(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)
خلاصة التفسير: لم يكن للمسلمين في الايام الصعبة التي سبقت هجرتهم الى المدينة من خيار سوى التحمل والتحلي بالصبر على أنواع الاذى وألوان التعذيب لكن وبعد الهجرة وتأسيس الحكومة الاسلامية واكتسابهم قدرة الدفاع عن أنفسهم أذن لهم الله عز وجل بصد العدوان عن أنفسهم ومنجزاتهم ومقاتلة المشركين والكافرين إذا ما سولت لهم أنفسهم الاعتداء عليهم. ومن الطبيعي أن قيمة المعركة تكمن في هدفها لا في مجرد القتال والحرب فتقديم الظرف (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يدل على أن هدف الاسلام من الحرب هو اقامة دعائم الدين الحنيف والدفاع عن حياضه ولهذا لابد من أن تصطبغ عملية محاربة الكفار بالصبغة الدينية ولا بد للمحارب المسلم من القتال في سبيل الله وحده وتظهر أهمية الهدف وقدسيته من خلال تقديم الظرف المذكور أيضا. ولكي يتم حث المسلمين على القتال وإثارة الغيرة والنخوة فيهم أمرهم الله سبحانه بمحاربة الكفار مذكرا اياهم بالأيام الماضية التي لم يتوان فيها أولئك الكافرون عن مقاتلتهم وتعذيبهم والتنكيل ولفترة طويلة وأنهم مازالوا يكيدون لهم ويتربصون بهم الدوائر وجاءت عبارة (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) لتنذر أفراد المجتمع الاسلامي وتحذرهم من المؤامرات التي يحيكها لهم الكفار وأن عليهم اتخاذ الحذر وإتباع الحيطة لكيلا يسمحوا لأعدائهم بأخذهم على حين غزة.
وفي نفس الوقت نبه الله عز وجل المقاتلين المسلمين وحذرهم من الاعتداء أو تجاوز حدود العدل والإنصاف في مجال الحرب والدفاع وما شابه ذلك بل وقد بين لهم أنه سبحانه وتعالى يبغض المعتدين ولا يحبهم.
تفسير تناسب الايات: نزلت هذه الاية والآيات الخمس التي تليها معا بدلالة السياق الذي يربطها مع بعضها البعض خاصة اذا ما علمنا أن هدفها جميعا هو واحد وهو تشريع القتال ضد المشركين في مكة وقد شرحت الايات المذكورة التي أذن فيها الجهاد لأول مرة في تأريخ الاسلام شرحت حدود واحد من الاحكام ولوازم ذلك الحكم بالترتيب التالي: أصل الحكم ونظامه وحدوده الشدة والقسوة فيه ثم المكان والزمان ومساحة كل منهما بالإضافة الى بيانها بأن الحكم المشار اليه يمثل تشريعا للقصاص في الحرب والقتل والمعاملة بالمثل على التوالي وفي النهاية أوجب الحكم المذكور تهيئة وتجهيز الاستعدادات والتجهيزات المالية التي تشمل الانفاق والصرف من أجل اعداد المقاتلين[1].
وتعتبر هذه الفئة من الايات في سورة البقرة جانبا من الهداية الالهية في القرآن الكريم علما بأن الاهتداء والاقتداء بالقرآن يعدان من صفات المتقين ولذلك فلا ظهور للتقوى الا في ظل الجهاد والإنفاق ومن لم يفهم التقوى بهذا المعنى فإنه لم يفهم القرآن اطلاقا[2]. ومعنى ذلك أن هذه الايات الشريفة تحاول تنقية معنى التقوى من بعض الشوائب والتصورات المغلوطة مقدمة بذلك التصور الصحيح لها لكي يضعها الانسان نصب عينيه سواء في الحرب أو في السلم ومن بين التصورات الخاطئة والمعقدات المنحرفة التي تعالجها تلك الايات ما يلي: 1. التقوى هي ألا يدخل الانسان في أي قتال مع الاخرين وأن يسعى دوما الى التعامل مع غيره بالتسوية والمصالحة.
2. لا تنسجم التقوى مع القتال والنصر والتفوق والنصر والسيادة.
3. على الانسان أن يميل الى التسوية والهدوء والاستقرار وممارسة نشاطاته اليومية وان كانت الظروف التي يعيشها هي ظروف حرب وجهاد.
وتجدر الاشارة الى أن الله سبحانه قد أمر في آخر الاية السابقة بالتقوى ثم جاء الجزء الاصعب من أجزاء التقوى وهو الجهاد في سبيل الله وهو ما أمر به تعالى في الاية المفسرة[3].
واعتبر بعض المفسرين أن الاية المفسرة تمثل جملة استطرادية ومعطوفة على قوله تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا[4])، فيما ربط البعض الاخر منهم ذلك بما قبله وقالوا في ما يتعلق بوجه الارتباط: 1. العبادات نوعان: مؤقتة أي مقيدة ومحدودة بزمان معين وغير مؤقتة وقد أشير قبل هذا الى العبادات وبعض أحكامها مما كان لها زمان خاص كالصوم والحج ثم جاءت هذه الاية لتذكر بعبادة غير مقيدة بزمان معين وهي مسألة الجهاد[5].
2. ذكر الله سبحانه فريضة الحج في هذه السورة المدنية بينما كانت الطرق المؤدية الى مكة بيد المشركين الذي صدوا المسلمين عنها ومنعوهم من أداء تلك الفريضة وقد أمر تعالى المسلمين في هذه الاية بمعاملة المشركين بالمثل من القتل والإخراج مذكرا اياهم بأن هؤلاء المشركين الظالمين هم الذين منعوهم في السابق من زيارة المسجد الحرام[6].
3. بينت الاية السابقة بأن الاهلة هي لمعرفة وتحديد وقت العبادات والمعاملات وخاصة فريضة الحج لأدائه في أشهر معلومة حيث كان القتال محرما فيها في العصر الجاهلي وقد نزلت الايات المفسرة لتأذن للحجاج والمعتمرين بالقتال في الاشهر الحرم إذا ما تعرضوا لأي اعتداء واستنادا الى الآيات المذكورة فقد أجيز القتال حتى في الأشهر الحرام إذا كان الهدف منه هو الدفاع عن الإسلام وصد الناكثين الذي يريدون اثارة الفتن والفساد بين المسلمين[7].
4. اذا اراد الشخص الحكيم أن يوصي بعمل جبار فإنه يقوم بذلك تدريجيا مستخدما أساليب متنوعة وفنونا بلاغية وبيانية متعددة ثم يبدأ بتشجيع الافراد وحثهم على القيام بالفعل الملطلوب منهم وهكذا وعد الله سبحانه المسلمين في بداية الامر بأنه سيذل الظالمين ويخزيهم وبشر المؤمنين بأن من يقتل منهم سيكون حيا يرزق وبعد أن ثمن صدقهم وتقواهم مدحهم وشكر لهم صبرهم وجلدهم في المحن والأوقات العصبية فلما رغبهم في مقاتلة المعاندين ومحاربة المعتدين ومثاقفة الظالمين أوجب عليهم القتال بالأمر لكي يتمكنوا من فتح الطريق الى الحج الواجب وتسهيل السفر الى بيت الله بعد أن كان مغلقا من قبل المشركين[8].
تذكير: تحدثنا آنفا حول هذا النوع من التناسب بين الايات فمنه ما يعتمد على الذوق ومنه ما يمكن قبوله ولو بشهادة ضعيفة رغم أن بعضها الاخر موثوق ومعتمد لكن يبدو أن الانسجام بين هذه الاية والآيات اللاحقة سيكون وضحا تماما.
[1] تفسير الميزان: 1 / 60 - 61. قال الأستاذ العلامة الطباطبائي ثل: «إذن ابتدائي للقــال مــع المشركين المقاتلين من غير شرط، على أن الآيات الخمس جميعاً متعرضة لبيان حكــم واحـد بحدوده وأطرافه ولوازمه، فقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) لأصل الحكم، وقوله تعالى :. (وَلَا تَعْتَدُوا).. إلخ، تحديد له من حيث الانتظام، وقوله تعالى:.. (وَاقْتُلُوهُمْ). إلخ، في [الآية التالية] تحديد له من حيث التشديد، وقوله تعالى: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) إلخ تحديد له من حيث المكان، وقوله تعالى:. (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ...) إلخ تحديد لـه من حيث الأمد والزمان، وقوله تعالى. (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ...) إلخ، بيان أن هذا الحكم تشريع للقصاص في القتال والقتل ومعاملة بالمثل معهم، وقوله تعالى: (وَأَنفِقُواْ) إيجاب لمقدمته المالية وهو الإنفاق للتجهيز والتجهز فيقرب أن يكون نزول مجموع الآيات الخمس لشأن واحد من غير أن ينسخ بعضها بعضاً كما احتمله بعضهم، ولا أن تكون نازلة في شؤون متفرقة كما ذكره آخرون، بل الغرض منها واحد وهو تشريع القتال مع مشركي مكــة الذين كانوا يقاتلون المؤمنين.
[2] الأساس في التفسير: 1 / 449. قال سعيد حوى: «إنّ هذه الفقرة جزء من الهدى الذي أنزله الله في كتابه لهداية المؤمنين في شؤونهم كلها، ومن صفات المتقين أنهم يهتدون بهذا القرآن، فلا تقوى إلا بقتال وإنفاق وعمل مكافئ لعمل أعداء الله ضدّنا وانتقام من أعداء الله وبذل جهد لنصرة دين الله، ومن لم يفهم التقوى كذلك لم يفهم كتاب الله.
[3] تفسير غرائب القرآن: 1 / 528 ؛ راجع أيضاً: التفسير المنير: المجلد 1، 2 / 178. قال وهبة الزحيلي في التفسير المنير: كان القتال قبل الهجرة محظوراً بآيات كثيرة...، ثم نسخ الله وجــوب هذا كله في المدينة بقوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) وأما أول آية نزلت في الإذن بالقتال فهي (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ).
[4] تفسير التحرير والتنوير: 2 / 196. قال ابن عاشور: جملة (وَقَاتِلُوا) معطوفة على جملة (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا) وهو استطراد دعا إليه استعداد النبي صلى الله عليه وسلم لعمرة القضاء سنة ست وتوقع المسلمين غدر المشركين بالعهد، وهو قتال متوقع لقصد الدفاع لقوله: (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ).
[7] تفسير المنار: 2 / 208؛ التفسير المنبر: المجلد 1 - 2،2 / 177 قال صاحب تفسير المنار: ذكر اللهُ تَعَالَى حُكْمَ الأَمْوَالِ عَقِبَ ذِكْرِ أَحْكَامِ الصِّيَامِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، وَالصِّيَامُ عِبَادَةٌ مَوْقُوتَةٌ لا يَتَعَدَّى فَرضُهَا شَهْرَ رَمَضَانَ، وَالأَمْوَالُ وَسِيلَةٌ لِعِبَادَةِ الْحَجِّ وَهُوَ يَكُونُ فِي الأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَلِعِبَادَةِ الْقِتَالِ مُدَافَعَةٌ عَنِ اللَّةِ وَالأُمَّةِ وَهِيَ قَدْ كَانَتْ تَمنُوعَةٌ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ ، فَنَاسَبَ أَنْ يُعَقِّبَ بَعْدَ أَحْكَامِ الصِّيَامِ وَالأَمْوَالِ بِذِكْرِ مَا يُشْرَعُ فِي الأَشْهُرِ الْحُرُمِ مِنَ الْحَجِّ وَمِنَ الْقِتَالِ عِنْدَ الاعْتِدَاءِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَبْدَأُ ذَلِكَ بِذِكْرِ حِكْمَةِ اخْتِلافِ الأَهِلَّةِ... ووَرَدَتْ هَذِهِ الآيَاتُ فِي الإِذْنِ بِالْقِتَال لِلْمُحْرِمِينَ فِي الأَشْهُرِ الْحُرُمِ إِذَا فُوجِثُوا بِالْقِتَالِ بَغْيًا وَعُدْوَانًا، فَهِيَ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبْلَهَا أَتَمَّ الاتِّصَالِ؛ لأَنَّ الآيَةَ السَّابِقَةَ بَيِّنَتْ أَنَّ الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ فِي عِبَادَاتِهِمْ وَمُعَامَلاتِهِمْ عَامَّةً وَفِي الْحَجِّ خَاصَّةً، وَهُوَ فِي أَشْهُرٍ هِلَالِيَّةٍ تَحْصُوصَةٍ كَانَ الْقِتَالُ فِيهَا مُحَرَّمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
[8] نظم الدرر: 1/ 362. قال البقاعي: لما ذكر سبحانه الحج في هذه السورة المدنية وكان سبيله اذ ذاك ممنوعا عن أهل الاسلام بأهل الحرب الذين أخرجوهم من بلدهم ومنعوهم من المسجد الذي هم أحق به من غيرهم وكان الحج من الجهاد أمر بأن يفعل معهم مثل ما فعلوا من القتال والإخراج فعل الحكيم الذي يوصي بالشيء العظيم فهو يلقيه بالتدريج في أساليب البلاغة وأفانين البيان تشويقا اليه وتحريضا عليه بعد أن أشار لأهل هذا الدين أولا بأنه يخزي ظالميهم وثانيا بأن المقتول منهم حي يرزق وثالثا بمدحهم على الصبر في مواطن البأس بأنهم الذين صدقوا وأنهم المتقون فما شوقهم الى جهاد أهل البغي والعناد ألزمهم القتال بصيغة الامر لتيسير باب الحج الذي افترضه وسبيله ممنوع بأهل الحرب.