ومنها: استحباب المشي مع الجنازة، وكراهة الركوب إلّا لعذر؛ لأنّ الملائكة يمشون فيكره الركوب (1)، وقد عاقب (عليه السّلام) الراكبين بعدم الحياء (2). نعم، لا بأس بالركوب عند الرجوع.
ومنها: القصد في المشي بالجنازة والسكينة فيه؛ للأمر بذلك عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) (3)، فما ارتسخ في الأذهان - من حسن المشي سريعا جدا، وأنّه علامة حسن حال الميت وصلاحه - لا وجه له.
ومنها: حمل الجنازة، فإنّه مستحب آخر علاوة على المشي، وقد كان أئمتّنا (عليهم السّلام) يحملون بعض الجنائز (4)، وورد عنهم (عليهم السّلام) أنّ من أخذ بقائمة السرير غفر اللّه له خمسا وعشرين كبيرة (5)، والأفضل الحمل من أربعة جوانبها أوّلا على الترتيب ثم الحمل كيف يشاء؛ لما ورد عنهم (عليهم السّلام) من أنّ من حمل جنازة من أربعة جوانبها غفر اللّه له أربعين كبيرة (6) وفي خبر آخر أنّه إذا ربّع خرج من الذنوب كما ولدته أمّه (7)، وما كان بعد ذلك من حمل فتطوّع آخر، والأفضل حصول التربيع بحملها من جوانبها الأربعة على أيّ وجه كان (8) وإن كان الأفضل أن يبدأ عند عدم التقّية باليد اليمنى ثم الرجل اليسرى ثم اليد اليسرى (9)، وعند التقيّة يبدأ باليد اليمنى ثم بالرجل اليمنى، ثم يرجع من طرف رأسه فيحمل يده اليسرى ثم رجله اليسرى ولا يمرّ خلف رجلي الميت عند التقيّة (10).
بقي هنا شيء وهو أنّ ابن أبي يعفور روى عن مولانا الصادق (عليه السّلام) أنّ السنّة أن تستقبل الجنازة من جانبها الأيمن وهو ما يلي يسارك، ثم تصير إلى مؤخّره وتدور عليه حتى ترجع إلى مقدّمه (11)، ومثلها رواية علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى (عليه السّلام) قال سمعته يقول: السنّة في حمل الجنازة أن تستقبل جانب السرير بشقّك الأيمن فتلزم الأيمن بكفك الأيمن ثم تمرّ عليه إلى الجانب الآخر، وتدور من خلفه إلى الجانب الثالث من السرير، ثم تمرّ عليه إلى الجانب الرابع ممّا يلي يسارك (12).
وقد يتخيّل أنّ لازم ما نطق به الخبران هو حمل الميت في الطريق متوجّها إلى المقصد وإرساله برجله، اذ على المتعارف من تقديم رأسه لا يكون يمين الميت إلى يسار الحامل ويساره إلى يمينه، بل يكون يمينه إلى يمينه ويساره إلى يساره، ولكنك خبير بأنّه ناشئ عن الغفلة عن أنّ الجنازة – بالكسر - الميت بسريره، ومن البيّن أن يمين السرير هو ما عليه يسار الميت لا يمينه. وقد عبّر (عليه السّلام) بيمين الجنازة دون يمين الميت حتّى يتأتّى ما ذكر.
ثم إنّ التشيع يتحقّق بمطلق متابعة الجنازة، ويشمل ما تعارف الآن من اتباع جمع الجنازة عند إرادة نقلها من بلدة إلى أخرى وإن لم يكن جميع مشيهم خلفها أو إلى جنبها، ولا يتوهّم تقدّر التشييع بميلين؛ لقول النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لعلّي عليه السّلام): سر ميلين شيع جنازة (13)، وذلك لعدم تبّين كونه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) في مقام تقدير النهاية، مع شمول الإطلاقات للمسافة الشرعيّة فما زاد، مع أنّ المراد بالخبر: سر ميلين.. مقدّمة لتشييع الجنازة لا التشييع ميلين.
ولو لم يكن محل الدفن محتاجا إلى النقل - كما لو اتّحد مكان الموت والغسل والصلاة عليه والدفن، ولم يكن مقتض آخر لنقله، بأن لم يكن في الأعتاب المقدّسة حتّى ينقل لأجل أن يطاف بالمزار ويزّور - سقط التشييع.
وفي استحباب إخراجه ونقله حينئذ لمحض تحصيل عنوان التشييع؛ بأن يذهب به من طريق ويرجع من طريق آخر تأمّل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي: 3/170 باب كراهية الركوب مع الجنازة حديث 2.
(2) الكافي: 3/170 باب كراهية الركوب مع الجنازة حديث 1.
(3) وسائل الشيعة: 2/887 باب 64 حديث 1، بسنده قال النبي (صلّى اللّه عليه وآله) وسلّم: عليكم بالسكينة، عليكم بالقصد في المشي بجنازتكم.
(4) المناقب لابن شهرآشوب: 4/341 عن موسى بن سيار، وقد تقدم ذكر الحديث.
(5) الكافي: 3/174 باب ثواب من حمل جنازة حديث 2.
(6) الكافي: 3/174 باب ثواب من حمل جنازة حديث 3.
(7) الفقيه: 1/100 باب 25 الصلاة على الميت حديث 462.
(8) الفقيه: 1/100 باب 25 الصلاة على الميت حديث 465.
(9) السرائر: 469.
(10) الكافي: 3/168 باب السنّة في حمل الجنازة حديث 3.
(11) السرائر: 469.
(12) الكافي: 3/168 باب السنة في حمل الجنازة حديث 1.
(13) مستدرك وسائل الشيعة: 1/83 باب 6 حديث 13.