اللامركزية الادارية في فرنسا
المؤلف:
سعيد علي ناصر
المصدر:
الاختصاصات المالية لجالس المحافظات غير المنتظمة في إقليم واثره في الازدواج الضريبي
الجزء والصفحة:
ص22-33
2026-07-18
17
عرفت فرنسا التنظيم المحلي قبل ثورة 1789 فكانت هناك برلمانات أقليمية يعين أعضائها من قبل الملوك مهمتها الأساسية حفظ النظام وجباية الضرائب المحلية أضافة الى عملها كمحاكم للفصل في المنازعات وكان من أبرز نتائج الثورة أن قسمت فرنسا الى مستويين للأدارة المحلية هما المحافظات departments والكوميونات communes وعهد بأدارة هذه المحافظات الى مجلس تعين الحكومة المركزية أعضائه وعين نابليون أشخاص يدعون ( البريفكتس ) لأدارة المحافظات (وسب بريفكتس ) الأدارة الكوميونات ينحصر عملهم على تنفيذ السياسة العامة للدولة (1).
يعتبر عالم الجغرافيا الفرنسي جان فرانسوا جرافر (2) أول من نادى باللامركزية الادارية وذلك في كتابه باريس والصحراء الفرنسية حيث أشار الى حجم الهجرة الى باريس بسبب توفر فرص العمل والتطور في مختلف جوانب الحياة فيها الأمر الذي أدى الى تحول كثير من الأقاليم الفرنسية الى صحراء, ولتحقيق تنمية متوازنة بين المحافظات الفرنسية كان لابد من توفير موارد مالية ومنح أمتيازات سياسية معينة فسمح إلى الكوميونات للاتحاد مع بعضها من أجل توفير الخدمات مثل إمدادات المياه وجمع النفايات ولنجاح تجارب الأتحاد في مدن ( ليل وليون وستراسبورج ) في تشكيل جمعية أقليمية منحت عام 1972 تنظيما قانونيا فوق مستوى المحافظة (3) وساعد وصول الحزب الاشتراكي الى الرئاسة الفرنسية في عام 1981 الذي كان يؤيد الأنتقال الى الأدارة الذاتية للمجتمعات المحلية الى العمل بمزيد من اللامركزية الادارية.
الدستور الفرنسي لعام 1958 المعدل في المادة الأولى منه أشار الى تنظيم الجمهورية على أساس لا مركزي (4) وصدرت عدد من التشريعات لتنظيم هذه اللامركزية (5) توجت باصدار قانون رقم 213 لسنة 1982 في عهد الرئيس فرانسوا ميتران الذي اعتمد على تأييد المحليات للوصول الى الرئاسة وبموجب هذا القانون منحت الاقاليم الجهات ( شخصية اعتبارية واصبحت تنظميات محلية الى جانب المحافظات (الأقاليم ) والبلديات .
اولاً: التشكيل الاداري في فرنسا . تناول الدستور الفرنسي الجماعات المحلية في الباب الثاني عشر من الدستور في المواد (75-72) وتناول في الباب الثالث عشر الأحكام التي تتعلق بكالدونيا الجديدة ولقد أستخدم مصطلح الجماعات المحلية للأشارة الى الجماعة الانسانية التي تقطن جزء من التراب الفرنسي وقسم الدستور الفرنسي المجتمعات المحلية الى البلديات والأقاليم والجهات والمجتمعات ذات الوضع الخاص والمجتمعات ما وراء البحار وأي مجتمع أخر يتم انشاؤه أو أستبداله بموجب القانون ونظم قانون السلطات المحلية الفرنسي رقم 213 لسنة 1982 المعدل (6) كل ما يتعلق بأدارة المجتمعات المحلية ونص في المادة الأولى منه على أن الجماعات المحلية هي البلديات والاقاليم والجهات لذلك سنتناول هذا التقسيم وفقاً للتالي :
1- الجهات لم تمنح الجهات الشخصية الاعتبارية الا بصدور قانون رقم 213 لسنة 1982 المعدل (7) وعددها (22) جهة بما في ذلك جهات ما وراء البحار التي تعتبر جزء لا يتجزء من الأراضي الفرنسية ويكون لها نظاماً خاصاً يختلف عن باقي الاقاليم الفرنسية (8) تتكون الجهة من مجموعة من الأقاليم والبلديات ويدار بواسطة مجلس جهوي منتخب (9) ورئيس المجلس الجهوي هو المسؤول التنفيذي لقرارات وتوصيات المجلس وتوقيع العقود والاتفاقيات باسم المجلس وهو ممثل المجلس القانوني امام القضاء ويقدم تقريراً سنوياً للمجلس عن المشاريع المنفذة وسير العمل في هيئات الاقليم كافة (10).
ووفقا لقانون اللامركزية الادارية الفرنسي منحت الجهات المزيد من الأستقلالية وتخفيف عبء الوصاية الادارية المركزية من خلال ترك تنفيذ قرارات المجلس الى رئيس مجلس الجهة بعد ان كان يتم تنفيذها من خلال مفوض الجمهورية الذي يعين بمرسوم صادر من مجلس الوزراء وأقتصرت مهمة الاخير على تنفيذ القوانين واللوائح المركزية والرقابة على مؤسسات الدولة العاملة في الجهة ولكل جهة في فرنسا مجلس اقتصادي واجتماعي مهمته أستشارية للمجلس الجهوي أضافة الى مراقبة وتقييم أدارة الجهة وتقديم المشورة للمجلس الجهوي حول جدوى المشاريع الاقتصادية والبيئية والاجتماعية التي تطرح لتنفيذها في الجهة (11).
2 - الاقاليم (المحافظات ) . وهي تحتل مركزاً وسطا بين الجهات والبلديات وتضم فرنسا (96) أقليم في القسم الداخلي للتراب الفرنسي و (5) ما وراء البحار تحتوي كل منها على عدد من البلديات يتفاوت عددها بين الاقاليم وهي متماثلة من حيث التشكيل والاختصاص الا انها متفاوتة من حيث السكان والانشطة الاقتصادية والاجتماعية فيها مما انعكس على نوعية الخدمات المقدمة وطبيعة وحجم التمويل المالي فيها (12) وتتمتع الاقاليم بالشخصية المعنوية (13) ويدار كل أقليم بواسطة مجلس أقليمي منتخب وينتخب المجلس من بين أعضائه رئيساً له مع نوابه يتولى تنفيذ السياسة العامة للدولة وتنفيذ القوانين واللوائح الحكومية والمحافظة على الامن والنظام ويمثل الحكومة امام المجلس العام للأقليم وممارسة الرقابة الادارية على انشطة الاقليم والبلديات التي تضمها وينوب عن الدولة في ابرام الاتفاقيات المحلية او العقود الخاصة ويرأس اللجان الادارية المتعلقة بالخدمات التي تقدمها الدولة للأقليم ويتولى الاشراف على خدمات المرافق العامة باستثناء الاستثمارات والتعليم والقضاء. اما المجلس العام للاقليم (مجلس الاقليم ) فينتخب (14) اعضائه لمدة ست سنوات بالاقتراع العام المباشر ويشترط لعضوية مجلس المحافظة اضافة الى الجنسية والسن ان يكون مقيما بالاقليم ومن دافعي الضرائب ويحق للعضو الجمع بين عضوية المجلس المحلي وعضوية البرلمان لكن لا يحق له الجمع مع عضوية مجلس محلي اخر أومسك الوظائف العامة ولكل أقليم لجنة دائمة استشارية لابداء الرأي في المواضيع المعروضة عليها من المجلس وممارسة الصلاحيات المفوضة اليها من المجلس.
3- البلديات (15) وهي المستوى الثالث من مستويات الادارة المحلية ويعود انشائها الى قانون صادر في العام 1884 وقد مرت بتطورات مستمرة منها قانون رقم 16 لسنة 1971 الذي تضمن دمج بعض المحليات الصغيرة وتتماثل البلديات المحلية للمحافظات الفرنسية من حيث التشكيل والصلاحيات بأستثناء بلدية باريس التي تمتلك تنظيم خاص بها وتتفاوت بلديات فرنسا فيما بينها من حيث الحجم والكثافة السكانية والامكانات البشرية والمادية ويعود لفظ البلدية الى المدن والقرى على حد سواء (16) وتعتبر البلدية الحلقة الاكثر اتصالاً بالجمهور لانها على تماس معهم كما انها تعبر عن واقع تاريخي واقتصادي واجتماعي وهي الاساس للامركزية الادارية في فرنسا بعكس الاقليم التي تعتبر تنظيما اداريا بحتا .
وتتميز البلدية بوحدة السلطة فرئيس المجلس البلدي (العمدة ) هو ممثل الدولة بالبلدية في نفس الوقت ويتم أختيار أعضاء المجلس البلدي بالأنتخاب العام المباشر ويتفاوت عدد الأعضاء بين المجالس البلدية تبعاً لعدد السكان ويلاحظ من التنظيم القانوني لعضوية المجالس المحلية أنها مقتصرة على الانتخاب فقط وهي مجانية بأستثناء رؤساء المجالس المحلية (17).
منح الدستور الفرنسي المجتمعات المحلية صلاحية اتخاذ القرارات في كل المسائل المحلية حتى سمح لها مخالفة القوانين واللوائح على سبيل التجربة ولمدة محدودة اذا نص القانون او اللائحة على ذلك ما لم يؤد ذلك الى المساس باحد الحريات العامة أو الحقوق التي كفلها الدستور (18) ومنعها من التعدي على صلاحيات بعضها البعض الا في حالة اتفاقها على ممارسة نشاط معين مشتركة على تخويل احداها على ادارة وتنظيم هذا النشاط وكما سمح للادارة المركزية بطرح مشاريع القوانين للاستفتاء سمح للمجتمعات المحلية بذلك اذا كانت مشاريع القوانين ضمن صلاحيات المجتمع المحلي وأستشارة الناخبين ضمن الاطار الجغرافي لها في حدود ما سمح به القانون (19).
ثانيا : الاختصاصات المالية للجماعات المحلية .
ينفرد الاسلوب الفرنسي بأطلاقه الاختصاص للجماعات المحلية ولكن هذ الاطلاق ايضا مرهون بشروط معينة أبرزها :
1 - ممارسة الاختصاصات المحلية في حدود الصلاحيات التي يحددها القانون .
2- ادارة المرافق العامة التي تنشأها الدولة في الولاية
3- المشاريع الاقتصادية ذات الكلف العالية يتم تقييد حرية الادارة فيها تطبيقا لاحكام الدستور المتعلقة بمبادئ الاقتصاد الحر ودعم حركة الاستثمار أن هذا الأسلوب في تحديد الاختصاصات خفف الضغط على السلطة التشريعية المركزية في تشريع القوانين المتعلقة بالأختصاصات المحلية و ساعد على خلق مزيد من المرونة والاستقلال في العمل الاداري ومما زاد من هذا الاستقلال تمثيل هذه الهيئات في مجلس الشيوخ الفرنسي ومشاركة ممثليي الجماعات المحلية في العمل التشريعي (20) ويعتبر ايضا احدى الضمانات الدستورية للمجتمعات المحلية .
ان اتجاه المشرع الفرنسي الى منح مزيد من الاختصاصات الى المجالس المحلية كان نتيجة منطقية لكفاءة وقدرة هذه الاخيرة على أدارة شوؤنها المحلية ونضج التجربة الديمقراطية أضافة الى عوامل تاريخية مرجعها تنامي الاحساس بوحدة المصير ووحدة المصالح فاللامركزية الادارية ليست مجرد تقسيم للوظيفة الادارية بين الحكومة المركزية والهيئات المحلية بل هي تمثل استمرار للنهج الديمقراطي وأداة لتنمية الشعوب تمكنها المشاركة في صنع واتخاذ القرار وتوج هذا النهج بالغاء نظام الوصاية وأستبداله بالرقابة الادارية من قبل القضاء الاداري الذي يستطيع الغاء القرارات المخالفة للقانون عند تقديم دعوى من ممثل الجمهورية (21) .
ولقد ساهم الاعتراف الدستوري بالاستقلال الاداري والمالي المحلي (22) الى تعزيز اللامركزية في فرنسا خصوصا بعد اعتماد نظام الادارة الحرة في الاتحاد الأوربي الا ان ذلك مقيد بعدم المساس بالنظام المالي للجمهورية والمحافظة على وحدة التراب الفرنسي وعلى ذلك فأن المجالس المحلية تمتلك اصدار قرارت ادارية وتشريعات فرعية لفرض الضرائب والرسوم المحلية وفق ما يحدده المشرع من الموارد الضريبية للمجتمعات المحلية .
ولقد كان الدستور الفرنسي واضحاً في هذا المورد اذ منحها الحق في الاستفادة من مواردها المحلية بكل حرية وان تستلم كامل حصيلة الضرائب أو جزء منها بل سمح لها ايضا ان تحدد اساس تقييم الضرائب ونسبتها ضمن الحدود التي وضعتها القوانين واعتبر الايرادات الضريبية المحلية جزء من مواردها المحلية وكلما نقلت اليها صلاحيات جديدة من الحكومة المركزية منحت ايرادات مساوية للزيادة في نفقات هذه الصلاحيات (23).
وحتى بالنسبة للأقاليم الواقعة ما وراء البحار منحها الدستور (24) حق تحديد المسائل المطبقة على اقاليمها عند عدم تناولها من قبل القانون الاساسي ومنها الايرادات المحلية وانه لا يجوز تعديل القواعد التي تحكم التنظيم الخاص بها الا بعد التشاور مع الجمعيات التشاورية فيها اي ان المشرع الفرنسي مكن المجتمعات المحلية من الحصول على الايرادات المحلية عن طريق فرض الضرائب والرسوم المحلية ولكن وفق ضوابط خاصة وضعها المشرع .
ان منح المحليات إمكانية فرض الضرائب والرسوم يستند اساسا الى النص الدستوري والنص القانوني للمجتمعات المحلية فالمحليات ليست حرة بفرض ضرائب بصورة غير موجهة قانونياً ولهذا نجد ان النظام الضريبي الفرنسي يحتوي على صنفين من الضرائب فهناك الضرائب التي تفرضها الحكومة المركزية تفرض على كل ابناء التراب الفرنسي والضرائب المحلية التي يعود أمر فرضها الى المجتمعات المحلية (25) أما الرسوم فحصيلتها المالية قليلة أذا ما قورنت بالضرائب التي تفرضها المجالس المحلية مقابل الخدمات التي تقدمها وتحدديد قيمتها مثل رسوم دخول الحدائق والملاهي العائدة للجماعات المحلية والرسوم على مناطق الصيد وتساهم الضرائب والرسوم بما نسبته 34٪ من إجمالي الايرادات المحلية الجبائية.
أما الموارد الخارجية فتشمل أعانات السلطة المركزية (26) إذ سمح لها القانون تلقي الدعم من المالي سواء من الدولة أو من جماعات محلية أخرى لتمويل أختصاصاتها ويتم منحها من قبل الوزير المختص بنسبة معينة من حجم التكلفة للمشروع وبشروط معينة يراعى فيها اهمية المشروع للمنطقة وعدد السكان والحالة المالية للسلطة المحلية وهدف تقديم هذه الاعانات هو تشجيع المجتمعات المحلية للتغلب على مشاكل قلة الموارد وصغر حجمها, ومن الموارد الخارجية القروض فهي تشكل 10٪ من موارد المحليات وهي تخضع الى رقابة تفصيلية مركزية تتعلق بالمشروعات التي ترصد مبالغ القروض لتمويلها وعادة ما تمنح القروض من المؤسسات الائتمانية وشركات التمويل ويمكن أن تكون بالعملة الوطنية أو بالعملة الاجنبية (27).
ان آلية النظام الضريبي الفرنسي قائم على تقسيم الضرائب الى ضرائب وطنية تفرضها الحكومة المركزية وضرائب محلية تستلم المجتمعات المحلية كامل حصيلتها الضريبية أو تتقاسمها مع الحكومة المركزية لذلك حدوث حالة الازدواج الضريبي داخليا غالبا ما يقصده المشرع لانه المعني بوضع القوانين (28) اما بالنسبة للازدواج الضريبي الدولي فهو كثير الحدوث لان فرنسا تعتبر من يبقى 183 يوما فيها مقيما يسري عليه النظام الضريبي وكذلك سريان القانون الفرنسي على من يحمل الجنسية الفرنسية (29) وأن كان غير مقيم فيها وهذا غالبا مايتم معالجته بالاتفاقيات الضريبية الدولية مثل الاتفاقية الفرنسية مع المملكة العربية السعودية والاتفاقية الضريبية مع مصر
ثالثاً : ضمانات الاختصاصات المالية للجماعات المحلية.
لاشك ان اهم الضمانات لاستقلال الهيئات المحلية هو الضمانات التي توفرها النصوص الدستورية بما تمتلكه من علو على باقي القواعد القانونية ولم تحظى الهيئات المحلية بهذه الضمانات في فرنسا الا من خلال التعديل الدستوري في 28 مارس 2003 فخصها بثلاث مواد تضمنت احكاما هامة فالمادة 72 حدد فيها المشرع الدستوري التقسيم الاداري للجماعات المحلية الذي لا يمكن تغييره الا بتعديل الدستور ايضاً جعل الدستور الأنتخاب هي السبيل الوحيد لاختيار أعضاء الهيئات المحلية (30) ولم يدخل التعيين لجزء من الأعضاء وسيلة لعضوية المجالس المحلية (31) وجعل الدستور الفرنسي رئيس الجمهورية حامياً على احترام الحقوق والحريات من قبل مؤسسات الدولة والهيئات المحلية (32) أي انه في حالة عدم صدور أي تعدي على الحقوق والحريات التي كفلها الدستور يعتبر ذلك دليلاً على حسن ادارة الهيئات المحلية وقانونية ممارستها لنشاطاتها وايضاً وفر الدستور الضمانات الكافية فيما يتعلق بموارد الجماعات المحلية فأعطاها الحرية الكاملة للأستفادة منها وفقاً للدستور الفرنسي ووفقاً للشروط التي يحددها القانون تستطيع الهيئات المحلية تحديد وعاء الضريبة ونسبتها وتحديد انواع الرسوم المحلية اضافة الى الحصول على حصيلة الضرائب والرسوم المحلية وجعلها جزءاً من الموارد المخصصة لها أي ان القانون الاساسي (القانون البرلماني) هو الذي يحدد شروط فرض وتحصيل الضرائب المحلية وهذا يبعدها عن تأثير الحكومة المركزية وان كل صلاحيات جديدة (33) تمنح للهيئات المحلية يقابلها منح موارد جديدة لمواجهة هذه الصلاحيات أي يحق لها وفقاً للنص الدستوري استحداث ضرائب ورسوم محلية جديدة لتغطية النفقات الجديدة ولا شك بأن هذا النص يعتبر خير ضمان للجماعات المحلية لأنه سمح بنقل الأختصاصات من الحكومة المركزية الى المجتمعات المحلية.
وتعد المشاركة في اتخاذ القرارات الوطنية من خلال تمثيلها في مجلس الشيوخ الفرنسي الذي يمثل (الغرفة التشريعية الثانية في البرلمان الفرنسي) طبقاً لنص المادة 24 من دستور فرنسا وأن كان هذا التمثيل يكون بشكل كلي وليس منفرد وعن طريق الاقتراع العام المباشر وهذا ما ينسجم مع توجهات الدستور الفرنسي للمحافظة على وحدة التراب الفرنسي ضمانة حقيقية لحرية الادارة للجماعات المحلية في مقابل السلطة المركزية من خلال دراسة مشاريع القوانين المتعلقة بالجماعات المحلية وكذلك الأليات الرقابية المتاحة لديه لضمان تطبيق أحكام اللامركزية الادارية وعدم تقويضها .
وأيضاً جاء الاعتراف للجماعات المحلية بسلطة تنظيمية بموجب الدستور تعزيزا لحرية الادارة المحلية رغم أنها لا تعتبر منافسة للسلطة التنظيمية للحكومة المركزية باقتصار اثرها على الصعيد المحلي فقط ومتعلقة بالاختصاص المحلي فقط (34) .
أما عن الضمانات القانونية للأستقلال المالي للجماعات المحلية فيتجسد في حرية هذه الجماعات في أعداد ميزانيتها ومناقشتها في المجالس المحلية والمصادقة عليها ومن ثم تنفيذها أي ان الجماعات المحلية الفرنسية تستطيع وفقاً للشروط التي يحددها القانون الأستفادة من الأيرادات المحلية بحرية تامة بل حتى الأعانات التي ترفدها بها الحكومة المركزية هي التي تحدد أوجه التصرف بها دون اللجوء الى المركز بذلك بل وحتى يمكنها اللجوء الى الاقتراض المحلي لتنفيذ خطط التنمية فيها أما بالنسبة لقبول الهبات والوصايا فأنه يتطلب موافقة السلطات المركزية عليها ابتداءاً .
وحفاظاً لاستقلالية الجماعات المحلية المالية أكد المجلس الدستوري في قراره رقم (474-2003) على ان تقديم أعانات للجماعات المحلية من الدولة لا يتنافى مع الأدارة الحرة شرط ان لا تعتبر هذه الأعانات النسبة الأكبر من الموارد المالية الذاتية للجماعات المحلية والتي يجب ان تكون هي المصدر الأساسي لتمويل الموازنة المحلية (35).
ويهدف مبدأ المساواة بين الجماعات المحلية المنصوص عليه في المادة (72/2) من الدستور الى أزالة التفاوت المالي بين الجماعات المحلية من ناحية كفاية الموارد المالية بموجبه يتم تحويل قسم من الموارد المالية من جماعات محلية غنية الموارد وتحويلها الى محليات أخرى فقيرة الموارد وأن كان هذا الامر قد يتعارض مع مبدأ الادارة الحرة للجماعات المحلية الا أنه يعتبر اجراءاً حكوميا يصب في مصلحة الجماعات المحلية بصورة عامة ويحقق نوعاً من التضامن المالي بين الجماعات المحلية.
وفيما يتعلق بزيادة تخصيصات الجماعات المحلية عند نقل اختصاصات جديدة لها يجب ان لا يتنافى ذلك مع حرية الادارة أي أنه يجب أن يظل مقتصراً على النفقات الأجبارية دون الأختيارية وعند نقل الأختصاص فقط وحتى بالنسبة للرقابة التي يمارسها مجلس الدولة على المجالس المحلية تقتصر فقط للنظر في الطعون المقدمة على القرارات المحلية (مبدأ المشروعية) ومنازعات العقود الادارية التي تبرمها ولا يشمل في كل الاحوال تحديد ما يعتبر أختصاصاً محلياً من عدمه الا في الحدود التي يسمح بها القانون(36) .
_________
1- صلاح الدين صادق الحكم المحلي في فرنسا, موسوعة الحكم المحلي الجزء الثاني منشورات المنظمة العربية للعلوم الادارية 1977 ص 421
2- بین جان في كتابه ان (18٪) من سكان فرنسا يقطنون في باريس التي تحتكر الصناعات التحويلية وصناعة السيارات وان اكثر من (4/3) سكانها من حاملين الدبلومات العالية محاضرات في القانون العام على الموقع الالكتروني www,coursdrotar.com
3- في عهد الرئيس (جورج بومبيدو ) صدر القانون (619) في 5 يونيو 1972 منحت الاقاليم شخصية معنوية مرفقية واعتبرت مؤسسات عامة مهمتها تنفيذ مشروعات التنمية الاقتصادية التي تعجز المحافظات عن تنفيذها محمد أنس قاسم التنظيم المحلي الديمقراطي (دراسة مقارنة) 1982 ص 81
4- أضيفت عبارة تنظم الجمهورية على اساس لا مركزي في التعديل الدستوري لعام 2003
5- رغم ان الدستور الفرنسي لعام 1958 لم يضع حدودا للاختصاصات بين المركز والاقاليم وترك ذلك للمشرع لتحديد الاختصاص حسب المستوى المحلي بسبب احتواء الدستور الفرنسي على مبدأ التضامن وهو يعتبر قاعدة مرجعية لرقابة دستورية ولسهولة تعديل القانون العادي مقارنة بالدستور شويخ بن عثمان حقوق وحريات الجماعات المحلية اطروحة دكتوراه مقدمة الى جامعة أبو بكر قايد, 2018 ص37
6- صدر هذا القانون في (2-3-1982) ويعرف بأسم قانون اللامركزية الفرنسي
7- نصت المادة (2) من قانون اللامركزية الفرنسي رقم 213 لسنة 1982 المعدل بأنه " تتمتع الجماعات الاقليمية بحرية أدارة شؤونها بواسطة مجالسها المنتخبة وفق الشروط التي يحددها القانون "
8- تتمتع جهات ما وراء البحار بنفس الحقوق والواجبات التي تتمتع بها الاقاليم الفرنسية الأخرى وتتمتع بممثلين في الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ ومجلس الشؤون الاقتصادية والاجتماعية ولديهم عضو يمثلهم في الاتحاد الأوربي وعملتهم اليورو وهي غويانا غود الوب مارتينيك ريونيون مايوت
9- نظم المشرع الفرنسي في المواد من (352-364) من قانون الانتخابات الفرنسي رقم 404 لسنة 1998 شروط العضوية لمجالس الاقاليم وطلبات الترشيح محمد نجيب علي عبد الجواد تكريس المبدأ الديمقراطي في تشكيل الوحدات المحلية (دراسة مقارنة) بحث منشور في مجلة البحوث الفقهية والقانونية العدد 47 اكتوبر 2024 ص 416
10- تؤكد المادة (3) من قانون اللامركزية الفرنسي لعام 1982 المعدل على الرقابة اللاحقة للقرارات الاداية المحلية امام القضاء الاداري .
11- صلاح الدين صادق الحكم المحلي في فرنسا, موسوعة الحكم المحلي الجزء الثاني منشورات المنظمة العربية للعلوم الادارية 1977 ص445
12- خالد سمارة الزعبي تشكيل المجالس المحلية وأثرها في كفايتها في نظم الادارة المحلية الطبعة الثالثة الاردن دار الثقافة للنشر والتوزيع 1993 ص 102
13- المادة (2) من قانون اللامركزية الفرنسي رقم 213 لسنة 1982 المعدل
14- الغي نظام التجديد النصفي لاعضاء المجلس العام المحافظة بصدور قانون التنظيم الاداري في كانون الأول لعام 1990
15- كانت البلدية قبل 1884 تابعة للدولة المركزية أما بعد أقرار قانون الميثاق البلدي الفرنسي لعام 1884 فقد أنشأها كشخص معنوي مستقل ولها مجلس بلدي و يرأسها العمدة أما قانون 1982 فقد أنهت نظام الوصاية الادارية المسبقة وأرست مبدأ الادارة الحرة .
16- جلال محمد بكير الاسلوب الفرنسي في الادارة المحلية بحث منشور في مجلة مصر المعاصرة العدد 1971,343 ص 391
17- خالد سمارة الزعبي, العلاقة بين الادارة المركزية والادارة المحلية وأساليب استخدامها الملتقى العربي الاول صلالة عمان 2003 ص 114
18- نصت المادة (72) من دستور فرنسا لعام 1958 المعدل على يمكن للمجتمعات المحلية أن تتخذ القرارات في كل المسائل التي تنشأ بموجب الصلاحيات التي يمكن ممارستها في أطار أختصاصها بأفضل طريقة ممكنة ويجوز للمجتمعات المحلية أو مجموعات منها أن تخالف على سبيل التجربة وفي موضوع معين ولمدة محدودة أحكام القوانين أو اللوائح التي تسري على ممارسة صلاحياتها أذا نص القانون أو اللائحة على ذلك .
19- نصت (72/1) من الدستور الفرنسي لعام 1958 المعدل على يجوز تقديم مشاريع القرارات والقوانين التي تدخل ضمن صلاحيات مجتمع محلي ما وبمبادرة من الاخير لأتخاذ القرار فيها عن طريق الاستفتاء وفق الشروط التي يحددها قانون أساسي "
20- نصت المادة (24) من الدستور الفرنسي لسنة 1958 المعدل على يتعين على مجلس الشيوخ ضمان تمثيل المجتمعات الاقليمية الخاضعة للجمهورية "
21- محمد علي الخلايلة الادارة المحلية وتطبيقاتها في كل من الاردن وبريطانيا وفرنسا ومصر دراسة تحليلية مقارنة "الطبعة الثانية دار الثقافة للنشر والتوزيع, عمان, 2013 ص 116 -117
22- نصت المادة (34) من دستور فرنسا لعام 1958 المعدل يحدد القانون القواعد المتعلقة ب الاستقلال الاداري للمجتمعات المحلية وصلاحياتها ومواردها "
23- المادة (72-2) من دستور فرنسا لعام 1958 المعدل
24- المادة (73) من الدستور الفرنسي لسنة 1958 المعدل
25- تعتبر المادة (4) من قانون اللامركزية الادارية الفرنسي رقم 213 لسنة 1982 الاساس القانوني للاستقلال المالي للجماعات المحلية حيث أكدت على امتلاك الجماعات المحلية لموارد مالية تمكنها من ادارة شؤونها بحرية في حين حددت المادة (1-1611.L) من CGCT قانون الجماعات الاقليمية وما يليها الموارد المالية الخاصة بكل جماعة اقليمية
26- حددت المادة (16122) من قانون الجماعات الاقليمية الفرنسي الموارد الخارجية للجماعات المحلية وهي الحصص من الضرائب الوطنية والاعانات من الدولة والتحويلات المخصصة للاستثمارات
27- حددت المواد (1-21612-1612L )من CGCT (قانون الجماعات الاقليمية ) كل ما يتعلق بالاقتراض للجماعات المحلية من الشروط والضمانات والرقابة على القروض وكيفية التسديد
28- نصت المادة (34) من دستور فرنسا لعام 1958 " يحدد القانون القواعد المتعلقة بما يلي .. أساس الضرائب بجميع أنواعها ونسبها وكيفية تحصيلها ونظام أصدار النقود "
29- بينت المادة (4) من المدونة العامة للضرائب الفرنسي معايير الاقامة الضريبية ب 1- يقيم بشكل دائم في فرنسا (183 يوما في السنة) 2 - مركز مصالحه الاقتصادية في فرنسا 3له مقر عمل أو نشاط مهني أساسي في فرنسا
30- المادة (34) من دستور فرنسا نصت على تحدد القوانين القواعد المتعلقة بما يلي ... النظام الانتخابي لمجلسي البرلمان والمجالس المحلية "
31- المادة (72) من دستور فرنسا لعام 1958 المعدل
32- المادة (5) من دستور فرنسا لعام 1958 المعدل
33- المادة (72/2) من دستور فرنسا 1958 المعدل
34- نصت المادة (72) من دستور فرنسا على وفي الشروط المنصوص عليها في النظام الاساسي تكون المجتمعات المحلية ذات حكم ذاتي من خلال مجالس منتخبة وتكون لها الصلاحية في أعدائد اللوائح التي تندرج ضمن اختصاصها "
35- نشر القرار على الموقع الرسمي للنصوص القانونية الفرنسية بتاريخ 17-7-2003
Texte complet sur Légifrance) Décision n° 2003-474 DC du 17 juillet 2003
36- أقر مجلس الدولة الفرنسي للجماعات المحلية أنشاء المرافق الاقتصادية لتغطية الحاجات المحلية بموافقته على قيام مجلس بلدية مدينة نيتر بأنشاء عيادة لطب الاسنان ولم يعتبرها عملا تجاريا بل اعتبرها حاجة محلية بسبب غلاء الاسعار ينظر جورج فيدول وبيار دلفو لفيه القانون الاداري ترجمة, منصور القاضي الجزء الثاني الطبعة الأولى المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع 2008 ص 545
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون الاداري
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة