... أنّ علمه سبحانه بالأشياء ذو مرتبتين :
الأولى : علمه بها قبل إيجادها في مرتبة الذات وقد عرفت برهانه.
الثانية : علمه بها بعد إيجادها خارج مرتبة الذات وقد عرفت برهانه. هذا حسب ما ساقتنا إليه البراهين الفلسفية. غير أنّ الذكر الحكيم يذكر لعلمه سبحانه مظاهر عبّر عنها تارة :
باللوح المحفوظ ، وأخرى بالكتاب المسطور ، وثالثة بالكتاب المبين ، ورابعة بالكتاب المكنون ، وخامسة بالكتاب الحفيظ ، وسادسة بالكتاب المؤجّل ، وسابعة بالكتاب ، وثامنة بالإمام المبين ، وتاسعة بأم الكتاب. وعاشرة بلوح المحو والإثبات.
فإلى اللوح المحفوظ أشار سبحانه بقوله : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (1).
وإلى الكتاب المسطور بقوله : (وَكِتابٍ مَسْطُورٍ* فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ) (2).
وإلى الكتاب المبين بقوله : (وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) (3).
وإلى الكتاب المكنون بقوله : (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ* فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ) (4).
وإلى الكتاب الحفيظ بقوله : (قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ)(5).
وإلى الكتاب المؤجّل بقوله : (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً) (6). وإلى الكتاب بقوله: (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) (7). وإلى الإمام المبين بقوله : (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ) (8). وإلى أم الكتاب بقوله : (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) (9). وإلى لوح المحو والإثبات بقوله : (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ) (10). وقد اكتفينا في الإشارة إلى كل كتاب بآية واحدة مع أنّ بعض هذه الكتب وردت الإشارة إليها في آيات كثيرة.
ثم إن المفسرين اختلفوا في حقيقة هذه الكتب وخصوصياتها فمن قائل بتجردها عن المادة والمادية حتى يصحّ أن تعدّ مظاهر لعلمه غير المتناهي. ومن قائل بكونها ألواحا وكتبا مادية سطّرت فيها الأشياء وأعمارها وأوقاتها على وجه الرمز. ولا يمكن الركون إلى هذين القولين بل يجب الإيمان بها وتحرّي تفسيرها عن طريق الكتاب والسنّة الصحيحة.
ثم إنّه يعدّ من مظاهر علمه القضاء والقدر وسنبحث عنهما في فصل خاص بإذن منه سبحانه.
_____________
(1) سورة البروج : الآيتان 21 و 22.
(2) سورة الطور : الآيتان 2 و 3.
(3) سورة الأنعام : الآية 59.
(4) سورة الواقعة : الآيتان 77 و 78.
(5) سورة ق : الآية 4.
(6) سورة آل عمران : الآية 145.
(7) سورة الإسراء : الآية 4.
(8) سورة يس : الآية 12.
(9) سورة الزخرف : الآية 4.
(10) سورة الرعد : الآية 39.