اعتماد الوطن على حضارة سكانه
المؤلف:
د. يسرى الجوهري
المصدر:
المضمون البشري في الجغرافيا
الجزء والصفحة:
ص 64 ـ 66
2026-08-03
58
أن الحضارة المادية تعتمد في بنائها على موارد الموطن ، كذلك نلاحظ أنه إذا ما استطاعت أي حضارة أن تعمر طويلا فإنه من الضروري أن تحافظ على طرق استغلال الموارد الطبيعية وعلى هذه الموارد إذ أن العلاقة قوية بين حضارة السكان والأرض التي يقطنون فوقها وهذه العلاقة أمر ضروري للبقاء لدرجة أن بعض الجغرافيين نادوا أن البيئة تفرض على الإنسان الأشياء التي عليه أن يعملها أو يتجنب عملها ويبدو خطأ هذه النظرية بوضوح عند دراسة أي اقليم تاريخياً فالسكان أصحاب حضارات مختلفة يمكن أن يستغلوا قطعة أرض معينة بطرقا مختلفة فالإقليم الغنى بموارده في حضارة ما قد يكون فقيرا فى موارده في نظر حضارة أخرى . وعلى الرغم من أن كل الموارد مرجعها إلى الطبيعية إلا أن موارد الأرض لا تصبح موارد حقيقية إلا إذا ما توصل الإنسان إلى طريقة استغلالها .
فلننظر مثلاً إلى تاريخ استغلال الفحم . في الوقت الحاضر لا يستطيع أي فرد انكار أن الفحم مورد طبيعي هام غير أن الفحم كان ايضا موردا طبيعيا منذ القرن الماضي فقد عرفه هنود العالم الجديد غير أن الصخور السوداء التي يعثرون عليها فوق سطح الأرض هناك لم تمثل في نظرهم موردا طبيعيا لأن حضارتهم لا تتضمن أي طريقة لاستغلاله كذلك كان الفحم معروفا لأهل الصين قبل أن تعرفه أوربا فحينما وصل الرحالة ماركو بولو إلى فينسيا بعد عودته من الصين وأخبر أهله أنه شاهد هناك صخورا سوداء تحترق لم يصدقوه لأن الفحم لم يكن موردا في أوربا في ذلك الوقت كما أنه لم يكن موردا اقتصاديا أساسيا في الصين إذ أن حضارتهم ظلت معمرة رغم عدم استغلال الفحم . فالفحم لم يصبح موردا طبيعيا أساسيا إلا بعد اختراع الآلات البخارية وتحويل الفحم النباتي إلى فحم الكوك الذي يستخدم في الصناعة.
ونفس الشيء ينطبق على الموارد الطبيعية الأخرى إذ لا يكون أي جزء من البيئة موردا طبيعيا ما دامت حضارة الإنسان لم تعطيه هذه الصفة بمعنى أننا نستطيع أن نقدر قيمة موارد المنطقة في ضوء مفاهيم الحضارة ومن ثم فمن الضروري إعادة تقدير قيمة الموارد الطبيعية فى أى منطقة يغير فيها السكان طريقة عيشهم وحتى لو أردنا أن نجد إجابة للسؤال هل البيئة صالحة لاستغلال الإنسان أم لا فإن اجابته لابد وأن توضح في ضوء الحضارة السائدة لأن دراسة الأرض التي يعيش عليها الإنسان توضح لنا جزءا من القصة فحسب إذ يستطيع الإنسان في بعض الأحيان وتحت ظروف التقدم التكنولوجي على أن يرتفع فوق الحدود الطبيعية التي يمكن أن ترسمها له البيئة فعلى سبيل المثال إقليم نيوانجلند في الولايات المتحدة اقليم لا توجد به أي موارد طبيعية بعد أن قطعت وحطمت غاباته فكل ما يملكه الاقليم قليل من الفحم وبعض المعادن القليلة ورغم هذا النقص فقد ظل اقليم نيوانجلند من أغنى اقاليم الولايات المتحدة والسبب في ذلك يعود إلى حضارة الإنسان إذا كان لدى سكان نيوانجلند مقدرة هائلة في انتاج المصنوعات من المواد الخام المستوردة الرخيصة نسبياً .
ومع تغير حضارة الإنسان تتغير أيضا صورة الموطن وخير مثل على ذلك تاريخ النقل في الولايات المتحدة فقبل وصول الرجل الأبيض إلى هذه المناطق استطاع هنود أمريكا أن يهتدوا عن طريق الخيرات التي اكتسبوها في الصيد وسط الغابات إلى أسهل الطرق التي تعبر المناطق التلالية كذلك إلى اسهل الممرات واقصر الطرق واقلها انحدارا كما تجنبوا المستنقعات في بطون الأودية .
وحينما وفد الأوربيون إلى العالم الجديد واحضروا معهم العربات التي تجرها الخيول وجدوا أن الهنود قد سبقوهم فى اكتشاف اسهل الطرق الطبيعية للسفر لأن نفس المظاهر السطحية التي تجنبها الرجل المرتحل في سفره تمثل أهمية بالنسبة لاستخدام الحصان والعرية في السفر ولذا فأول طريق اقامه الأوربيون لعبور الولايات المتحدة كان إلى جانب الطرق التي سلكها الهنود وأيضا حينما شيدت طرق السيارات تبعت نفس الطرق التي أقامها الهنود من قبل وقبل منتصف القرن 19 ظهرت وسيلة جديدة للمواصلات بعد اختراع القطارات البخارية التي لم يكن ميسورا لها ان تتبع الطرق التي سلكها الهنود لأن قوة الآلة قادرة على تسلق المنحدرات والانشاءات الحادة . ومن جهة أخرى لم يكن من الصعب بناء سكك حديدية تعبر المناطق المستنقعية أو بناء الكبارى والانفاق التمر فوق الأنهار والمستنقعات وتعبر الجبال وكان نتيجة لذلك أن تبعت السكك الحديدية طرقا مختلفة عن الطرق التي تسلكها السيارات ونظراً لأن مدنا عديدة أقيمت على طول خطوط السفر القديمة ولم تتمكن خطوط السكك الحديدية من الوصول إليها فقد أقيمت مدنا جديدة عند التقاء طرق السكك الحديدية ، وتبع كل ذلك أن تغيرت معالم السطح الحضارية إلى مظهر جديد مع تطور وسائل النقل .
الخلاصة أن الحضارة شيء مكتسب لا يورث ، وأن الإنسان يتعلم تبعاً لطرق الحضارة التي ينشأ فيها ، وأن التغير الذي حدث في تاريخ الإنسانية تم في فترات قصيرة لأسباب طارئة وبدون مقدمات ولذا تسمى الفترات التي عاصرت هذا التغير باسم الثورات وقد كانت الثورة الانتاجية الأولى نقطة تحول في تاريخ الإنسان لأنها جعلته لأول مرة منتجا للقوت بعد أن كان مجرد مستهلكا له وقد تبعت هذه الثورة ثورات أخرى غيرت من اقتصاديات الشعوب وطرق عيشها ومن ثم فالفرق بين الحضارات البسيطة والمعقدة أصبح يرتكز على تعدد طريق العيش وتنوعها وعلى الحفاظ على الموارد الطبيعية والتى يعتبر حسن استغلالها أمر ضروري لبقاء الحضارة وازدهارها والحضارة جزء من البيئة التي تشمل أيضا البيئة الطبيعية أو الموطن الذي تتغير صورته باستمرار مع تغير حضارة السكان وذلك لأن الموارد الطبيعية لا تصبح موارد حقيقية إلا إذا ما توصل الإنسان إلى طريقة استغلالها .
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الجغرافية الحضارية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة