لما كان صدر الاية يتحدث عن الايثار والبذل في سبيل الله وكسب مرضاته كان المتوقع بمقتضى ذلك أن تنتهي الاية كما في الموارد المشابهة: (وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[1]) أو (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ[2])، الا أن آخر الاية ينتهي هكذا: (وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) وهذا يعني أن الجملة المذكورة تشير الى أمر مهم آخر.
توضيح ذلك أن الله خلق العالم بنظام هو أصلح وأحسن الانظمة وهو بعباده رءوف ورحيم من هنا فهو لا يغفل عن فساد المفسدين بل ان رحمته ورأفته قضت بأن يأمر أناسا يضحون ويبذلون كي يقفوا سدا مانعاً أما تلك الفئة من الناس التي تريد الدنيا وتفسد في الارض وتعمل على ابادة المجتمع الانساني والإسلامي ولا تعبر انتباها لكل أنواع المواعظ والانتقادات وهنا تكمن حكمة عدم الاتكفاء في هذا القسم من الايات بتصنيف الناس الى طالح وصالح وتهديد المفسدين بعبارتي: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ[3]) و(فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [4])؛ لأنّ مجرّد هذه التهديدات لا يكفي لمنع هؤلاء من الإفساد والتخريب، ولا لإصلاح المجتمع، بل إن الله يبعث من ينوب عنه فيكافح ويضحي ويبذل نفسه ليقاوم هؤلاء المفسدين ويخلص البشرية والمسلمين من شتر هذا الصنف من الناس الذي لا يمكن إصلاحه: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ[5]).
وبما بيناه يظهر فرق الآية التي هي مورد البحث عن الآيات التي تنتهي كلماتها بعبارات الفوز العظيم و الفضل العظيم؛ ففي تلك الآيات كان الكلام مقتصراً على الحديث عن الصلاح وبذل النفس والمال في سبيل الله وأنّ الله يتفضّل على هؤلاء المضحين بالنعم الكثيرة أو أن الله ذو فضل عظيم وما شابه ذلك؛ بينما كان الحديث في هذه الآية يدور حول عدم غفلة الله عن فساد المفسدين في الأرض وظلمهم وأنه يرسل رجالاً ربانيين كي يقاوموا هؤلاء المفسدين؛ وذلك لأن رحمة الله سبحانه ورأفته بعباده في النظام الأمثل تقتضي مثل هذا أولاً، وثانياً أنّ الله سبحانه لو لم يفعل ذلك لانجرت المجتمعات إلى الفساد: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ[6]).
وعلى هذا، فالمفسد في الأرض ليس حُرّاً في هذه الدنيا؛ بل إنّ خلق الله للدنيا والآخرة بأفضل نظام وفضله ورحمته بعبادته يصير سبباً في الدنيا كي يتعذب المفسدون فيها على يد الرجال الربانيين، وإذا تمكن أحدهم من الإفلات من سيوف هؤلاء الرجال الربانيين فجهنم في انتظاره يوم القيامة.
ملاحظة: يعتبر القرآن الكريم تخريب المراكز العلمية والدينية سبباً لظهور الفساد في الأرض؛ لأنّ تخريب المراكز الدينية يؤدّي إلى ضعف الأخلاق لدى الناس فتخلي البصيرة لديهم مكانها إلى الحسّ ويميلون إلى الطبيعة فيعمهم الفساد: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا[7])، في حين أن نشاط المراكز العلمية والدينية وإقامة الشعائر وإحيائها تقف سداً أمام فساد المجتمعات الإنسانية والإسلامية واضمحلالها.
وتوضيح ذلك: 1. أن أهم العوامل التي تقف عائقةً أمام الإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل هي الصلاة التي هي عمود الدين (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ[8]).
2. إن المسجد الذي هو أهم المراكز العبادية إنّما يقوم على التقوى، والعنصر الأساس فيه هو تربية الرجال المحبين للطهارة: (رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا[9]). وهذه الآية رغم حديثها عن مسجد قبا، إلا أنها طبقت على مسجد النبي، ويمكن تطبيقها على أي مسجد غيرهما إذا كان مبنياً على الإخلاص[10].
3. إن أول عمل تبليغي قام به الرسول الأعظم ﷺ كان تأسيسه لمثل هذا النوع من المراكز الدينية والثقافية؛ ومن هنا فإذا أردنا إصلاح المجتمع يجب أن نسعى إلى ذلك عن طريق إعمار هذه المؤسسات الدينية، كما يجب التنبه إلى أن فساد ذلك المجتمع هو النتيجة الحتمية لتخريب المراكز الدينية.
[3] سورة البقرة، الآية 205.
[4] سورة البقرة، الآية 206.
[5] سورة الأنعام، الآية 89.
[6] سورة البقرة، الآية 251.
[7] سورة الحج، الآية 40 .
[8] سورة العنكبوت الآية 45 .
[9] سورة التوبة، الآية 108.
[10] تفسير العياشي، ج 2، ص 111 - 1 12؛ مجمع البيان، ج 5 - 6، ص 111 .