وهدف أوغوسطوس إلى الوحدة والسلم والطمأنينة، فرأى أن وصول غير اليوليوسيين إلى منصة الحكم يثير الحسد والطمع والمطالبة بالسلطة. فأزوج — بعد وفاة مركلوس ابن أخته من زوجها الأول في السنة 23ق.م. — أغريبة من بنته يولية؛ لينجبا خلفًا يوليوسيًّا، وأثمر هذا الزواج، فخلَّف لأوغوسطوس حفيدين: غايوس في السنة 20، ولوكيوس في السنة 17، فتبنى أوغوسطوس الحفيدين في السنة 17، وجعلهما «قيصرين caesares».
واستعان أوغوسطوس في أثناء حداثة حفيديه بأغريبة والدهما، وبطيباريوس ودروسوس ابن زوجته ليبية من زوجها الأول، ووثق بأغريبة وفوَّض أموره إليه، ولم يداخله ريب في ولاء طيباريوس ودروسوس، ولم يبدُ منهما ما دعا إلى التحذر، ولكنه شاع عن الاثنين أنهما آثرا العودة إلى نظام جمهوري حقيقي.
وفي السنة 16ق.م.، اضطر أغريبة أن يعود إلى الشرق؛ لتدبير شئونه باسم أوغوسطوس، فوطد حكم «بوليموس Polemos» في البونط، ونظم شئون الجاليات العسكرية في بيروت وبعلبك، ونظر في أمور اليهود في فلسطين ونال تقديرهم، ثم ساءت الأحوال عند وادي الرين، فاضطر أوغوسطوس أن يتولاها بنفسه، فعين ستاتيليوس طوروس «ناظرًا praefectus» على رومة، ونهض إلى غالية فوادي الرين مصطحبًا طيباريوس ودروسوس أيضًا. وبعد أن نظم شئون غالية نهض إلى إسبانية، تاركًا حماية حد الرين في أيدي طيباريوس وأخيه، وفي السنة الثالثة عشرة عاد أوغوسطوس إلى رومة، وعاد إليها أيضًا صهره أغريبة، وجُددت بروقنصلية أوغوسطوس خمس سنوات أخرى، كما جُددت تربنة أغريبة مدة مماثلة، ثم ظهرت القلاقل في بانونية في البلقان الغربي، فأسرع أغريبة إليها لإخماد نار الفتنة فيها، وعاد إلى رومة في ربيع السنة 12، فنصبه المرض، وأثخنه وانتزعه من بين ذويه، فشقَّ ذلك على أوغوسطوس، وحرمه صديقًا مخلصًا ومعاونًا قديرًا، ووصيًّا أمينًا على الأحفاد الخلفاء (1)، ووُلد لأغريبة ولد ذكر بعد وفاته، فسمي أغريبة أيضًا Agrippa Postumus.
وهكذا، فإن أوغوسطوس اضطر أن يعيد النظر في أمر الوصاية على الأحفاد القُصَّر مرة ثانية، فأكره طيباريوس على الزواج من يولية المترملة في السنة 11، وذلك على الرغم من تعلقه ﺑ «ويبسانية Vipsania» بنت أغريبة من زواجه الأول. وفي السنة 9ق.م. وقع دروسوس عن ظهر حصانه في إحدى جولاته العسكرية الموفقة في ألمانية فمات، فأمسى طيباريوس الخلف المنتظر لأوغوسطوس في حال وفاته قبل بلوغ أحفاده السن القانونية. وفي هذه السنة أيضًا، عاد أوغوسطوس من غالية وإسبانية سالمًا، فكرَّس السناتوس «مذبح السلام Ara Pacis» في فسحة مكشوفة محوطة بجدران من الرخام، مغطاة من الأسفل بزنار عريض من اللوالب النباتية المزخرفة، وفوقها سلسلة من النقوش البارزة، تمثل إحداها البطل الخرافي إينياس آتيًا بتقدمة إلى هيكل أسرة الآلهة الرومانية، التي حملها من طروادة إلى لاتيوم. وانتهت مدة بروقنصلية أوغوسطوس في السنة 8، فجددها عشر سنوات أخرى، وأشرك طيباريوس فيها (2)، وفي السنة السادسة نال طيباريوس التربنة لمدة خمس سنوات.

Ara Pacis.
وفي هذه السنة السادسة عينها بلغ غايوس حفيد أوغوسطوس الرابعة عشرة، فمهَّد جده لانتخابه قنصلًا، فتردى الفتى في السنة التالية ﺑ «طوغة الرجال toga virilis»، وقُدِّم للجمهور مواطنًا رجلًا، وأذن له بحضور جلسات السناتوس، ونودي به «مواطنًا أول بين الأحداث Princeps Iuventutis» وزعيم الفرسان الأحداث، وجرى مثل هذا بالضبط لأخيه لوكيوس بعد ثلاث سنوات.
وفوجئ أوغوسطوس في هذه السنة السادسة أيضًا باعتزال طيباريوس الحياة المدنية العمومية، وانزوائه في جزيرة رودوس. ولم يكن السبب في ذلك إلحاح أوغوسطوس في أن تبقى الخلافة بعد وفاته لأحفاده اليوليوسيين، وإنما كان عبث زوجته يولية بالأمانة له، وتماديها في الخلاعة وصفاقة الوجه. ومع أنه لم يستنكف عن القيام بواجبات الوصاية، فإنه لم يرضَ أن يكون قوادًا لامرأة، ولو كانت بنت أوغوسطوس. وما فتئ طيباريوس منزويًا في رودوس، عاكفًا على درس النجوم والتنجيم، حتى قرر أوغوسطوس إبعاد بنته يولية في السنة 2ق.م.، إلى جزيرة «بندتيرية Pandateria» (3)، فلما علم طيباريوس بذلك كتب إلى أوغوسطوس يرجو السماح له بالعودة إلى رومة، ولكن أوغوسطوس لم يرضَ، ولم يرشح طيباريوس للتربنة عند انتهاء مدتها في السنة 1ق.م.، ولم يعد طيباريوس إلى رومة قبل السنة 2 بعد الميلاد.
وفي غضون هذا كله جاوز الحفيدان حدَّ الصغر، وبلغا سن التكليف، ففاز غايوس في السنة 4ق.م. بمقعد في مجلس أوغوسطوس الخاص، وفي السنة الثانية قبل الميلاد، اشترك هو وأخوه في تكريس «هيكل مارس Mars Ultor» في فورم أوغوسطوس الجديد. وفي السنة التالية، أنفذ غايوس إلى الشرق بروقنصلًا في مهمة إدارية سياسية، وبعد ذلك بسنوات ثلاث أنفذ أخوه لوكيوس بمهمة مماثلة في الغرب، ولعل غايوس هو الذي سكَّن غضب جده على طيباريوس، وأذهب حنقه (4).
وتوفي لوكيوس في مرسيلية، وهو في طريقه إلى إسبانية في السنة 2ب.م.، ثم توفي غايوس في السنة 4 من جرح أصابه في أرمينية في أثناء قيامه بالواجب، فتبنى أوغوسطوس طيباريوس، ومنحه التربنة عشر سنوات، ولكنه تبنى أيضًا حفيده الثالث أغريبة الصغير، وجعل طيباريوس يتبنى بدوره ابن أخيه جرمانيكوس من زوجته أغريبينة حفيدة أوغوسطوس، مؤثرًا بذلك الدم اليوليوسي مرة أخرى، ممهدًا لنزاع شديد نشِب بعد وفاته بين أحفاد كلوديوس وأحفاد أوغوسطوس، ولم يكن أغريبة لائقًا بالحكم؛ لأنه نشأ فظًّا قاسيًا، كما أن جرمانيكوس نشأ عنيدًا متصلفًا.
وتميزت السنوات العشر الأخيرة من حكم أوغوسطوس بتعاون متزايد بينه وبين طيباريوس، واضطر أوغوسطوس في الاتكال على ربيبه الجديد في المهمات العسكرية. فلما جاءت السنة 13ب.م. وانتهت بها بروقنصلية أوغوسطوس وتربنة طيباريوس، اعتبر أوغوسطوس ربيبه شريكًا له في الحكم، كما جرى في السنة 18ق.م. لأغريبة، وفي صيف السنة 14 حضرته الوفاة، فقال لذويه: «لقد نجحت في الدور الذي لعبت، فصفقوا واصرفوني من المسرح مصفقين متهللين.» ثم التفت إلى زوجته ليبية فعانقها، وقال: «اذكري اتحادنا الطويل، أستودعك!» وبعد أيام قليلة حمله الشيوخ على الأكتاف إلى حقل مارتيوس، وأحرقوا جثته، بينما كان أبناء الأسر الكريمة يرتلون ترانيم الوداع (5)، وفي أيلول السنة نفسها 14ب.م. رفعه الشيوخ إلى مصاف الآلهة، فأمسى Divus Augustus (6).
.........................................
(1) DIO CASS., 54:28.
(2) DESSAU, Insc. Lat. Sel., 95.
(3) VELLEIUS, 2:100; SENECA, Ben., 6:32; DIO CASS., 48, 53–56; MACROBIUS, Sat., 2:5.
(4) JONES, H., The Princeps, Cam. Anc. Hist., X, 155–157.
(5) SUETONIUS, 99.
(6) GAGE, J., Divus Augustus, Rev. Arch., 1931, 11; TAYMOR, L.R., The Divinity of the Rom. Emperor, Am. Philol. Ass., 1931.