تعريف الفيتشر
المؤلف:
د. محمد معوض إبراهيم د. بركات عبد العزيز
المصدر:
إنتاج البرامج الإذاعية والتليفزيونية
الجزء والصفحة:
ص 328- 331
2026-08-14
26
تعريف الفيتشر:
الفيتشر كقالب إذاعي لم يستقر بعد على تعريف محدد له، ولعل ذلك يرجع إلى أن ذاتية المنتج يكون لها دور ملحوظ ، فإذا كان قالب الفيتشر له جانب موضوعي متمثلا في الالتزام بالحقيقة والمعايير الإذاعية المقبولة في توصيل الفكرة إلى الجمهور، فإن له جانبا ذاتيا آخر هو ذاتية المسؤول عن البرنامج، فهذا المسؤول هو الذي يحدد أسلوب أو أساليب توصيل الفكرة ملتزما بالمعايير الإذاعية، غير متقيد بالقوالب الإذاعية المعروفة، ربما تكون هذه المسألة وراء عدم وجود تعريف محدد لقالب الفيتشر كقالب إذاعي، فقد عرفه البعض بأنه: شكل إذاعي لا قالب تقليدي له، وعرفه البعض الآخر بأنه قالب إذاعي ذو شكل درامي ومحتوى وثائقي، وعرفه البعض الثالث بأنه: قالب إذاعي يوصل الموضوع إلى المستمع بالأخـبـار عـن هـذا الموضوع، والتوثيق له والتعليق عليه بواسطة قوالب إذاعية نمطية. أما لورانس جليام رئيسة قسم برامج الفيتشر بهيئة الإذاعة البريطانية سابقا فتعرف هذه البرامج بأنها: فن مزج صدق الحديث بقوة دراما المسرحية، ولكن ليس على غرار مسرحي يستهدف إيجاد الخداع الدرامي بما يخدم غرض المسرحية وإنمـا مـن أجل إقناع المستمع بحقيقة ما يقال حتى ولو كان ذلك في شكل درامي.
إن الذين وضعوا كل هذه التعريفات لبرنامج الفيتشر يعبر كل منهم على الأرجح إما عن تجربته الخاصة في إنتاج هذه البرامج، أو عن مفهومه لها، فجاء الاختلاف في التعريفات بمثابة انعكاس منطقي لواقع الحال، فالقول بأن الفيتشر قالب إذاعي لا شكل تقليدي له قد يعبر عن تجربة شخصية أنتجت الفيتشر بأكثر من أسلوب، والقول بأن الفيتشر قالب إذاعـي ذو شكل درامي ومحتوى وثائقي قد يعبر عن أن واضع هذا التعريف قد استفاد بتقنيات الدراما والتوثيق في إنتاج برامج فيتشر بهذا الأسلوب، أو أنه لمس بعض برامج الفيتشر التي أنتجت مستفيدة من هذه التقنيات .. وهكذا.
على هذا الأساس يمكن أن نذكر تعريفا صريحا للفيتشر بأنه: "قالب إذاعي يعرض المضمون بأسلوب إبداعي تحدده ذاتية المنتج مع الالتزام بالمعايير الاذاعية"، ومن هذا التعريف لقالب الفيتشر يتضح أن أهم سمات شخصيته الإذاعية تتمثل في:
1- إن قالب الفيتشر يشمل أي شكل يعرض الفكرة: شريطة أن يكون هذا الشكل يختلف عن كل الأشكال الإذاعية المعروفة، فكل قالب إذاعي لا تنطبق عليه مواصفات التحقيق الإذاعي مثلا، أو المجلة الإذاعية، أو برنامج المنوعات.. إلخ، هو قالب فيتشر، وهذا المقصود "بالإبداعية" في برامج الفيتشر، ولعل في ذلك ما يجعل قالب الفيتشـر يتيح فرصة الإبداع بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، فالمنتج لا يتقيد بقالب معين إنما يتقيد فقط بالمعايير الإذاعية سواء كانت هذه المعايير ممثلة في فنية العمل الإذاعي مثل الجاذبية والتشويق والبساطة والوضوح والإثارة..ألخ، أو السياسة الإعلامية للخدمة الإذاعية بمـا تتضمنه من قواعد برامجية بوجه عام، وفيما عدا ذلك يكون من العبث وضع مواصفات يتعين أن يتقيد بها منتج الفيتشر.
2- إن قالب الفيتشر تتعدد أساليبه: فنظرًا لأن ذاتية المنتج هي التي تحدد أسلوب عرض الفكرة، فإنه من المنطقي أن يكون لكل منتج ذاتيته الخاصة وقدراته ومهاراته ومعارفه الاتصالية - أي أن هناك "ذاتيات" متعددة، وبالتالي أساليب متعددة في عرض الموضوع أو الفكرة، وبهذا المعنى يصبح قالب الفيتشر مجال أمل مستقبلي لتطوير أساليب تقديم البرامج الإذاعية بوجه عام وتزداد أهمية هذه المسألة من واقع ما نلمسه في الممارسة الإذاعية حيث ينزع بعضها إلى تضمين الأشكال التقليدية أساليب مبتكرة، ليس في اتجاه "مسخ" بعض وتشويه هذه الأشكال التقليدية، ولكن في اتجاه تطويرها وتجويدهـا دون التقيد بما كان متعارفًا عليه من ثوابت ترتكز عليها تلك الأشكال. لقد جاء عدم التقيد بهذه الثوابت بمثابة الانتقال بالشكل التقليدي من الجمود إلى الحركة ومن التقليد إلى الابتكار، ومن الديماجوجية والنمطية في بعض الأحيان إلى الاستنارة والإبداع، لقد عبرت هذه بعض الأساليب المتبعة بالأشكال الفكرة عن نفسها بصورة عملية التقليدية، فجاءت هذه الأشكال أجمل كثيرًا وأشد بريقا وجاذبية عما كانت عليه في حالة التمسك الأعمى بما طالعتنا به بعض الأدبيات من قواعد وضعت في سالف العصر والأوان، عصر لم يكن فيه هذا التعدد الهائل من الرسائل الإعلامية المتاحة للجمهور من مصادر متعددة قد وجد بعد ولم تكن فيه هذه المنافسة الهائلة على اجتذاب الجمهور من قبل هذه المصادر.
ليس هذا بالطبع تقليل من شأن القوالب الإذاعية التقليدية وإنمـا هـو بمثابة تأكيد لفكرة هامة وهي أن هذه القوالب قابلة للتطوير بل إنها يجب أن تكون كذلك بالفعل، وأن الذات الإنسانية المبدعة بإمكانها ابتكار أساليب جديدة في إطار ما هو متعارف عليه من قوالب إذاعية وكذلك في ابتكار قوالب إذاعية جديدة خارج هذا الإطار، إن هذا المفهوم لبرامج الفيتشر يثير سؤالا في منتهى الاهمية هو: إذا كان الفيتشر الإذاعي قالب لا نمط محدد له، فكيف يمكن إنتاج مثل هذا الشكل؟ وفي حالة تحديد كيفية إنتاجه، ألا يتناقض ذلك مع خاصية عدم وجود أسلوب محدد؟ لا شك أن كيفية الإنتاج ستختلف من حالة إلى أخرى، وفي هذا الاختلاف ما يجعل الشق الثاني من السؤال لا مبرر له، وسوف نوضح فيما يلي العناصر العامة التي تفيد في إنتاج بعض أشكال الفيتشر وتقربها إلى أذهان الدارسين والممارسين.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في اعداد وتقديم البرامج
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة