يعد الوقوف في منطقة المشعر (المزدلفة) من واجبات الحج وأركانه التي تكفلت سنة المعصومين عليهم السلام ببيانها[1].
وقد اختلف المفسرين والفقهاء في دلالة جملة (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) على وجوب الوقوف في المشعر الحرام أو عدم دلالتها[2].
فاستدل البعض ممن قال بدلالتها على وجوب الوقوف في المشعر الحرام بدليلين: 1. ان الامر (فَاذْكُرُوا) يدل على وجوب الذكر في المشعر الحرام ووجوب الذكر في المشعر الحرام يستلزم الوقوف هناك اذن هذه الجملة تدل على وجوب الوقوف في المشعر الحرام بالملازمة[3].
2. حمل الكثير من المفسرين والفقهاء الامر بالذكر على الاستحباب[4]، وقد رد عليهم القائلون بنظرية وجوب الوقوف فقالوا: وبعد فإن الاية الآمرة بذكر الله في المشعر) تقتضي وجوب الكون في المكان المخصوص (الوقوف في المشعر) و(وجوب) الذكر جميعا فإذا دل الدليل على أن الذكر (في المشعر الحرام) مستحب غير واجب أخرجناه من الظاهر وبقي الاخر يتناوله (الوجوب) الظاهر وتقدير الكلام فإذا أفضتم من عرفات فكونوا بالمشعر الحرام واذكروا الله فيه[5].
وهناك بعض آخر عمد الى الفرار من حمل الامر بالذكر على الاستحباب بقوله: إن المراد من الذكر بقرينة: (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ) هو شكر الله والشكر لله على نعمه واجب في كل حال[6].
وكما ذكرنا فإن أغلب المفسرين والفقهاء حملوا الامر بذكر الحق سبحانه على الاستحباب[7]، ولم يسلموا بدلالة هذه الجملة على جوب الوقوف في المشعر الحرام وردوا على استدلالات بدلالتها على الوقوف.
والظاهر أن كلام هذه الفئة صحيح إذ طبقا لكلا منهم فإنه لا يمكن إثبات وجوب الوقوف في المشعر إلا عن طريق اثبات وجوب الذكر والأمر به فإذا حمل الامر بالذكر على الاستحباب انسد طريق فهم وجوب الوقوف في المشعر من هذه الاية[8]، وعلى هذا تنحصر دلالة جملة (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) في اثبات وجوب الدخول في المشعر الحرام والعبور منه فقط ولا تدل على وجوب التوقف فيه حيث يمكن ذكر الله وامتثال الامر الالهي أثناء العبور من المشعر.
ولا بد من التنبيه هنا على أن تعين الوقوف وعدم كفاية العبور وتعيين مقدار الوقوف قد تم بيانها وتفصيلها بواسطة سنة المعصومين عليهم السلام.
تنبيه: لما كان ظاهر الامر (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ) يفيد الوجوب جملة بعض على الجميع بين صلاتي المغرب والعشاء في المزدلفة وذلك كي يحافظوا على ظاهر الامر[9]، لأن الصلاة أيضا ذكر: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي).
ويجب الالتفات الى أن حمل المطلق على المقيد يحتاج الى دليل للتقييد والا كان جمعا تبرعيا وفي مثل هذه الموارد يكون التصرف في الهيئة وحمل (واذكروا) على الاستحباب مقدما على التصرف في المادة وحمل الذكر على الصلاة.
[2] مجمع البيان ج1-2ص527 فقه القرآن الراوندي ج1ص287 كمز العرفان ج1ص304 الجامع لاحكام القرآن مج1 ج2 ص393.
[3] مجمع البيان ج1-2ص527 كمز العرفان ج1 ص304 فقه القرآن الراوندي ج1 ص286
[4] راجع: أنوار التنزيل ج1 ص112 تفسير البحر المحيط ج2 ص106زبدة البيان ص270 جواهر الكام ج19 ص79.
[5] راجع مسالك الافهام الكاظمي ج2ص204زبدة البيان ص272فقه القرآن الراوندي ج1ص277
[6] فقه القرآن الراوندي ج1ص287
[7] أنوار التنزيل ج1ص112 مسالك الافهام الكاظمي ج2 ص204-206 زبدة البيان ص271-272
[9] التفسير الكبير مج3ج5ص178-179