إضافة إلى وجوب الوقوف في عرفات الذي تفيده كلمة (مِّنْ عَرَفَاتٍ)، فإنّها تفيد أن نقطة الشروع في المناسك يجب أن تكون منطقة عرفات أيضاً. وقد ابتدأ نبي الله إبراهيم عليه السلام كذلك مناسكه من عرفات كما علمه الله وبينه له، ونفس الحج الإبراهيمي هذا أيضاً علّمه الله لنبيه الأكرم ﷺ الذي علمه بدوره للمسلمين بقوله: «خذوا عني مناسككم[1]».
ويفهم من بعض الروايات أن جملة (فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ) ربما تشير إلى سلوك بعض رؤساء قريش وتفكيرهم الجاهلي النابع من دوافع عنصرية تقضي حسب زعمهم بتميزهم عن بقية القبائل بسبب انتسابهم إلى إبراهيم وسدانتهم للكعبة مما يجعلهم أفضل من الجميع، مما جعلهم يسمون أنفسهم (الخمس) أي الأشداء الثابتين في الدين، فصاروا يعتقدون عدم وجوب ذهابهم إلى خارج الحرم للوقوف في عرفات في مراسم الحج، بل يرون أن عليهم أن يقفوا في المشعر الحرام (المزدلفة) التي تقع ضمن حدود الحرم، لأنهم يسكنون في الحرم وهم أهله، بينما يجب على الآخرين القادمين من مناطق بعيدة أن يذهبوا إلى عرفات كل ذلك مع علمهم جيداً أن الوقوف في عرفات هو من أجزاء مناسك الحج الإبراهيمي.
ولما جاء القرآن الكريم أبطل في الآية التالية سلوكهم الجاهلي هذا، وأمرهم بالوقوف في عرفات، وأن يبدأوا مناسك حجهم من نفس المكان الذي يفيض منه سائر الناس: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ[2]).
ووفقاً لما ذكرناه تكون الآية التالية مقدّمة على الآية التي هي مورد البحث من ناحية الرتبة، حيث إن الترتيب في الأصل هكذا: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام[3]).
ويؤيد ما ذكرناه من الترتيب – اضافة الى القرينة الخارجية المتمثلة ببعض روايات أهل البيت عليهم السلام وجود القرينة الداخلية المتمثلة بـ(فاء) التفريع في (فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ) اذ لا يمكن أن تكون الافاضة من عرفات متفرعة من ابتغاء الفضل الالهي (كسب الرزق الحلال بالتجارة) لانعدام الصلة بين هذين الشيئين أما لو كانت الاية التالية متقدمة في ترتيبها على هذه الاية فهنا أدرك السامع بصورة جيدة معنى فاء التفريع هذه.
ولاشك في أن مثل هذا الافتراض يجب أن يسند هذا الترتيب الى أمر الرسول الاكرم ﷺ مباشرة أو بالواسطة وان كان في الاية التالية احتمال آخر أيضا أقوى من هذا الاحتمال.
وبناء على ما ذكرناه من الاحتمال يظهر من مجموع الايتين بوضوح أن نقطة شروع مناسك الحج هي الوقوف في عرفات وأن السلوك الجاهلي لرؤساء قريش في ابتداء المناسك من المشعر الحرام هو سلوك مرفوض.
ملاحظة: بين القرآن الحكيم بعضا من الامكنة التي يؤدى فيها أحد مناسك الحج مثل بيت الله بعنوان (المطاف) ومقام ابراهيم بعنوان (المصلى) والصفا والمروة بعنوان (المسعى) وعرفات والمشعر بعنوان (الموقف) أما بقية أماكن الحج فلم يرد لها ذكر في القرآن.
[1] مستدرك الوسائل، ج 9، ص 420 ؛ عوالي اللآلئ، ج 4، ص 34؛ نهج الحق، ص 473 - 474
[2] سورة البقرة، الآية 199.
[3] تفسير العياشي، ج 1، ص 96 - 97؛ التبيان، ج 2، ص 168 - 169؛ الدر المنشور في التفسير بالمأثور، ج 1، ص 545 - 546 .