اخراج المشركين من مكة وجزيرة العرب
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص707-709
2026-07-23
85
منع الله تعالى المشركين من البقاء في مكة والمكوث فيها طالما ظلوا على شركهم (وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) بل لم يسمح لهم كذلك بالعيش في جزيرة العرب برمتها بعد نزول أمر الجهاد الابتدائي إلا إذا أسلموا وهو ما صرح به الرسول الاعظم ﷺ حين قال: لا يجتمع في جزيرة العرب دينان[1]، اذا فحكم الله تعالى يقضي بطي صفحة الشرك مع انتصار المسلمين وغلبتهم فلما فتح المسلمون مكة اختار بعض المشركين الدخول الى الاسلام واعتناق الدين الجديد برغبة صادقة فيما دخل غيرهم ومنهم بنو أمية خوفا ورثاء وأملا في الحفاظ على أرواحهم وأموالهم وسلطانهم ومراكزهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية وقد صور أمير المؤمنين عليه السلام حالتهم تلك بقوله: (ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلما وجدوا أعوانا عليه أظهروه[2])[3]. بينما أخرج الباقي وطرد.
ومنذئذ لم يعد للمشركين أي حق لدخول منطقة المسجد الحرام: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا[4])، وان دخلوه بشكل أو بآخر وجب طردهم في الحال وإن ادى ذلك الى وقوع الحرب والحرمة الكعبة المشرفة وقدسية المسجد الحرام لا يحق للمسلمين كذلك دخولهما دون احرام حتى في غير موسم الحج وعدم نيتهم زيارتهما ومهما كان الغرض من الدخول سواء أكان للزيارة أو التجارة أو السياحة فلا بد من أن يكون ذلك في أحد المواقيت المعروفة لأداء المعمرة الفمردة ويستثنى من ذلك الاشخاص الذين تقتضي الحاجة دخولهم الى المسجد بشكل دائم ومستمر كالسائقين والحمالين وأمثالهم وتختص مكة المكرمة والمسجد الحرام بهذه الميزة دون المدن والمناطق الاخرى بما في ذلك المدينة المنورة.
تذكير: 1. يعود الضمير هم في كلمتي (وَاقْتُلُوهُمْ) و(وَأَخْرِجُوهُم) الى المشركين الذين يضمرون نية القتال مع المسلمين وإن كان فيهم نساء عجائز ومرضى عاجزين وليس مطلق المشركين.
2. ادى رجوع الضمير المذكور الى المهاجمين في الاية الى اعتقاد بعض المفسرين ومنهم أبو حيان الاندلسي أن هذه الاية أيضا تشير الى خصوص المقاتلين بالفعل من المشركين وليس عموم المشركين[5] وهذا الرأي ليس رأيا صائبا لأن عنوان الاية المذكورة هو القتل لا القتال خلافا للآية السابقة إذا فهي لا تعني خصوص المقاتلين بالفعل من المشركين.
[1] مجمع البيان: 1 - 2 / 511 - 512. قال العلامة المجلسي قدس سره - جلد في بحار الأنوار: 20 / 160: اختلف في معناه ويعني قوله تعالى: فـ(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) قيل: كان جلاؤهم ذلك (أي اليهود) أول حشر اليهود إلى الشّام، ثُمّ يُحشر الناس يوم القيامة إلى أرض الشام أيضاً وذلك الحشر الثاني عن ابن عباس والزهري والجبائي. قال ابن عباس: قال لهم النبي ﷺ: أخرجوا قالوا: إلى أين؟ قال: ﷺ «إلى أرض المحشر». وقيل: معناه لأوّل الجلاء؛ لأنهم كانوا أول من أجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب، ثم أجلي إخوانهم من اليهود لئلا يجتمع في بلاد العرب دينان.
[2] أي: أعلنوا ما كانوا أسروا وأظهروا ما كانوا أبطنوا.
[3] نهج البلاغة: الكتاب ،16 ، مما كان يقوله عليه السلام لأصحابه عند الحرب: «لا تَشْتَدنَّ عَلَيْكُمْ فَرة بَعْدَهَا كَرَّةٌ وَلا جَوَلَةٌ بَعْدَهَا حَمَلَةٌ وَأَعْطُوا السُّيُوفَ حُقوقهَا وَوَطَعُوا لِلْجُنُوبِ مَصَارِعَهَا وَاذْمُرُوا أَنفُسَكُمْ عَلَى الطَّعْنِ الدَّعْسِي وَالضَّرْبِ الطَّلَحْفِي وَأَمِيتُوا الأَصْوَاتَ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ، فَوَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا أَسْلَمُوا وَلَكِنِ اسْتَسْلَمُوا وَأَسَرُوا الْكُفْرَ فَلَمَّا وَجَدُوا أَعْوَانَا عَلَيْهِ أَظْهَرُوهُ.
[5] تفسير البحر المحيط: 2 / 75-76. قال أبو حيان الأندلسي: قوله تعالى: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ) هو أن يبدأهم بالقتال في هذا الموطن حتى يقع ذلك منهم فيه، قال مجاهد: وهذه الآية محكمة لا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد أن يقاتل... والنسخ قول الجمهور، وقد تقدّم طرف من الكلام في هذا النسخ في هذه الآية. وقرأ حمـزة والكسائي والأعمش ولا تقتلوهم وكذلك حتى يقتلوكم، فإن قتلوكم من القتل، فيحتمل المجاز في الفعل أي ولا تأخذوا في قتلهم حتى يأخذوا في قتلكم، ويحتمل المجاز في المفعول أي: ولا تقتلوا بعضهم حتى يقتلوا بعضكم، فإن قتلوا بعضكم، يُقال قتلنا بنو فلان، يريد قتل بعضنا... (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ): و(حتى) هنا للغاية، وفيه متعلق بـ(يُقَاتِلُوكُمْ) والضمير عائد على، (عند) تعدّى الفعل إلى ضمير الظرف فاحتيج في الوصول إليه (فيه) إلى هذا، ولم يتسع فتعدى الفعل إلى ضمير الظرف تعديته للمفعول به الصريح، لا يُقال: إن الظرف إذا كان غير متصرف لا يجوز أن يتعدّى الفعل إلى ضميره بالاتساع ؛ لأنّ ظاهره لا يجوز فيه ذلك، بل الاتساع جائز إذ ذاك ألا ترى أنه يخالفه في جرّه وإن كان الظاهر لا يجوز فيه ذلك؟ فكذلك يخالفه في الاتساع، فحكم الضمير إذ ذاك ليس كحكم الظاهر: (فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) هذا تصريح بمفهوم الغاية وفيه محذوف، أي: فإن قاتلوكم فيه فاقتلوهم فيه، ودلّ على إرادته سياق الكلام.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة