يكون الاختلاف في القاموس القرآني طبيعياً وممدوحاً أحياناً، وهو الذي يعبر عنه ب (الاختلاف قبل العلم)، وطمعياً ومذموماً أحياناً أخرى، وهو ما أطلقوا عليه اسم (الاختلاف بعد العلم).
الاختلاف المحمود: وهو الاختلاف الناشئ من محاولة البحث عن الحق والواقع؛ كاختلاف اثنين من المفكرين في ما بينهما، وتحاورهما من أجل الوصول إلى الحق الذي يمهد السبيل أمام الوصول إلى الحقيقة. وهذا الاختلاف لما كان مما يوفر الأرضية اللازمة للرقي والكمال، ويوصل الناس إلى منصة الاتحاد والانسجام، عد ممدوحاً ومطلوباً.
إن الاختلاف قبل العلم يحصل في مرحلة التحقيق، وهو الذي يدفع بالإنسان نحو التحقيق، وروحيّة التحقيق والبحث هذه هي السبب في ترقيه؛ إذ لولا هذا الاختلاف في الأفكار وانعدام تصارع الآراء وعدم تباينها لتوقف التطور العلمي والصناعي، وافتقر الناس إلى مستلزمات إدراك المسائل المعقدة.
ولا يتنافى هذا الاختلاف بأي شكل من الأشكال مع كون الناس (أمة واحدة) واشتراكهم في وحدة الهدف؛ لأن كلا طرفي النزاع يشتركان في المقصد والهدف الواحد، وكلاهما يسعى لظهور الحق والواقع، تماماً مثل كفتي الميزان اللتين في خضم اختلافهما تشتركان في هدف واحد هو بسط القسط والعدل.
فلو كانت إحدى الكفتين - كفّة الوزن وكفّة البضاعة - خفيفة والأخرى ثقيلة لظهر الاختلاف، فإن كانت كفّة الوزن أثقل إعترضت مطالبة بإضافة مقدار من البضاعة حتى تصير معادلة للوزن ويحصل الانسجام بين الكفتين. وإذا كانت كفّة البضاعة أثقل إعترضت هي الأخرى على عدم معادلة الوزن للموزون.
إذن فكلتا كفتي الميزان يجب أن تكونا متساويتين متناسقتين حتى يمكن توازنهما وحركتها حركة منسجمة تقطع دابر الاختلاف.
ومن هنا نرى أن صدر الآية مع تأكيده على كون الناس الأوائل (أُمة)، ووصف تلك الأمة بالوحدة، فرع على ذلك بـ(فاء التفريع) معتبراً أن القضاء على اختلافات تلك الأمة الواحدة يتوقف على بعثة الأنبياء ونزول الكتاب: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا).
ومن هذه الآية نعلم أنّ اختلافاتهم كانت قبل نزول الوحي، وأن الأنبياء قد أوضحوا لهم الحق وتغلبوا على تلك الاختلافات من خلال بيان المعارف ووضع القوانين.
وقد أشارت الآية التي هي مورد البحث تلويحاً إلى الاختلاف الممدوح والمحمود، وقالت: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)، ثمّ لما تطوّرت العلوم والصناعة وطرق استثمار الموارد الطبيعية، وكيفية تشخيص الحق من الباطل وتعيين المصالح والمفاسد، برز الخلاف بين الناس. وهذا الاختلاف من النوع الممدوح؛ لانه حصل باعتباره أمرا طبيعيا قبل مجيء الانبياء ونزول الكتب السماوية وعلى اثره بعث الله الرسل وأنزل معهم كتابه كي ينهي ما بينهم من الخلافات: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا).
وتدل عبارة (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا) على أن مضمون الاية هو كالتالي: (كان الناس أمة واحدة ثم اختلفوا فبعث...)، إذ لو كانت وحدة أوائل البشر باقية محفوظة ولم تختلف ملكاتهم النفسية وأمورهم الفردية والاجتماعية لكان إيراد العبارة المذكورة لغو اذ لم يكن هناك اختلاف بين الناس كي يتكفل الكتاب السماوي مهمة التحكيم لحله أولا وثانيا لم يكن هناك حاجة الى نزول مجموعة قوانين باسم الكتاب السماوي اذن لابد من أنه كان هناك اختلاف هيأ الارضية لبعثة الانبياء ونزول الكتب.
ويؤيد هذا الاستنتاج آية (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ[1])، الصريحة في وجود الاختلاف قبل نزول الوحي.
والاختلاف الاول يبقى طبيعيا وممدوحا اذا أدى الى ظهور الحق وإلا فهو من النوع المذموم كتناكح المرأة والرجل الذي ينتهي بالتناسل ولو لاه لبقي الانسان عقيما ومن هنا أمكن اعتبار السؤال والجواب والنقد ورده وأمثال ذلك من سنخ النكاح العلمي الذي يحصل بين رأيين.
أما الاختلاف المذموم فهو الاختلاف الحاصل بعد ظهور الحق والواقع نتيجة للظلم وهوى النفس فصاحبو الرأيين اذا تبادلوا الافكار واتضح الحق لهم تحت نور العقل أو النقل المعتبر لكنهم أصروا على اتباع الشيطان وهوى النفس وعاندوا الحق واختلفوا فحينئذ يكون اختلافهم من النوع المذموم الهادف الى ابطال الحق وإحقاق الباطل كما لو لجأ البائع بعد تكافؤ كفتي الميزان الى التطفيف وإنقاص السلعة بالتحايل وإيجاد الاختلاف بين كفتي الميزان ومثله ما لو شاء الانسان أن يرمي بنفسه نحو الوادي بعد الوصول الى قمة الاتحاد.
وعلى هذا فكما أن الشمس أفضل وسيلة الى الرؤية واستثمار النور لكنها مضرة للخفاش والفاكهة الطازجة وحلوة المذاق هي أفضل الاغذية لبناء الجسم ونموه لكنها مضرة بمرضى الجهاز الهضمي فكذلك الكتاب السماوي هو أفضل وسائل تحقيق الوحدة وإيجاد الاتحاد ورفع كل أنواع الاختلاف لكنه لمرضى القلب (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ) وسيلة اختلاف وتشتت: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا[2])، لأن الاختلاف المذموم يحصل بالتعكز على الكتاب الالهي.
والاختلاف المذموم غالبا ما يحصل بين علماء الدين وحملة الكتب السماوية كما أن الله سبحانه اعتبر الاختلاف بعد الوحي والبينة منحصرا فيهم: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)، (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ[3])، (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ[4])، كما حذر المسلمين من أن يختلفوا في الدين ونص الكتاب السماوي كما فعل علماء أهل الكتاب: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ[5]).
تحدثت الاية التي هي مورد البحث عن الاختلاف المذموم على النحو الاتي:ان الناس انقسموا قسمين تجاه نزول الوحي وابلاغه بواسطة الرسل: فبعض منهم قبلوا تعاليمهم وسلموا أمام الحق وبعض من علماء الدين لم تنفعهم كل هذه البينات والمعجزات الالهية وظهور الحق فلم يقبلوا بالوحي من باب البغي والحسد والعناد ومهدوا لظهور الاختلاف في الدين: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ).
وقال البعض تبريرا للاختلاف المذموم: إن هذا أيضا هو نوع من اختلاف وجهات النظر وإن علماء الدين لم يبينوا إلا رأيهم الشخصي مقابل رأي الانبياء إلا أن هذا الكلام ليس صحيحا لان أساس الاختلاف المذموم هو الهوى والهوس والبغي والعناد (بَغْيًا بَيْنَهُمْ) أولا. وثانيا أن الله سبحانه قد دل على طريق لحل اختلاف وجهات النظر وهو جواز اتباع علماء الدين لبعضهم في الكثير من الموارد وخصوصا ذلك المورد الذي يكون فيه النظر المتبوع مطابقا للاحتياط إلا إذا ثبت بالعلم الوجداني أن الطرف المقابل قد أخطأ ووجود العلم الوجداني في المسائل الفقهية من الامور النادرة.
[2] سورة الاسراء الاية 82
[3] سورة آل عمران الاية 19
[5] سورة آل عمران الاية 105