وأوجب أوغوسطوس وصول جرمانيكوس ابن دروسوس أخي طيباريوس إلى السدة بعد طيباريوس لا دروسوس ابن طيباريوس من زوجته الأولى «ڨبسانية Vipsania» بنت أغريبة، وكان جرمانيكوس صبيح الوجه مشرق الجبين، محبوبًا من الشعب والجيش (1)، وكان لا يزال في الثامنة والعشرين من عمره، وقد تزوج من أغريبينة حفيدة أوغوسطوس من بنته يولية وزوجها أغريبة، ولم يرغب جرمانيكوس في تعجيل وصوله إلى الحكم؛ لأن عمه كان في الخامسة والخمسين من العمر، ولم يصغ لدس الدساسين، ولم يلجأ إلى العنف لتعجيل الوصول، ولم يخن طيباريوس عهده لأوغوسطوس، ولم ينكث ولم يسعَ لإيصال ابنه دروسوس إلى الحكم قبل ابن عمه جرمانيكوس.
وكان جرمانيكوس معجبًا بوالده دروسوس مفاخرًا به، فأراد أن يتشبه به ويجري على أسلوبه، وكان قد تولى ولاية الغاليات الثلاث وقيادة الجيش فيها، فلما تمرد الجنود عند الرين والدانوب، مطالبين بجماكية أكبر وخدمة أقصر وضباط ألين وألطف، رأى جرمانيكوس أن يشغل جنوده بحملة على القبائل الألمانية عبر الراين، وأن يصل بهم إلى نهر الألب، ويجعله حد رومة الشرقي في ألمانية، ونهض على رأس جنوده منفذًا، فحارب القبائل ثلاث مرات في السنوات 14 و15 و17ب.م.، ولكنه لم يتمكن من احتلال ما افتتح احتلالًا دائمًا، فرأى طيباريوس أن الجلاء عن ألمانية والوقوف عند الرين أجدى وأنفع، وأن الابتعاد عن القبائل الألمانية وعدم التدخل في شئونها يعيد البلبلة إلى صفوفها، فاستدعى جرمانيكوس ابن أخيه ووكل إليه مهمة الإشراف على شئون أرمينية في الشرق بعد أن تدخل ملك البرت في شئونها، وطرد ملكها صديق رومة منها، واحتفلت رومة احتفالًا رسميًّا بعودة جرمانيكوس واعتبرته منتصرًا، ثم انتخبه السناتوس قنصلًا للسنة الثامنة عشرة بعد الميلاد، وخوَّله «السلطة الكبرى maius imperium»، وفوَّضه النظر في أمور الشرق، وأحب طيباريوس أن يكرم ابن أخيه، فاقترح أن يكون هو نفسه القنصل الثاني للسنة نفسها، وخشي طيباريوس أن يدفع حماس الشباب ابن أخيه إلى الدخول في حرب مع البرت، فاحتاط للأمر واستبدل «كريتيكوس سيلانوس Creticus Silanus» والي سورية وصديق جرمانيكوس بكورنيليوس كلبورنيوس «بيسو Piso»؛ ليرقب جرمانيكوس ويحد من حماسه وطموحه العسكريين، ونهض جرمانيكوس إلى الشرق فحوَّل قبذوقية وقوموجينة الحليفتين الصديقتين إلى ولايتين رومانيتين، ونصَّب ملكًا جديدًا على أرمينية، ثم رغب في زيارة مصر لتفقد آثارها، ونهض إليها بدون موافقة طيباريوس، فخالف بذلك التقليد الأوغوسطي، الذي حرَّم دخول مصر على أعضاء السناتوس بدون إذن الإمبراطور، وأغاث الجياع في الإسكندرية، فوزع عليهم من الحبوب ما كان في بعض أهراء الدولة، ولقي فيها ترحيبًا حارًّا فأصدر بيانًا استنكر فيه هذا الترحيب، فزاد خبره انتشارًا (2)، ولدى عودته إلى سورية لمس تدخل بيسو في شئونه وفي الترتيبات التي أجراها، فأمره بالخروج من سورية، وما كاد بيسو يغادر سورية حتى توفي جرمانيكوس في أنطاكية، واثقًا من أن بيسو سقاه سمًّا زعافًا (19ب.م.)، فحملت أغريبينة أرملته رماده وقامت إلى رومة، فما كان من بيسو إلا أن عاد إلى سورية، فأثار بعودته الظن والقيل والقال، واضطر وكيل الوالي فيها أن يكرهه على الخروج منها، وعاد بيسو إلى رومة فمثل أمام السناتوس بدعوى القتل والدخول إلى ولاية سورية بالقوة، ومع أنه نجح في دفع تهمة القتل عن شخصه، فإنه ظل مسئُولًا عن عودته إلى سورية غير المشروعة فانتحر، وتهامس الناس ولغطوا بأن لطيباريوس يدًا في مقتل ابن أخيه، وأنه أراد أن يضمن بذلك وصول ابنه دروسوس إلى سدة الحكم بعده بدلًا من ابن أخيه جرمانيكوس، ومما زاد في الطين بلة، أن لا طيباريوس ولا أمه لبية اشتركا في مأتم جرمانيكوس، وأن لبية حمت بلانكينة أرملة بيسو من ثورة أغريبينة أرملة جرمانيكوس، فاشتد سخط أغريبينة على طيباريوس، وزادت نقمتها، وأعلنتها حربًا شعواء عليه لا هوادة فيها (3).
.......................................
(1) EHRENBERO, V. and JOWES, A.H.M., Documents illustrating the Reigns of Augustus and Tibetrius, 154 ff.
(2) EHRENBERG and JONES, op. cit., n. 320 a-b; LEWES and REINHOLD, Roman Civ., II, 562; KOESTERMANN, E., Historic, 1958, 331 ff.
(3) KESSLER, G., Die Tradition uber Germanicus, (1905) ; FUCRS, H., Rom. Mitt., 1936, 212; GELZER, M., Real-Encyc., X, 435.