إن واجب أنبياء الله والمؤمنين هو الجهاد والدفاع عن دين الإسلام، والله يعينهم في ذلك. لكن النصرة الإلهية القطعية تعني نصرة الدين والشخصية الحقية لهم لا نصرة شخصهم وأبدانهم؛ لأنّ أشخاصهم ستنال (إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ[1])، إما النجاة والعودة منتصرين فاتحين، أو يكون نصيبهم الإصابة أو الأسر أو الشهادة التي ينالون بها السعادة الأبدية.
ولم يتعهد الله بضمان سلامة أبدان المجاهدين في سبيله، بل إنّه يحفظ دينهم أولاً، وثانياً يدخلهم في الجنّة، أما أشخاصهم وأبدانهم فربما حفظها وربما لا؛ إذ قد يتوقف حفظ دينهم أحياناً على شهادتهم. ومن هنا تكون نصرة الله أو قطع مثل هذه النصرة متعلقاً بمساعدة أشخاص وأبدان الأنبياء الذين لا يُعلم بقاؤهم سالمين أو استشهادهم، ولا يتعلّق الأمر بالدين الإلهي؛ لأنهم متيقنون أنّ دينهم وشخصيتهم الحقيّة منصورةٌ من الله، حيث إنّ نصرة الدين هي الوعد الإلهي الأكيد.
وتدل مجموعة من الايات على أن أنبياء الله إنما قاموا لنصرة الدين وأن الله قد وعدهم في القرآن وعدا أكيدا بأن يكون النصر حليفهم ومنها:
1. (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [2]).
إن الله ذو قدرة مطلقة لا يمكن التغلب عليها ولعظمة المطلب وضع الله اسمه الى جانب اسم رسله.
2. (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ[3]).
وهذه الاية جرى التأكيد فيها بعدة صور (الجملة الاسمية إن لام التأكيد وضمير الفصل) على أن جنود الله هم الغالبون والمنصورون كما هو الحال في آية (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ[4]).
وفي مقابل ذلك هناك مجموعة أخرى من الايات تدل على أن أنبياء الله وأتباعهم قد نالوا الشهادة بأفجع الطرق في سبيل نصرة دين الله مثل:
1. قال الله تعالى عند بيانه أدلة ذلة بني اسرائيل ومسكنتهم: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ [5]).
وأدنى ما نشير اليه كلمة (النَّبِيِّينَ) بالالف واللام هو الكثرة.
2. (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ[6]).
وهذه الآية لا تكتفي ببيان مقتل الكثير من الأنبياء، بل هي تشير أيضاً إلى مقتل من يأمر الناس بالقسط والعدل.
3. (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ[7]).
وهذه الآية هي الأخرى تفيد أنّ الكثير من الأنبياء قد خاضوا القتال وساندهم في ذلك العديد من الناس وتحمّلوا مخاطر الحرب ومصاعبها في سبيل الله دون أن يفل ذلك من عزائمهم، بل استقاموا في ذلك السبيل الإلهي.
4. (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ[8]).
وهذه الآيات تستعرض قصة أصحاب الأخدود الذين أحرقوا المؤمنين الأبرياء في النار.
فالذي تدلّ عليه هذه المجموعة من الآيات هو أن أنبياء الله والمؤمنين وجنود الله قد قاتلوا في سبيل الله، وأنهم قد لاقوا المصاعب وقدموا التضحيات في هذا الطريق، وشرب بعضهم كأس الشهادة، في حين أن ما تفيده الآيات التي ذكرناها في المجموعة الأولى هو أنّ الله تعالى قد وعد بحفظ هؤلاء ونصرتهم.
وبناءً على ما ذكرناه في أوّل هذا المبحث فلا مجال لأي تناقض بين هاتين المجموعتين من الآيات؛ لأنّ المراد من النصرة القطعية للأنبياء والمؤمنين هو حفظ الدين والعقيدة ونصرة الشخصية الحقية لهؤلاء الأنبياء، لا أجسادهم وأشخاصهم؛ لأن العنصر الحيوي الوحيد هو دين الله الذي يجب أن يبقى حياً، أما حياة الأنبياء والمؤمنين فتتوقف عليه.
وهكذا فكلما قام المؤمنون ونصروا دين الله لا بد من أن يحفظ الله دينهم لان انتصار الدين هو الوعد الالهي الاكيد كما ذكر سبحانه مرات عديدة أن دين الحق محفوظ بلا أدنى شك وأن من المستحيل أن يتعرض لأي خلل: (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ[9]).
كما أنه من باب (تشبيه المعقول بالمحسوس) شبه السلام الابيض والأسلحة النارية للكفار في قبال الارادة الالهية بنفخة الفم في مقابل الشمس: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ[10]).
(وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ[11]).
أي إن ما عليك هو القيام بواجبك ونحم ننصر ديننا لان الدين لا يتوقف على شخصك أو حياتك.
وبما ذكرناه اتضح أنه حينما تقول احدى الايات إن رسل الله قد انقطع أملهم واستيأسوا من نصرة الله وإن الناس قد ظنوا أن ما قيل لهم كان كاذبا: (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا[12])، فإن المراد هو اليأس من النصرة الظاهرية والبدنية حيث إنه لما لاحت في الافق العلامات الظاهرية لانتصار العدو وهزيمتهم نصرهم الله في تلك اللحظة وليس المقصود أنهم يأسوا من نصرة الدين لأن دين الله نور لا ينطفئ أبدا كما أن الله سبحانه قد وعد وعدا أكيدا بالانتصار الحتمي لذلك الدين.
وخلاصة الكلام أنّ المجموعة الأولى من مجموعتي الآيات التي ذكرناها تتحدث عن الشخصية الحقية للأنبياء، أي الدين والعقيدة الإلهية، أما المجموعة الثانية (شهادة الكثير من الأنبياء) فتتحدّث عن أبدان الأنبياء الذين نصروا الدين الإلهي بشهادتهم أو إصابتهم أو وقوعهم في الأسر.
وقد تتوقف نصرة الدين وبقائه أحياناً على شهادة أو إصابة القادة الإلهيين: إن كان دين محمّد لم يستقم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني[13]، مثلما قد تتوقف أحياناً أخرى على فوزهم وانتصارهم.
والأكيد أن الشهداء لم يخسروا شيئاً؛ لأنهم تخلّوا عن بدن كان يعيق تحليق أرواحهم، والتحقوا بالملكوت الأعلى، وتنعموا بمجاورة رحمة الحق.
وهنا لا بأس من التذكير بهذه النقطة، وهي أنه لو افترضنا أن المقاتلين الأحرار لن يصيبهم أي أذى في الحرب بين الإسلام والكفر وانعدام الامتحان فيها، فذلك يعني عدم تحقق الإصابة أو الشهادة في سبيل الله من جهة، وعدم تشخیص قيمتهما لو افترضنا تحققهما.
أضف إلى ذلك أنه كان المناسب حينئذ ألا تقع المصائب على أتقى الناس، وهم الأئمة المعصومون عليهم السلام، في حين أنّ المنقول عنهم أنهم قالوا: «ما منا إلا مسموم أو مقتول[14]»، وأنهم كانوا يفتخرون بالشهادة في سبيل الله، كما يظهر من قول أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام: فوالله لولا طمعي عند لقائي عدوّي في الشهادة، وتوطيني نفسي على المنية؛ لأحببتُ ألا أبقى مع هؤلاء يوماً واحداً، ولا ألتقي بهم أبداً[15]».
[1] سورة التوبة، الآية 52 .
[2] سورة المجادلة الاية 21
[3] سورة الصافات الايات 171-173
[6] سورة آل عمران الاية 21.
[7] سورة آل عمران الآية 146 .
[8] سورة البروج، الآيات 4 - 8 .
[13] الصحيح من سيرة النبي الأعظم، ج 3، ص 112 .
[14] بحار الأنوار، ج 27، ص 2 17. ولم يقتنع البعض - كالشيخ المفيد رحمه الله بكلّيّة هذا المطلب سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد، ج 5، تصحيح اعتقادات الإمامية، ص 132.
[15] نهج البلاغة، الرسالة 35