينة للغاية، فلابد من تضمين مثل هذه الأشكال في مجموعة يُشار إليها بالبنيات العشوائية. لذا يبين Foucault أن الجنون يكمن فيما يقال عنه في الكلمات والأفعال. وفيما يتوارد بين الناس، أي لا يكمن فقط فيما يقوله الأطباء بل ايضاً فيما يقوله المرضى أنفسهم والمدراء والكنائس والمحكمة والشرطة والتكنولوجيات والممارسات وكذلك الساسة. ولقد تأسست حقيقة المرض العقلي بناءً على ما يقال عنه في الجمل والعبارات التي سمته أو قسمته أو تلك التي وصفته. ومن هذا المنظور يبدوا أن الصحافة تأسست على ما يقوله العامة اي ليست بناءً على ما يقوله المحترفون في ميدان الصحافة عن طريق وسائلهم لتلقي المعلومات وممارستهم لها. وحيث أن الجمهور يتلقى المعلومات وينتجها، لذا يتم تضمينهم ضمن الفاعلين اجتماعياً الذين يشاركون في شبكات عمل من أجل التواصل والتعاون.
ويمكن تحديد ثلاث رؤى من خلال هذا الطرح حول بين الصحفيين المحترفين والهواة:
- بناءً على النموذج الخطي للاتصال الذي ينظر إلى المعلومات على أنها عملية أحادية الاتجاه أو آلية اختيار يتحكم فيها شخصية مركزية أساسية. فإن المحترفين من الصحفيين يرون أن المصادر والجمهور عناصر طرفية في عملية إنتاج الأخبار. ويبدوا مفيداً أن نضع في أذهاننا أن هذا النموذج الذي يُصعب علينا فهم واستيعاب بنية المعلومات، يبقى نموذجاً مشحوناً بالمعلومات. وهناك دراسات محدودة جدا نجحت في تجنب المركزية في وسائل الإعلام التي ناد بها 1992,P.Schleasinger. ویری 2003 ,G.Bastin أن المعلومات يتم بناؤها داخل السياق عن طريق الأفراد الذين يتفاعلون مع بعضهم البعض ويتعاونون ويواجهون بعضهم البعض، وكذلك بين هؤلاء الذين يخاطرون بحياتهم المهنية وهؤلاء الذين يمثلون جزءاً من الاقتصاد بناءً على علاقات الانتاج التي تتضافر جهودهم لبنائها. ولابد من رؤية الموارد والجمهور داخل هذا التفاعل مع الهواة على مفترق الطريق بين هذين الكيانين.
بناءً على النموذج الوظيفي للاحترافية فإن ذلك يميز جل الأعمال . الخاصة بالصحافة. ويشير هذا النموذج إلى وجود حلقة وصل بين عملية بناء الاحترافية والجودة المحسنة للمعلومات والناتجة عن تغريب هذين الكيانين المصادر والجمهور، ومع ذلك يتعين علينا أن نضع في أذهاننا أن الاحترافية هي عملية يتم استخدامها في تنظيم مجموعة من الأفراد حول ميدان خبرة محدد وتفترض مزية حصاد المواد والفوائد الرمزية. وهذه الفرضية تفضي إلى استثناء المتنافسين لاسيما الهواة. ولقد تم حذف المصادر والجمهور خارج نطاق عملية الانتاج بواسطة حركة الاحترافية، ولكننا نعتقد أنه لن
يتم تمرير هذا الاستثناء وسيستمر العمل نحو البحث عن مكان شرعي للتعاون بين الصحفيين المحترفين والهواة.
وقد أدى ازدياد عدد الهواة في الصحافة إلى صياغة الفرضية التي مفادها أن تعريف الهواية تحول بسبب تأثير هذا الاتجاه، فمن المحتمل أن تغير قوة وشدة العلاقات بين المحترفين والهواة وكثرة المساهمات العادية في نواتج وسائل الإعلام التقليدية والعروض البديلة وتنمية مواقع العمل المختلطة، قد أسهم في تشكيل مفهومنا عن الصحافة وشخصيتها المهنية.