0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

الحياة الاسرية

الزوج و الزوجة

الآباء والأمهات

الأبناء

مقبلون على الزواج

مشاكل و حلول

الطفولة

المراهقة والشباب

المرأة حقوق وواجبات

المجتمع و قضاياه

البيئة

آداب عامة

الوطن والسياسة

النظام المالي والانتاج

التنمية البشرية

التربية والتعليم

التربية الروحية والدينية

التربية الصحية والبدنية

التربية العلمية والفكرية والثقافية

التربية النفسية والعاطفية

مفاهيم ونظم تربوية

معلومات عامة

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

منشأ انتزاع الخير والشر

المؤلف:  الشيخ عبد الله الجوادي الآملي

المصدر:  الإسلام والبيئة

الجزء والصفحة:  ص151ــ159

2026-08-01

22

+

-

20

إن للأستاذ العلامة الطباطبائی (رحمه الله) بحث مبسوط في استناد الحسنات والسيّئات إلى الله سبحانه وعصارته:

إن الحسنة والسيئة - أو الحسن والقبح - مقتبسان من نظام التكوين. فإن كانت التركيبة الباطنية الموجود ما منسجمة ومتكاملة في نظام التكوين ولا نقص فيها للوصول إلى الهدف فهو موجود جيد وحسن، وإن حل به نقص من الداخل أو الخارج وفَقَدَ انسجام أجزائه وتعذر عليه الوصول إلى هدف خلقته فهو موجود رديء وسيء.

والعدل والظلم كذلك يردان بنفس المعنى في نظام التكوين. فإن نمت شجرة بشكل طبيعي ولم تتضرر وأثمرت في أوانها فهي شجرة عادلة معتدلة إن تضررت وقل ثمارها لفقدانها تعادل أجزائها الداخلية فهي شجرة ظالمة؛ {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف: 33]، فعبر في هذه الآية عما تُقدّمه الرياض المُشجرة من ثمر وافر في نهاية السنة بعدم الظلم.

وقد سرت العناوين المذكورة - الحسنة والسيئة والحسن والقبح، والعدل والظلم - من نظام التكوين والواقع إلى نظام التشريع والاعتبار. فإن وافق العمل الحكم الشرعي فهو حسنة وإن خالفه فهو سيئة، وقد تم التعبير في الشريعة عن هذه العناوين بتعابير أخرى كالحلال والحرام والطاعة والعصيان.

وهذه المسألة جارية في النظام الاجتماعي والأمور العرفيـة أيـضـاً، فإن انسجم عمل مع النظام القانوني الحاكم على المجتمع الذي يهدف إلى تأمين سعادة الجميع فهو حسنة وإن خالفه ولم ينسجم معه فهو سيئة.

ثم إن الحوادث الجارية في عالم الوجود قد تتلاءم مع السعادة الفردية والاجتماعية للإنسان وتبعث على الرفاه والصحة والأمل فيه، فينتزع منها الناس عنوان الخير والحسنة وقد تكون الحوادث عكس ذلك مريرة ولا تنسجم مع المتطلبات الفردية والاجتماعية للبشر، ففي هذه الصورة يُنتزع منها عنوان الشر والسيئة.

النظام الأحسن

فتحصل مما تقدم أن الحسنة والسيئة من العناوين الإضافية والنسبية التي تستقى من مقارنة الظواهر والحوادث مع كمال نوع الإنسان أو سعادة أفراده، فقد تكون حقيقة سيئة وشراً لجمع وحسنة وخيراً لآخرين كقصاص الجاني الذي هو سيئة للقاتل ومتعلقيه وحسنة لأولياء الدم. بيد أن أصل وجـود حقائق العالم مع غض النظر عن هذه المقارنة خير وحسن ولا يتصف وجود أي مخلوق بالشر المطلق والسيئة لأن كل موجود مخلوق لله؛ {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] وخلق الله كل شيء بقدر لازم وهندسة ونظم؛ {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2] فوهبت هذه الهندسة والنظم لمخلوقات العالم جمالاً وحُسناً؛ {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة: 7]، فكل شيء من حقائق العـالم لـه حـظ مـن الحسن على قدر حظه من الخلقة والوجود وكلها تسير في نظام متناسق هادف باتجاه مقصد واحد؛ {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50].

فتبين من خلال هذه الرؤية القرآنية التي استخرجت من آيات عديدة أن عالم الخلق بأسره خير وجمال وحسن ومخلوقات الله بأجمعها آيات وعلامات تدل على جلال وجمال خالقها ولا يوجد في نظام العالم الأحسن أي موجود باطل وشر وزائد.

فكما أن الجنة من آيات الله الجميلة كذلك جهنم في النظام العام جميلة ومناسبة وقد عد القرآن الكريم جهنم من النعم؛ {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 43 - 45]، وحتى الشيطان ووساسه المؤذية ضرورية وجميلة في مجموع نظام الاختيار والتكامل لوصول الإنسان إلى المقامات الإنسانية الرفيعة وإن كانت المقارنة بين النار والجنة وبين الشيطان والملك تُسبّب اعتبار القبح في أحدهما والحسن في الآخر.

نسبية الشر

وأما كون بعض الموجودات شر كالنار والشيطان فهو أمر نسبي وإضافي؛ أي أن شرها ناجم من سوء اختيار الظالم الذي أوقع بنفسه فـي النـار باتباعه الشيطان وأما بالنسبة للمؤمن الصالح الذي نال عالي الدرجات في الجنة عبر اختياره طريق الأنبياء (عليهم السلام) والصمود أمام وساوس الشيطان، فهي لیست بشرّ له بل تُعد خيراً.

وكذا الحيوانات المفترسة والثعبان والعقرب فإن كل واحد منها في أصل وجوده خير ونسبة إلى الإنسان الذي يوقع الضرر فيه فهو شر ومعنى ذلك أن شرها نسبي. وكذلك الحال بالنسبة للحوادث المؤلمة كالزلزال والسيل التي تقع إثر علل وأسباب طبيعية فهي شرّ لمن ابتعد عن تعاليم الأنبياء (عليهم السلام) النافعة والناهضة عن عقل وتدبير وإلا فالمجتمع المتدين والمتحضر بمعناه الحقيقي قادر على أن يستبدل السيل المدمر بقوة مفيدة ومولّدة للطاقة وألا يعيش في مواضع صدع الأراضي المعرضة للزلازل أو أن يقوم لمجابهة الزلزال ببناء بيوت لا تُهدّم.

وبناء على هذا فإن كل المخلوقات الإلهية مع غض النظر عن مقارنتها وملاحظتها مع سائر الأشخاص والأشياء خير ولا يوجد موجود في حد ذاتــه شر محض، وإن عُدت بعض الموجودات من خلال مقارنتها مع الإنسان شر لبعض الأشخاص فهو ناجم من سوء اختيارهم وإلا فذلك الموجـود الـضـار كالثعبان خير وجميل في حد ذاته.

عدمية الشرّ

هناك بيان آخر للشرور وهو أن مفهوم الشرّ منتزع من «عدم التحقق» و «زوال الفعلية»، فإن لم يتحقق شيء بتاتاً أو كان مستعداً لتلقي كمال ولم يتحقق ذلك الكمال، سيكون عدم تحقق أصل الوجود (ليس التامة) أو فقدان كمال الوجود (ليس الناقصة) هو المنشأ لانتزاع مفهوم الشر، وكذلك الحال فيمـا لـو ارتفع أصل الوجود أو كماله عن شيء فإن زوال فعلية الوجود أو كمالـه هـو المنشأ لانتزاع معنى الشر. وإن ملاحظة مصاديق الشر الخارجية أيضاً يؤيد هذا التحليل المفهومي، لأن الشر لا يكون له مصداق إلا في حالة فقدان أصل الوجود ـ معنى «ليس» التامة - أو فقدان كماله - معنى «ليس» الناقصة - وأما إذا تحقق أصل الوجود وكماله لشيء فلا يبقى للشر مصداق.

وعلى هذا الأساس قالوا: الشرّ معدوم بالذات وموجود بالعرض، وأيضاً: الشر معلول بالعرض لا بالذات والحاصل أن الشر لا يحتاج إلى مبدأ فـاعلي بالذات وليس له غاية بالذات.

فلا يبقى مجال لهذا السؤال وهو أن مبدأ الشرّ الفاعلي هل هو الله أم غير الله، ولا يمكن القول أنه لو كان الفاعل للشرّ هو الله، فهذا لا ينسجم مع حكمته وعدله ومع النظام الإلهي الأحسن ولو كان غير الله فهو يتنافى مع التوحيـد الأفعالي وعموم خالقية الله، إذ ثبت أن الشر معدوم بالذات وحقيقته فقدان الوجود أو فقدان الكمال.

العالم العاري من الشر

قد يطرح هذا السؤال نفسه وهو أن الشرّ وإن كان معدوماً بالذات ولكن لماذا تتم تركيبة العالم بصورة يكون متضمناً لأشياء فاقدة للوجود أو الكمال حتى تكون سبباً لظهور الشرّ وانتزاع مفهومه؟ ولماذا لم يُخلق العالم بصورة تكون فيه جميع الموجودات كاملة ولا يصاب أي مخلوق بالضرر فــي وجـوده وكمالـه لتقتلع جذور الشرّ من العالم ولا يقع أي موجود مصداقاً لمعنى الشر بالعرض؟

والجواب أنه قد تبيّن في فن الحكمة أن كل موجود وفق الاحتمال الأول لا يخرج عن أحد خمسة أقسام لا تقل ولا تزيد، لأن هذا الحصر عقلي والحصر العقلي يبتني على نقيضين يستحيل ارتفاعهما كاجتماعهما، والأسلوب المنطقي لبيان هذه الأقسام الخمسة هو أن الموجود إما خير محض أم لا، وفـي الحالة الثانية إما شر محض أم لا وفي حالة كونه لا خير محض ولا شر محض إما خيره غالب أم لا وفي الحالة الثانية إما خيره وشره متساويان أم لا.

والنتيجة المنطقية لهذه القضايا المنفصلة الحقيقية هي أن كل موجود إما خير محض أم شر محض وإما خيره غالب وشرّه مغلوب أم شره غالب وخيره مغلوب وإما خيره وشره متساويان.

ولا يمكن أن يتحقق إلا قسمين من بين هذه الأقسام الخمسة لأن القسم الثاني وهو الشر المحض محال ذاتاً، إذ يستحيل أن يكون شيء شراً لنفسه ولسائر الأمور وحتى لعلته ومعلوله ولا ينسجم معها، لأن وجود الشيء لا هـو عين عدمه ولا مقتضٍ لعدمه.

وتحقق القسمين الأخيرين ممتنع أيضاً لمنافاته مع حكمة الله سبحانه المنزّه مع فعله عن اللغو والعبث، لأن تحقق موجود يكون شرّه غالباً على خيره ترجيح المرجوح على الراجح وتحقق موجود يكون الخير والشر فيه متساويان ترجيح بلا مرجح وكلاهما باطل.

وبناء على هذا التحليل لا يتحقق من بين هذه الأقسام الخمسة إلا قسمين: أحدهما الخير المحض والآخر الغالب خيره.

ولكي يتضح أن النظام الموجود هو النظام الأحسن رغم اختلاطه بالشر ولا يمكن لعالم الإمكان أن يكون خيراً محضاً لابد من التعرض إلى أمرين آخرين.

أحدهما أنه لماذا لا يستطيع الموجود الغالب خيره أن يكون كالقسم الأول خيراً محضاً وكذا لا يمكن لكل الموجودات أن تتصف بالخير المحض وأن تخلو من الشر؟

والآخر أنه لو ثبت عدم إمكان اتصاف كلّ موجودات عالم الخلـق بـالخير المحض، فما هي الضرورة التي تقتضي تحقق موجود متصف بالشر؟ ولم يكن بالمقدور أن يكون هذا القسم أيضاً كالأقسام الثلاث الأخر معدوماً ليرتفع الشر عن العالم؟

جواب السؤال الأول هو أن الموجود لو كان مجرداً محضاً فهو خير محض لنزاهته عن المادة وصيانته عن الحركة وبالتالي لا يتضرر ولا يُلحق الضرر بالآخرين لأن المجرد مصون من الطوارق الداخلية كالموت والمرض ومأمون من التزاحم والتعارض الخارجي مع باقي الموجودات؛ (لا تزاحم في المجردات).

وأما لو كان الموجود مادياً وسعة وجوده وقدرته لا تجتاز دائرة الحركة من القوة إلى الفعل فإن التزاحم والتصادم وبالتالي الشر القليل له ضروري وحتمي.

وجواب السؤال الثاني القائل بأنه ما هي الضرورة لتحقق موجـود مـادي ملازم للشر، هو أنه لو تم بسبب الابتعاد عن الشر القليل للوجود المادي الإعراض عن خيره الكثير وعدم تحقق مثل هذا الموجود لاستلزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو بنفسه شرّ غالب، لأن تفويت الخير الكثير للصون من الشر القليل يستلزم مزيداً من الشر.

وقد أضاف شیخ الإشراق (رحمه الله) هنا نقطة أخرى وهي أنه لـو انـزاح التضاد والتزاحم عن عالم الوجود لما استدام الفيض الإلهي؛ «لولا التضادّ ما صح دوام الفيض على التجدد المستمر»(1)، لأن التزاحم والاصطكاك سبب لنزول فيض جديد. إذ لو لم تتّخذ الموجودات المادية صورة جديدة لنفسها إثر التناقض والتضاد لما تحقق التحول والتكامل وبالتالي لما تجدد الفيض الإلهي وهـو مخالف مع دوام فيض الله؛ «دائم الفضل على البرية»(2).

وإن سبب حدوث التصادم والوقائع الأليمة في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية تارة يكون ناجماً من سوء اختيار الإنسان وأخرى من حركة المجتمع السيئة وأحياناً لابتلاء الفرد أو المجتمع وامتحانهم أو لأسباب أخرى مخفية على البشر. فإن الله سبحانه قطعاً لا يريد أن تصيب الموجودات بأسرها ومنها الإنسان أدنى سيئة وظلم؛ {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 108].

________________________

(1) مطارحات، ص 466-467.

(2) مفاتيح الجنان، أعمال ليلة الجمعة. 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد