قال تعالى: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} [طه: 85] قال: بالعجل الذي عبده.
وكان سبب ذلك أن موسى لما وعده الله أن ينزل عليه التوراة والألواح إلى ثلاثين يومًا أخبر بني إسرائيل بذلك وذهب إلى الميقات وخلف هارون على قومه، فلما جاءت الثلاثون يومًا ولم يرجع موسى إليهم غضبوا وأرادوا أن يقتلوا هارون، قالوا: إن موسى كذبنا وهرب منا.
فجاءهم إبليس في صورة رجل فقال لهم: إن موسى قد هرب منكم ولا يرجع إليكم أبدًا، فاجمعوا لي حليكم حتى أتخذ لكم إلهًا تعبدونه.
وكان السامري على مقدمة موسى يوم أغرق الله فرعون وأصحابه، فنظر إلى جبرئيل وكان على حيوان في صورة رمكة[1]، فكانت كلما وضعت حافرها على موضع من الأرض تحرك ذلك الموضع. فنظر إليه السامري وكان من خيار أصحاب موسى، فأخذ التراب من تحت حافر رمكة جبرئيل وكان يتحرك، فصره في صرة وكان عنده يفتخر به على بني إسرائيل.
فلما جاءهم إبليس واتخذوا العجل قال للسامري: هات التراب الذي معك. فجاء به السامري فألقاه إبليس في جوف العجل، فلما وقع التراب في جوفه تحرك وخار ونبت عليه الوبر والشعر، فسجد له بنو إسرائيل، فكان عدد الذين سجدوا سبعين ألفًا من بني إسرائيل.
فقال لهم هارون كما حكى الله: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} [طه: 90-91]
فهموا بهارون حتى هرب من بينهم، وبقوا في ذلك حتى تم ميقات موسى أربعين ليلة.
فلما كان يوم عشرة من ذي الحجة أنزل الله عليه الألواح فيها التوراة وما يحتاجون إليه من أحكام السير والقصص، ثم أوحى الله إلى موسى: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} [طه: 85] وعبدوا العجل وله خوار.
فقال موسى (عليه السلام) : يا رب، العجل من السامري فالخوار ممن؟ فقال: مني يا موسى، إني لما رأيتهم قد ولوا عني إلى العجل أحببت أن أزيدهم فتنة.
فرجع موسى كما حكى الله عز وجل إلى قومه غضبان أسفًا، {قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي} [طه: 86]
ثم رمى بالألواح وأخذ بلحية أخيه هارون ورأسه يجره إليه، فقال: {يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 92-93]
فقال هارون كما حكى الله: {يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 94]
فقال له بنو إسرائيل: {مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} [طه: 87] قال: ما خالفناك، {وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ} [طه: 87] يعني من حليهم، {فَقَذَفْنَاهَا} [طه: 87] قال: يعني التراب الذي جاء به السامري طرحناه في جوفه.
ثم أخرج السامري العجل وله خوار، فقال له موسى: {مَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ} [طه: 95] قال السامري: {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} [طه: 96] يعني من تحت حافر رمكة جبرئيل في البحر، فنبذتها أي أمسكتها.
فأخرج موسى العجل فأحرقه بالنار وألقاه في البحر، ثم قال موسى للسامري: {فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ} [طه: 97] يعني ما دمت حيًا، وعقبك هذه العلامة فيكم قائمة أن تقول لا مساس، يعني حتى تعرفوا أنكم سامرية فلا يغتر بكم الناس، فهم إلى الساعة بمصر والشام معروفون بـ"لا مساس".
ثم هم موسى بقتل السامري، فأوحى الله إليه: لا تقتله يا موسى فإنه سخي. فقال له: {انْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا * إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه: 97-98]
قيل: وإن من عبد العجل أنكر عند موسى (عليه السلام) أنه لم يسجد له، فأمر موسى (عليه السلام) أن يبرد العجل بالمبارد وألقى برادته في الماء، ثم أمر بني إسرائيل أن يشرب كل منهم من ذلك الماء، فالذين كانوا سجدوا يظهر له من البرادة شيء، فعند ذلك استبان من خالف ممن ثبت على إيمانه.
[1] الرمكة : كرقبة الأنثى من البراذين جمعه رماك كرقاب . ج . ز .