الحمل على المعنى ثم على اللفظ:
هذا الضرب من الحمل فيه خلاف بين النحويين: فمنهم من أجازه، ومنهم من ضعفه، ومنهم من منعه.
جوازه عند النحويين:
الحمل على المعنى ثم على اللفظ جائز عند كثير من النحويين. قال أبو حيان وأما كلام العرب فجاء فيه الحمل على اللفظ أولا ثم على المعنى وهو الأكثر، وجاء الحمل على المعنى أولاً ثم على اللفظ))(1) وقال السيوطي: ((ويجوز البداءة بالمعنى كقولك: من قامت وقعد))(2). وقال أبو البقاء الكفوي: ((والحمل أولا على المعنى ثم اللفظ غير ممنوع، وله نظير في القرآن، وإن كان الكثير العكس))(3).
وأجازه الكوفيون(4) بشرط وجود الفاصل عند اجتماع الحملين وتقدّم الحمل على المعنى على الحمل على اللفظ، كقولنا من يقومون في غير شيء وينظر في أمورنا قومك ولا يُجوِّزون مَنْ يقومون وينظر في امورنا قومك. ولم يشترط البصريون ذلك. أما في حالة تقدّم الحمل على اللفظ على الحمل على المعنى، فلا يشترط الكوفيون وجود الفاصل. وقد ذكروا أنَّ السماع لم يرد إلا بالفصل كما ذهب الكوفيون إلى ذلك.
ومما جاء محمولاً على المعنى ثم على اللفظ قراءة من قرأ في الشواذ ((تقنت))(5) من قوله تعالى: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَلِحًا}[الأحزاب: 31] فقد بدأ بالحمل على المعنى في (تقنت) ثم حمــــل على اللفظ على قراءة من قرأ ((ويعمل صالحاً))(6) في احدى القراءات السبع. ومن ذلك قوله تعالى {مَا قَطَعْتُم مِن لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قائمة على أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [الحشر : 5] فقد نقل ابو حيان(7) أنّه قُرئ (قائماً) فحمل على المعنى في تَرَكْتُمُوهَا .. ثم على اللفظ في (قائما) ثم على المعنى في أصولها . ومما حمل على ذلك قوله تعالى: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هذه الأَنْعام خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرِّمُ عَلَى أَزْوَاجِنَا} [الانعام: 139] فقد أنتَ {خَالِصَةٌ}حملاً على معنى (ما)؛ لأنّها بمعنى الجماعة أو الأجنّة، وذكر {وَمُحَرَّمُ} حملاً على لفظ (ما)(8).
وذكر علم الدين العراقي شيخ أبي حيان أنه لم يجئ في القرآن البدء بالحمل على المعنى ثم على اللفظ إلا هذه الآية(9) ولكن أبا حيان(10) ذكر أن (مكيا)(11) سبقه الى هذا القول، وردّ أبو حيان(12) أن يكون الحمل على المعنى ثم على اللفظ وأجاز أن يكون الحمل في الآية على اللفظ ثم على المعنى. والصحيح ما ذهب اليه أبو حيان؛ لأنّ الحمل على اللفظ هو الاكثر والأولى وهو المقصود ما لم يظهر في اللفظ دليل على خلافه.
ضعفه عند بعض النحويين:
عدَّ بعض النحويين الرجوع من المعنى الى اللفظ ضعفاً في الكلام وأمراً مكروهاً عند العرب، ومن هؤلاء النحويين ابن السراج الذي ذكر أنه لا يجوز أن نقول : من قاعدون وقائم إخوتك، وعلل ذلك بقوله: ((لأنك إذا جئت بالمعنى لم يحسن أن ترجع الى اللفظ))(13).
أما ابن جني فقد عدَّ ذلك ضعفاً قال: ((واعلم أن العرب اذا حملت على المعنى لم تكد تراجع اللفظ كقولك: شكرتُ من أحسنوا إليَّ على فعله، ولو قلت: شكرتُ من أحسن اليَّ علي فعلهم جاز))(14) وقال أيضاً : ((وإذا قلت: من قاموا ومن قعد إخوتك ضعف؛ لأنك قد انتحيت بالجمع علـــى المعنى وانصرفت عن اللفظ، فمعاودة اللفظ بعد الانصراف عنه تراجـ وانتكاث))(15).
أما ابن الحاجب فيقول: ((إذا) حمل على اللفظ جاز الحمل بعده على المعنى، و إذا حمل على المعنى ضعف الحمل بعده على اللفظ؛ لأن المعنى اقوى فلا يبعد الرجوع إليه بعد اعتبار اللفظ، ويضعف بعد اعتبار المعنى القوي الرجوع الى الأضعف))(16).
وقد ردّ الزركشي على هذا الكلام بقوله : ((وهذا معترض بأنّ الاستقراء دلّ على أنّ اعتبار اللفظ المعنى، وكثرة موارده تدلّ على قوته(17). وأما العود الى اللفظ بعد اعتبار المعنى فقد ورد به التنزيل، كما ورد باعتبار المعنى بعد اعتبار اللفظ، فثبت أنّه يجوز الحمل على كلّ واحد منهما بعد الآخر من غير ضعف))(18).
وأجاز الرضي(19) تقديم الحمل على المعنى ثم الحمل على اللفظ على ضعف. ونقل السيوطي(20) عن (أبي الحسن الآمدي) أن العرب تكره الانصراف عن الشيء، ثم الرجوع إليه ؛ ولذلك يكرهون الحمل على اللفظ بعد الحمل على المعنى، وأنشد لذلك هذا البيت:
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد إليه بوجه آخر الدهر ترجعُ
امتناعه عند بعض النحويين:
منع بعض النحويين الحمل على المعنى ثم على اللفظ، وقد علَّلوا ذلك بأنه يكون الباساً بعد البيان، بخلاف الحمل على اللفظ ثم على المعنى. فإنه يكون تفسيراً(21) وقال ابن خالويه: ((ولا يرجع من معناه الى لفظه إجماعاً من النحويين))(22) وليس هذا صحيحاً كما أنه ليس هناك اجماع من النحويين على ذلك. وذكر ابو البركات الانباري (23) ان بعضهم زعم أنه لا يحسن الحمل على اللفظ بعد الحمل على المعنى ثم ردّ هذا القول.
وذكر ابن الاثير (24) أن العرب إذا حملت على المعنى لا تراجع اللفظ. أما ابن يعيش(25) فقد نسب الى بعض الكوفيين المنع ثم ضعف قولهم. ونسب الرضي(26) إلى أبي سعيد السيرافي أنه نُقِلَ عن بعض الكوفيين منع الحمل على المعنى قبل الحمل على اللفظ ومن المانعين لذلك (ابن عطية) وقد أورد رأيه في مواضع من تفسيره(27) وتابعه القرطبي(28) على ذلك.
وقد ردَّ أبو حيان على ابن عطية فقال: ((وقول ابن عطية: إنه لا يجور أن يرجع من لفظ الجمع الى لفظ الواحد مخالفة لقول النحويين من أنّه يجوز أن يبدأ بالحمل على المعنى ثم على اللفظ، وإن كان الحمل أولا على اللفظ ثم المعنى أولى))(29) وكرر أبو حيان ردَّه على ابن عطية في مواضع (30) أخر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البحر المحيط 232/4.
(2) همع الهوامع 300/1-301.
(3) الكليات / 156.
(4) ينظر : البحر المحيط 1 / 55 ، و 242 ، و ارتشاف الضرب ورقة 123، وشرح التسهيل للمرادي / 229 ، والبرهان في علوم القرآن 3 / 384.
(5) نسبت الى ابن عامر ونافع وعدد من القرآء غير السبعة ينظر : معاني القرآن للأخفش ،35/1، ومختصر شواذ القراءات 119، واملاء ما مـن بـه الـرحمن 192/2 ، والبحر المحيط 228/7
(6) هي قراءة حمزة والكسائي : ينظر: السبعة في القراءات 521.
(7) ينظر: البحر المحيط 244/8.
(8) ينظر: معاني القرآن وإعرابه 324/2 ، والحجة في القراءات السبع/ 127، و الكشاف 71/2، والبيان في غريب اعراب القرآن 343/1
(9) ينظر : البحر 55/1 ، و 323/4 ، والبرهان في علوم القرآن 383/3.
(10) ينظر : البحر المحيط 232/4.
(11) ينظر : مشكل اعراب القرآن ،272/1 ، والبيان في غريب اعراب القرآن 343/1.
(12) ينظر : البحر المحيط 232/4.
(13) الاصول في النحو 377/2
(14) الخصائص 420/2.
(15) المحتسب 88/2 ، وينظر : الخصائص 421/2.
(16) البرهان في علوم القرآن 384/3، وينظر : الاشباه والنظائر 189/1 .
(17) في الاصل : (قوله) وما اثبتناه هو الصواب.
(18) البرهان في علوم القرآن 384/3.
(19) ينظر شرح الكافية 53/2
(20) ينظر : الأشباه والنظائر 190/1.
(21) ينظر : تعليق الفرائد / ورقة 106، وحاشية الصبان 161/1.
(22) ينظر : ليس من كلام العرب/ 101 - 102.
(23) ينظر: البيان في غريب اعراب القرآن 343/1-344.
(24) ينظر : الجامع الكبير / 108.
(25) ينظر : شرح المفصل 14/4 .
(26) ينظر شرح الكافية 56/2.
(27) ينظر : المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 157/1 ، و 303 .
(28) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 371/1
(29) النهر الماد من البحر المحيط 51/1
(30) ينظر : البحر المحيط ،54/1 ، 22 ،1923 ، 161/5 ، والنهر الماد 242/1