عدسة الجاذبية
المؤلف:
جيمس بيني
المصدر:
الفيزياء الفلكية مقدمة قصرية جدا
الجزء والصفحة:
ص102
2026-07-06
22
ينتقل الضوء عَبْر الزجاج أو الماء أبطأ من انتقاله عَبْر الهواء، مما يؤدي إلى انحناء الأشعة الضوئية عند دخولها إلى الزجاج أو الماء. تُحدَّد هذه الظاهرة عادةً من خلال «مُعامل الانكسار» (n)، الذي يُعرَّف بحيث تكون سرعة الضوء في وسطٍ ذي معامل انكسارn هي .c/n إذا استخدمنا إحداثياتٍ ديكارتيةً عادية( x,y ,z)واعتبرنا أن المسافة بين نقطتَين x1 وx2وعلى المحورx هيs=x2-x1 فإن مجال الجاذبية يمنح الفراغ معامل انكسار يُعطى بالمعادلة:
1............
باستخدام تعريف المسافة الطبيعي الذي اعتمدناه، عندما تكونΦ لا تُساوي صفرًا، يبدو أن الضوء ينتقل عَبْر الفراغ بسرعةٍ أقل من سرعة الضوء. في الواقع، الضوء يتحرك دائمًا بالضبط بسرعة الضوء، لكن معادلتنا تُعطي قيمةً أقل بسبب تقليلنا لتقدير المسافة بين x1 و2x . ولكنه من المفيد جدًّا تصوُّر أن الفوتونات تتحرك بسرعةٍ أبطأ من سرعة الضوء في حالة Φ(x) أصغر من الصفر.
هذه الفرضية مفيدة لأنها تتيح لنا استخدام معرفتنا بالبصريات للتنبؤ بكيفية انحراف الضوء بفعل مجال الجاذبية. تعمل العدسة على تركيز حزمةٍ ضوئيةٍ متوازية عن طريق إبطاء الفوتونات التي تمُر عَبْر مركز العدسة أكثر من تلك التي تمُر بعيدًا عن محورها؛ حيث تكون العدسة أرق (انظر الشكل 1، اللوحة العلوية). في الواقع، تُصمَّم العدسة بحيث يكون الزمن الذي تستغرقه الفوتونات للانتقال من مصدرٍ بعيد إلى الصورة مستقلًّا عن المسافة من المحور التي يعبُر عندها الفوتون عَبْر العدسة، وهذا ما يُعرف ﺑ «مبدأ فيرما لأقل زمن»

شكل1: عدسة مُصمَّمة لجعل حزمة من الأشعة المتوازية في البداية تمُر جميعها عَبْر البؤرة (أ). تتسبب عدسة الجاذبية (ب) في تقارب الأشعة المتوازية في البداية ولكنها لا تجعلها تمُر عَبْر نقطة واحدة. كتلة الجِرم الذي يعمل كعدسة للجاذبية ضخمة بشكلٍ غير واقعي بأكثر من عدة قوًى عشرية لدرجة لا يمكن معها رؤية الانحرافات بسهولة.
أحيانًا يمُر خط رؤيتنا إلى جِرمٍ بعيد، مثل نجمٍ زائف، بالقرب من مركز جسمٍ ذي كتلةٍ ضخمة، مثل مجرَّة أو عنقودٍ مجرِّي. في هذه الحالة، يعمل مجال جاذبية الجِرم الوسيط عمل العدسة، مما يؤدي إلى انحراف الأشعة التي كانت تتباعد عن المصدر لتتقارب عند نقطةٍ قريبة منا. يُظهر الجزء السفلي من الشكل 6-6 مثالًا كميًّا على هذه الظاهرة.
كما يوضح الشكل 6-6، فإن العدسة التي تتشكل بفعل مجال جاذبية نموذجي تكون ذات جودةٍ ضعيفة؛ إذ لا تجعل جميع الأشعة تتقاطع عند نقطةٍ واحدة، مما يؤدي إلى إنتاج صورٍ غير واضحة ومشوَّهة. في الواقع، من المحتمل أن تتسبَّب عدسة الجاذبية في تكوين عدة صور للجِرم نفسه. في عام 1979، اكتُشِفَ أول مثال على ظاهرة «التعدُّس القوي» هذه؛ حيث اكتُشِفَ النجم الزائف التوءم SBS 0957+561، الذي لا يزال أحد أكثر الأمثلة المذهلة؛ حيث تكوِّن المجرة في حالة الانزياح الأحمر z= 0.355 صورتَين منفصلتَين للنجم الزائف ذاته بفاصل ستِّ ثوانٍ قوسية. منذ اكتشاف SBS 0957+561، أُجريَت عمليات بحث منهجية عن النجوم الزائفة ذات الصور المتعددة، وأمكن العثور على مئات الأمثلة، بعضها بأربع صور، ولكن على نحوٍ شبه دائم بمسافات فصل أصغر من تلك التي اكتُشِفَت للنجم الزائف SBS 0957+561.
كما رأينا في الفصل الرابع، فإن إضاءات النجوم الزائفة تتغير بشكلٍ كبير على مدى فترات تمتد من أشهرٍ إلى سنوات. عند تكوين صورٍ متعددة لنجمٍ زائف، فإن كل صورة ترتبط بزمنٍ معيَّن لوصول الفوتونات من النجم الزائف إلى الأرض. يمكن قياس الفروقات في هذه الأزمنة من خلال تحديد مقدار الإزاحة الزمنية اللازمة لتقديم أو تأخير تسجيل سطوع إحدى الصور؛ بحيث يتطابق مع سجل سطوع صورةٍ أخرى. ويمكن حساب هذه الفروقات الزمنية لأي نموذج لمجال الجاذبية الذي يشكل العدسة، وهي تتناسب طرديًّا مع )ثابت هابل( (H)، الذي يربط بين الانزياح الأحمر (z) والمسافة (s) من خلال المعادلة Hs/c =z لأن هذا يحدد المسافة إلى جِرمٍ ذي انزياح أحمر كوني معلوم؛ فكلما زادت هذه المسافة، زادت المدة الزمنية التي استغرقَتها الفوتونات للوصول إلينا، وازداد التأخير الزمني المرتبط باختيار مسار أطول.

شكل 2: عدسة الجاذبية الضعيفة في العنقود المجرِّي أبيل 2218. تُمدد صور المجرَّات الواقعة خلف العنقود بواسطة مجال الجاذبية الخاص بالعنقود، مما يؤدي إلى تشكيل أقواسٍ متعامدة مع اتجاه المجال.
يُعد التصوير المتعدد للنجوم الزائفة والمجرَّات ظاهرةً نادرة. الشيء الشائع للغاية أن يؤدي مجال الجاذبية الممتد على طول خطوط الرؤية نحو المجرَّات البعيدة إلى تشويه صورها وتكبيرها (الشكل 2). تُعرف هذه الظاهرة باسم «التعدُّس الضعيف». في حالة التعدُّس الضعيف يلعب مجال الجاذبية دور العدسة الأولية غير المصقولة جيدًا في تلسكوبٍ عملاق. بسبب تأثير التعدُّس الضعيف قد تُصبح المجرَّات أكثر سطوعًا بشكلٍ ملحوظ، مما يُتيح فرصة لدراستها بتفصيلٍ أكبر بكثير من المجرَّات العادية في حالة الانزياح الأحمر.
يمكن لعلماء الفلك الاستفادة حتى من رداءة جودة عدسات الجاذبية. إذ تتمدد الصورة التي تتأثر بالتعدُّس الضعيف بشكلٍ متعامد مع اتجاه مجال الجاذبية. لذا، إذا شاهدنا مجموعةً من المجرات المستديرة في الأصل من خلال عدسة الجاذبية، فستبدو هذه المجرات إهليلجية الشكل. ستكون المحاور القصيرة لهذه القطوع الناقصة موازيةً للإسقاط السماوي لمجال الجاذبية، وستعكس نِسَب المحاور لهذه القطوع قوة المجال. يُعد استخدام هذه الفكرة لقياس مجالات الجاذبية أمرًا صعبًا من الناحية العملية، لا سيما بسبب الطبيعة الإهليلجية لصور المجرَّات. ولكن تشوُّه الصور بفعل مجال الجاذبية يؤدي إلى محاذاة القطوع الناقصة للمجرَّات المتقاربة في السماء، وقد أصبح القياس الدقيق لهذا التأثير أداةً رئيسيةً في علم الكونيات الحديث.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في النجوم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة